حِيْنَ بَدأتِ اللّغَةُ تَتَنَفّسُ بالحَرارةِ…بقلم عمران علي (دوست)

لَم تَعُدِ اللُّغَةُ بَريئَةً مُنذَ الصَّباحِ الَّذي اِنْسَكَبَ فيهِ الطَّباشيرُ على الجِدارِ كَحَليبٍ خائِفٍ مِنِ اِنكِشافِ بَياضِهِ. كانَ ذٰلِكَ الصَّباحُ بِدايَةَ اِنكِسارِ البَراءَةِ، حينَ خَرَجَ الحَرْفُ مِن قَوقعَتِهِ، وَاكْتَشَفَ أَنَّهُ يَملِكُ أَنفاساً.
الهَواءُ لَم يَكُنْ هَواءً تَماماً، وَلَا الحُلْمُ حُلْماً تَماماً، بَل مَزيجاً مِنِ ارْتِعاشَةٍ كانَت تُشبِهُ اِسْتيقاظَ اللُّغَةِ في جَسَدٍ لَم يُجَرِّبِ النُّطْقَ بَعْدُ.
المَدرَسَةُ الضَّيِّقَةُ على طَرَفِ هُوارنِيف كانَت كَحُفرَةٍ في ذاكِرَةِ الرِّيحِ. جُدرانُها تُخفي في شُقوقِها نَفَساً غَريباً، أَنيناً خافِتاً لِكَلِماتٍ تُجَرِّبُ رِئتَيْها لِأَوَّلِ مَرَّةٍ.
في تِلكَ الغُرفَةِ الَّتي صارَت أَصغَرَ مِن ظِلِّها، كانَت عِتاب تُرَتِّبُ دَفاتِرَ النَّهارِ كَما تُرَتِّبُ كاهِنَةٌ ذَبائِحَ النُّورِ على مَذبَحِها الطِّينِيِّ.
على مَقاعِدِ الخَشَبِ القَديمَةِ نامَ الغُبارُ في اِطمِئنانٍ، لٰكِنَّ شَيئاً مِن دِفءِ أَصابِعِها كانَ يَتَسَرَّبُ إِلى الجِدارِ، فَيَلينُ الطِّينُ، وَتَتَحَوَّلُ الرُّطوبَةُ إِلى مَعنى.
في ذٰلِكَ الجَوِّ المُلْتَبِسِ بَيْنَ الطِّينِ وَالنُّورِ، بَيْنَ البَراءَةِ وَالدَّهشَةِ، وُلِدَ الإِغْواءُ الأَوَّلُ — لا إِغْواءَ الجَسَدِ، بَل إِغْواءُ اللُّغَةِ حينَ اكْتَشَفَت أَنَّها تَستَطيعُ أَنْ تَخجَلَ مِن نَفسِها، أَنْ تَحمَرَّ مِن شِدَّةِ الوَعْيِ.
مُنذُ ذٰلِكَ اليَومِ لَم تَعُدِ الدُّروسُ دُروساً، بَل صَلَواتٍ صَغيرَةً تُقامُ على مَذبَحِ الكَلِمَةِ، وَصارَ الهَواءُ في الصَّفِّ كَأَبياتِ قَصيدَةٍ لَم تُكتَبْ بَعدُ، تَتَناثَرُ أَنفاساً، وَتَتَقاطعُ كَوَشوْشَةِ المَلائِكَةِ عِندَ بابِ الوُجودِ.
حينَ اِنفَضَّ الصِّغارُ إِلى فِناءِ المَدرَسَةِ، وَبَقيَ صَدى الحُروفِ عالِقاً على السَّبُّورَةِ كَعَرَقٍ قَديمٍ لَم يَجِفَّ، قالَت عِتابُ بِصَوْتٍ يُخاتِلُ ذاتَهُ:
– مَنْ يُريدُ أَنْ يَقرَأَ أَكثَرَ، فَليَبْقَ.
كانَت تُريدُ أَنْ تُحَرِّرَ اللُّغَةَ مِن طاعَةِ المُديرِ وَالمُفتِّشِ، أَنْ تُنَقِّيَها مِن روتينِ الدَّفاتِرِ، أَنْ تُعَلِّمَها أَنْ تَتَنَفَّسَ خارِجَ المَناهِجِ العَقيمةِ.
بَقيَ قِلَّةٌ مِنَ الصِّغارِ، بَيْنَهُم آرِين، ذٰلِكَ الَّذي كانَ صَمتُهُ لَهُ هَيئَةُ اِنْبِهارٍ، لا خَوْفٍ.
جَلَسَ في المَقعدِ الأَوَّلِ، وَالدَّفتَرُ على رُكبَتَيْهِ كَكائِنٍ يَتَوَجَّسُ مِن أَنْ يُفتَحَ قَبْلَ الأَوانِ.
كانَ الوَلَدُ يَرَى العالَمَ مِن ثُقبِ الكَلِمَةِ، لا مِن نافِذَةِ البَيْتِ.
الجُدرانُ المُشَقَّقَةُ تَحفَظُ ذاكِرَةَ فُصولٍ مَضَتْ، وَرائِحَةُ الطَّباشيرِ اِخْتَلَطَت بِرُطوبَةٍ تُشبِهُ أَنفاسَ الغَيْمِ قَبْلَ المَطَرِ.
هُناكَ، في صَمتِ المَكانِ، كانَ السِّحْرُ يَتَشَكَّلُ، كَأَنَّ الغُرفَةَ مَعْبَدٌ صَغيرٌ لِلْحُروفِ، تُقامُ فيهِ صَلَواتُ الطِّينِ على أَوراقٍ بَيْضاءَ.
جَلَسَت عِتابُ على حافَّةِ الطاوِلَةِ، وَرَفَعَتْ وَجهَها نَحْوَ الضَّوْءِ الَّذي كانَ يُكَحِّلُ السَّبُّورَةَ بِظِلالٍ ذَهَبِيَّةٍ، وَقالَتْ:
– اليَوْمَ لَنْ نَحفَظَ شَيْئاً…
– سَنُحاوِلُ أَنْ نَكتُبَ ما يُريدُ أَنْ يُولَدَ مِنَّا.
نَظَرَ إِلَيْها آرِين كَما لو يَسمَعُ نُبوءَةً لا دَرساً.
شَعَرَ أَنَّ الحُروفَ الَّتي يُمسِكُها لَيْسَتْ مِلكَهُ بَعدُ، بَل كائِناتٌ بَرِّيَّةٌ تَنتَظِرُ أَنْ يُنادِيَها بِالِاسْمِ.
كانَ في صَمتِهِ مَهابَةُ ما قَبْلَ الوَحْيِ، وَالخَوْفُ فيهِ طَيْفُ خَجَلٍ لا طَيْفُ رَهْبَةٍ. وَحينَ مَرَّتِ الكَلِمَةُ على لِسانِها، اِنْفَرَجَ في رَأْسِهِ بابٌ لَم يَعرِفْهُ مِن قَبْلُ.
كانَتِ الجُمْلَةُ تَخرُجُ مِنها بِبُطْءٍ، كَما تُساقُ الأَغنامُ إِلى مَرعَى الضَّوْءِ، يُرافِقُها خَريرُ نَبرَةٍ تُغسَلُ مِن غُبارِ العادَةِ.
راقَبَ الطَّباشيرَ وَهُوَ يُسافِرُ على اللَّوْحِ، يَترُكُ أَثَرَهُ الأَبْيَضَ مِثْلَ ثَلْجٍ يَتَدَلَّى مِن فَمٍ نارِيٍّ.
كُلُّ حَرْفٍ كانَ نَجماً اِنكَسَرَ في يَدِ اللهِ، وَسَقَطَ في حِبْرِهِ.
شَعَرَ أَنَّ اللُّغَةَ لا تُدَرَّسُ، بَل تُولَدُ، وَأَنَّ الْمُعَلِّمَةَ لَيْسَتِ امْرَأَةً، بَل ساحِرَةٌ تُعيدُ الأَبْجَدِيَّةَ مِن غَيْبُوبَتِها الطَّويلَةِ.
بَيْنَ السَّطْرِ وَالسَّطْرِ، سَمِعَ خَشخَشَةَ الكَلِمَةِ وَهِيَ تُغَيِّرُ جِلْدَها، وَارْتِعاشَةَ المَعْنَى وَهُوَ يُحاوِلُ الوُقوفَ على قَدَمَيْهِ.
ذٰلِكَ لَم يَكُنْ دَرْساً، بَل اِحْتِفالاً بِوِلادَةِ الحُروفِ مِن رَحِمِ الصَّمْتِ.
قالَتْ وَهِيَ تُمرِّرُ يَدَها على دَفاتِرِهِم:
– اُكتُبوا ما يَحدُثُ في صُدورِكُم، لا ما يَطلُبُهُ الكِتابُ.
في تِلكَ اللَّحظَةِ، لَم يَعُدْ يَعرِفُ آرِين إِنْ كانَ يَكتُبُ بِالحِبْرِ أَم بِالنَّبْضِ. شَيْءٌ في قَلْبِهِ كانَ يَتَفَتَّحُ كَما لَو أَنَّ اللُّغَةَ نَفسَها تَستَنشِقُ مِن رِئتَيْهِ الحَياةَ.
كانَتِ الغُرفَةُ ضَيِّقَةً إِلى حَدٍّ أَنَّ أَنفاسَهُم تَتَشابَكُ كَخُيوطِ دُخانٍ ضائِعَةٍ. جُدرانُها مُشَقَّقَةٌ، يَسكُنُ في شُقوقِها الخَوْفُ كَما يَسكُنُ اللَّيْلُ في عُيونِ القُرى. رائِحَةُ الطَّباشيرِ تَختَلِطُ بِرُطوبَةِ الجِدارِ، كَأَنَّ الكَلِماتِ تَتَعَفَّنُ إِذا تُرِكَتْ بِلا مَعْنًى.









