رؤي ومقالات

د. أسامة حمدي يكتب:ده عمري.. التحدي في المرأة!

دعمك للعربي اليوم كفيل باستمرارنا

حين تقرأ قصة حياة أم كلثوم الحقيقية (لا الزائفة) تجد قصة تحدٍّ وعناد ليس لها مثيل، يجب أن تعرفها كل امرأة مصرية، وتحتذي بها. وربما ورثت هذا العناد من أمها التي أصرت على تعليمها في كتاب القرية بقرش صاغ في الشهر، وهو ما كان كثيرًا على والدها إمام المسجد الذي كان يدفع قرشًا آخر لتعليم ابنه الأكبر. وتجد هذا التحدي وهي صغيرة تقف أمام سكير يحمل مسدسًا في أحد أفراح القرى ويطالبها أن تقول “يا ليل.. يا عين” بدلًا من التواشيح، فتقول له “اضرب لو راجل”. لقد أصرت أم كلثوم على أن تقول ما تؤمن به، كما حرصت على تطوير نفسها، فكانت تذهب نهارًا إلى مدرسة السنبلاوين مع أخويها مشيًا على الأقدام لمدة ٣ كيلومترات ذهابًا ومثلهم إيابًا، وتذهب مع والدها ليلًا لتغني في الأفراح.
وأصرت أم كلثوم على تعلم الشعر الذي أحبته من صغرها، وحتى حين ذهبت إلى القاهرة أصرت على غناء الشعر، وهو ما لم يكن معتادًا في “طقاطيق” هذا العصر، ولم يكن له سوق، فالأغاني في وقتها -كما قالت- كان كلامًا بلا معنى. قالت أم كلثوم إن الشعر يبقى ولا يبقى غيره. وكانت تتذوقه وتعرف قوافيه وأوزانه. وحين عرفت رامي، وكان يعمل في دار الكتب، طلبت منه أن يأتي إليها كل أسبوع بديوان شعر لتقرأه، وطلبت منه أن يعلمها الفرنسية التي أجادتها. وإصرار أم كلثوم لم يتوقف لحظة، فقد نزعت غطاء الرأس تمامًا في الثلاثينيات في قمة الزمن المتحفظ بشأن المرأة، وسافرت لتجوب البلدان العربية. تحدت الجميع بصوتها وموهبتها، وبزغ كوكبها عن كل ما حولها.
أصرت أيضًا أم كلثوم على التمثيل لتنافس الرجال ممثلين في غريمها التقليدي عبد الوهاب الذي كان عاشقًا لصوتها، والذي سبقها إلى التمثيل. ورغم ثناء الجمهور عليها، فإنها قالت: أنا لست ممثلة، ولن أفعل إلا ما أجيده. خاضت التجربة ليراها الناس الذين سمعوا صوتها وتابعوا صورها ولم يروها في عصر لم يكن به سوى الإذاعة. أصرت أم كلثوم ألا تتكلم مع الجمهور إلا بغنائها، وعابت على المطربين الذين يكلمون الجمهور قبل أغانيهم أو بعدها، وقالت: للكلام ناسه. إصرار لا يعرف التنازل أو الوهن.
في عام ١٩٤٠ طلبت من رامي أن يعرّفها إلى بيرم التونسي لأنه يكتب غزلًا بحلاوة الشعر في الوطنية كما في الحب، وغنت له. بيرم الذي قال عنه أمير الشعراء: “أخاف على العربية من عامية بيرم”. وحين ترشحت لنقابة الموسيقيين خاضت المعركة ضد عبد الوهاب بإصرارها على إعطاء كل الموسيقيين حقهم في التصويت، بعيدًا عن جاه المنصب وسطوته وزخرفه، وعملت بلا كلل عشر سنوات لتنصفهم وتعطيهم حقوقهم، وخاضت معارك حامية من أجل مبادئها. كانت أم كلثوم مقاتلة شرسة، لا تعرف الاستسلام. غنت أم كلثوم لمصر من قلبها لأنها عشقتها بصدق، وبلا خوف، مهما كان جبروت المعادين لها. غنت لأبطال الفالوجة المحاصرين حين طلبوا منها ذلك! كما غنت من قبل في وفاة زعيم الأمة سعد زغلول، رغم بطش الإنجليز.
وكان أصعب ما واجهته في حياتها، وانتصرت عليه بإصرار، هو مرضها، الذي غيّر ملامح عينيها، وهرمونات جسدها. بكت وهي تودع جمهورها في طريقها إلى العلاج، ولكنها عادت كالمنتصرين ليجتمع كبار الشعراء والموسيقيين والكُتاب ليحتفلوا بها. حتى عندما منعت الإذاعة أغانيها شهرين، لم تقف صامتة حتى أصر مجلس قيادة الثورة على دعوتها رسميًّا للغناء لصالح شهداء حرب فلسطين في أكتوبر ١٩٥٢. وقفت لتغني للجلاء، وصرخت في ١٩٥٦ “والله زمان يا سلاحي”، الذي هتفت به بعدها كل مصر كنشيدها القومي، وبإصرار غنته في الإذاعة المستهدفة رغم شدة القصف على القاهرة. كتلة من الإصرار والحماسة والإيمان بالوطن.
لم تخشَ أم كلثوم التجديد، فغنت للشاب الموهوب بليغ حمدي، وغنت لعبد الوهاب، والموجي، والطويل، وسيد مكاوي، وصدحت بشعر اللبناني چورچ چرداق، والسوداني الهادي آدم، وقالت: لن أهبط بكلمات الأغاني إلى الناس، ولكني سأرفعهم إلى الكلمات العذبة من الشعر، وسأجعلهم يستمعون إلى شعر أبي فراس، وعمر الخيام، وأحمد شوقي، وحافظ إبراهيم، وأحمد رامي، وإبراهيم ناجي، وصالح جودت، وأحمد فتحي بألحان السنباطي العملاق.
أصرت أن تعطي مثالًا لكل نساء مصر بالتبرع بذهبها لصالح البلد، وطارت وقد قاربت السبعين من عمرها إلى كل الأقطار العربية، وجابت المدن المصرية لدعم بلدها. مصرية عشقت طين وطنها، وأخلصت له وأحبته؛ لذا حين سألوها وهي على فراش مرضها الأخير وهى تستمع إلى أغانيها والدموع في عينيها: “بتحبي تسمعي أغانيكِ”؟ قالت: “دي مش أغاني.. ده عمري”!

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock