رؤي ومقالات

عبدالوهاب قطران يكتب :الدبابة الأجنبية لا تبني وطناً.. (من “أكذوبة” العراق إلى “فضيحة” التحالف في اليمن)

دعمك للعربي اليوم كفيل باستمرارنا


​علق أحد الأصدقاء الطيبين -ممن تأخذهم العاطفة وتعميهم نكاية الأنظمة- على مقالي السابق بشأن السلوك المليشاوي للإدارة الأمريكية اليوم في فنزويلا، واختطاف رئيسها من وسط عاصمته. جاء تعليق الصديق “فاروق” محتفلاً بعبارة: “مبروك فنزويلا.. نهاية 13 عاماً من الانهيار.. حين يسقط القمع يبدأ الأمل”.
​رددت عليه، وأرد هنا على كل من يظن أن الخلاص يأتي محمولاً على ظهور الأساطيل: “يا عزيزي، ما بش صديق مخلص يصدق الغير، ولا عدو ينصح أو يعمل الخير”.
​إن سقوط الدول والأنظمة والزعامات الوطنية على يد الخارج، أو تنفيذاً لمؤامراته، والسماح للأجنبي بانتهاك السيادة للتدخل في “الداخل الوطني”؛ ليست له إلا نتيجة واحدة: تبعات كارثية تمحق الشعوب والدول.
​الدرس اليمني: من “استعادة الشرعية” إلى “حرب الحليفين”
​لا نحتاج للذهاب بعيداً، فجرحنا اليمني ينزف الشاهد الأبلغ. عشر سنوات عجاف مرت على التدخل العسكري الفج للتحالف السعودي الإماراتي، الذي دهمنا رافعاً لافتة براقة اسمها “استعادة الشرعية”.
​فماذا كانت النتيجة بعد عقد من الزمان؟
لقد تحولت “عاصفة الحزم” من وعدٍ بالإنقاذ إلى معولٍ لتقويض ما تبقى من أركان الدولة وتمزيق النسيج الاجتماعي. واليوم، سقطت آخر أوراق التوت في حضرموت والمهرة؛ حيث انتهت “أخوة التحالف” إلى صراع نفوذ مفضوح ومحتدم بين “الحليفين” (السعودية والإمارات).
​لم نعد نرى معارك لاستعادة دولة، بل نشهد حرباً بالوكالة بين الرياض وأبوظبي على الجغرافيا والموارد والموانئ، بدمائنا وعلى أرضنا. لقد تحول “المحررون” المزعومون إلى خصوم يتقاتلون لاقتسام الكعكة اليمنية، تاركين الشعب الذي جاؤوا لإنقاذه مطحوناً بين رحى الفقر والجوع والتمزق، وفاتحين البلد على مصراعيه لكل زناة الأرض ليعبثوا بوطننا كيفما شاؤوا.
​العراق.. الجرح المؤسس للكارثة
​وإن كان المشهد اليمني مؤلماً، فلكم في “عراق ما بعد صدام” العبرة التاريخية الكبرى.
​إليك يا صديقي المشهد العراقي الدامي، كما يقرؤه كل حر، وكما توثقه الوقائع، لا كما تسوّقه نشرات الأخبار المعلبة. بعد 22 عاماً من تلك “الكذبة الكبرى” التي سموها “تحريراً”، لم يصبح العراق واحة للديمقراطية، بل تحول إلى “مسرح للجريمة الكاملة”.
​وهذه جردة حساب لما فعله “المحررون” ببلاد الرافدين:
​1. من “الدولة” إلى “اللا دولة”:
أول ما فعله “بول بريمر” لم يكن بناء المدارس، بل قرار حل الجيش العراقي والمؤسسات الأمنية. النتيجة؟ تُركت البلاد بلا حارس، وفُتحت الحدود لكل أجهزة مخابرات العالم، ولكل “شذاذ الآفاق”، فتحول العراق من دولة مركزية قوية إلى ساحة مفتوحة للميليشيات والمافيات.
​2. هندسة “الفتنة الطائفية”:
لم يحمل الأمريكان دستور مواطنة، بل جاؤوا ببدعة “المحاصصة الطائفية والعرقية”. تم تقسيم كعكة الوطن، فتحول الولاء من “للوطن” إلى “للطائفة” و”للحزب”. هذا النظام المشوه هو الذي أنتج الحرب الأهلية، ومهد الأرضية لظهور “داعش”.
​3. نهب القرن (الفساد المشرعن):
العراق، الذي يطفو على بحر من النفط، لا يزال أهله يعانون من انقطاع الكهرباء في صيف حارق. مئات المليارات من الدولارات “تبخرت” منذ 2003 عبر عقود وهمية، وتحولت الوزارات إلى “دكاكين” لتمويل الأحزاب بدلاً من خدمة المواطن.
​4. السيادة المستباحة:
بعد عقدين، لم يعد العراق سيد نفسه، بل صندوق بريد لتصفية الحسابات الدولية والإقليمية، وقراره السياسي مكبل وموزع بين السفارات.
​الخلاصة:
​سواء في اليمن أو العراق، الدرس واحد لا يتغير:
“الدبابة الأجنبية قد تسقط حاكماً، لكنها لا تبني وطناً.. بل تحفر قبراً”.
​فلا تصفقوا لمن يغزو الأوطان بحجة إنقاذها، فالذئب لا يرعى الغنم إلا ليأكلها، وما يحدث اليوم في فنزويلا ليس إلا فصلاً جديداً من فصول هذا الخراب المعولم.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock