رؤي ومقالات

أحمد رمضان خليفه يكتب :” فرحة عارمة ” في كاراكاس: حين تحول الصحافة “الرأى الشخصي” إلى حالة بهجة عامة فى مناطق اضطرابات صعبة!

دعمك للعربي اليوم كفيل باستمرارنا

​في زمن اللهاث وراء قطار “التريند” ، حيث تُقاس جودة المنتج الصحفي بعدد النقرات ، يبدو أن بعض منصاتنا الإخبارية – وعلى رأسها ” القاهرة 24 ” – قد قررت اعتزال “مهنة المتاعب” لتتفرغ لمهنة “صناعة الأوهام”. ولعل التصميم الخبري الأخير حول ” سعادة المصري المقيم في فنزويلا ” يمثل نموذجاً تدريسياً يُدرس في كليات الإعلام.. ليس كنموذج يحتذى به، بل كخطأ مهني كامل الأركان تم تمريره بسرعة تحت وهم لافتة “سبق الصحافة الانسانية”.
___​أولاً: مفردات “الكشف” العظيم.. من أسرار الدولة إلى جلسات المقاهي!
​يبدأ “الفخ” المهني من الوهلة الأولى فالناقل ليس محرر الجريدة فى الشؤون اللاتينية ولكنه مواطن مصري بسيط ؛ العنوان. “مصري مقيم في فنزويلا يكشف…”. هنا، يستدعي المحرر فعل “يكشف” بكل حمولته المعلوماتية والسرية، ليوهم القارئ بأنه أمام وثائق “ويكيليكس” جديدة، أو على الأقل تحليل لجنرال مرموق. لكن، نكتشف أن هذا “الكشف العظيم” ليس سوى انطباعات مواطن مغترب، ربما كان يحتسي قهوته الصباحية حين قرر المحرر تحويل دردشته الشخصية إلى “مانشيت” مهم يكشف خبايا دولة مهمة في القارة اللاتينية.
​هذا ما يسمي “التضخيم اللغوي” (Sensationalism)؛ حيث تُلبس الكلمات ثياباً أكبر من مقاس الحقيقة بمراحل، فتظهر الحقيقة في النهاية عارية مثيرة للشفقة، أو للسخرية أيهما أقرب.
___​ثانياً: سيمفونية “فرحانين”.. حين تصبح “الفرحة” أداة تعميم جمعية!
​أما العنوان الفرعي “فرحانين”، فهو تحفة مصرية فنية في الانتهاك المهني. كلمة عامية، عاطفية، تفتقر لأدنى معايير “اللغة الخبرية الرصينة” أو حتى مراعاة مشاعر الرافضين للمافيا الأمريكية . الخطورة هنا ليست في الكلمة ذاتها، بل في “الإجماع” التي صادر بها المحرر مشاعر ملايين الفنزويليين وآلاف المقيمين، ليحصرها في “ترمومتر” مشاعر السيد “بركات أحمد بسيوني”.!!
هذا يسمى “القفز الاستنتاجي” (Inference Leap). لقد تحول رأي فردي عابر إلى “إجماع وطني” بلا تدقيق أو دليل
. فمن هم هؤلاء الـ “فرحانين”؟ وهل تقاس سياسات الدول واضطراباتها بميزان “الفرح والزعل”؟ إنها صحافة “التسطيح” التي تتعامل مع الأزمات الدولية وكأنها حفل زفاف في حارة شعبية عتيقة و((اللى يحب النبي يسقف)) !
___​ثالثاً: “تأطير” الوهم.. غياب التوازن وسيادة الانطباعات:
​لا مشاحة في نقل “القصة الإنسانية “، فهي ملح الصحافة العصرية ، لكن الكارثة تكمن في كيفية “التأطير” (Framing). لقد تم تقديم “الرواية الذاتية” للمصدر بوصفها “حقيقة موضوعية” لا تقبل القسمة على اثنين. عبارات مثل “حاسين باستقرار” و”مفيش خوف إطلاقاً” هي عبارات عاطفية وجدانية مكانها “البوستات” الشخصية على فيسبوك، لا القوالب الخبرية التي يُفترض أن تلتزم بالحياد وتستعرض الرأي والرأي الآخر.
​هذا الخلط المتعمد بين (الخبر) و(الرأي) هو العلة الكبرى التي تمحو الحدود الفاصلة بين الاحتراف والهواية. فالمحرر هنا لم يكن “وازناً” للخبر، بل كان “مشجعاً” يصفق لإلقاء القوانين الدولية فى سلة المهملات أو على الأقل لجهة على حساب أخرى، متناسياً أن تعريض اسم وصورة المصدر للخطر في بيئة خارجية مضطربة لم تهدأ بعد هو سقطة أخلاقية تضاف لسجل السقطات المهنية المتكررة.
📚​الدرس المستفاد: الصحافة ليست “ميكروفوناً” بل “فلتر” مهمته تنقية وفرز المصادر.
​إن الدرس الذي فات صناع هذا “التريند” هو أن الصحفي ليس “ببغاءً” ينقل ما يسمع، بل هو فلاتر ومعايير صارمة. إن تحويل “الدردشة” إلى “خبر” هو نوع من التضليل الناعم الذي يفقد القارئ الثقة في الوسيلة الإعلامية، ويجعل من المهنة مجرد “بوق” للانطباعات السطحية التى مكانها الوحيد المصاطب إن لم يكن سلة القمامة.
______
​العنوان المقترح: من كاراكاس.. مصري مغترب يستعرض مشاهداته للحياة اليومية في ظل التوترات السياسية المفاجئة
​فنزويلا – (خاص القاهرة 24)
وسط تباين الروايات حول المشهد السياسي والاقتصادي المضطرب في فنزويلا، يبرز التساؤل حول وضع الجالية المصرية والعربية هناك. (القاهرة 24) تواصلت مع أحد المصريين المقيمين في العاصمة كاراكاس، السيد بركات أحمد بسيوني (⛔ يمكن وضع اسم وهمى بلا صورة له) ، لنقل قراءته الشخصية للأوضاع الميدانية من وجهة نظر مقيم.
​مشاهدات ميدانية:
يرى بسيوني، وفق تجربته الشخصية، أن الحياة اليومية تسير بنوع من الاستقرار في المناطق التي يقطنها الجالية المصرية ، معرباً عن تفاؤله بالإجراءات الأمنية الأخيرة. وأشار في حديثه لنا إلى أن انطباعه الشخصي يميل نحو الشعور بالأمان، قائلاً: “الأمور بالنسبة لنا تسير بشكل طبيعي، ولا نشعر بتهديدات مباشرة في تحركاتنا اليومية”.
​بين الرأي الشخصي والواقع العام:
وعلى الرغم من حالة “الارتياح” التي نقلها بسيوني، إلا أن المشهد الفنزويلي يبقى محط أنظار القوى الدولية، حيث تشير تقارير إعلامية وحقوقية موازية إلى وجود انقسام حاد في الشارع الفنزويلي وتحديات اقتصادية مستمرة وغياب تصور واضح لمستقبل البلاد بعد خطف الرئيس المخلوع بواسطة قوات دلتا الأمريكية فى تجاوز صارخ للمواثيق الأممية . وتأتي شهادة المقيم المصري لتعكس زاوية واحدة من المشهد، وهي زاوية المقيمين الذين يحاولون التأقلم مع المتغيرات السياسية المتسارعة في البلاد المليئة بالنفط والثروات الطبيعية التى يسيل لها اللعاب.
​تحديات الجالية المصرية :
وتعد هذه الشهادة جزءاً من سلسلة متابعات لأحوال المصريين في الخارج، حيث تحرص البعثات الدبلوماسية عادة على دعوة الرعايا لتوخي الحذر في مناطق الاضطرابات، بغض النظر عن الانطباعات الفردية التي قد تتفاوت من منطقة إلى أخرى داخل أقاليم الدولة الواحدة.
🤔​لماذا هذه الصيغة هي الأفضل مهنياً؟
*​الموضوعية Objectivity: استبدلنا فعل “يكشف” بـ “يستعرض مشاهداته” لأن المقيم ليس جهة رسمية تملك أسراراً بل المفترض ألا يتدخل فى شؤون الدولة المقيم بها حسب الأعراف وقوانين العمل والإقامة المرعية.
*​الإحالة (Attribution): نسبنا مشاعر الفرح والأمان لشخصه (يرى بسيوني، وفق تجربته) ولم نعممها على الشعب الفنزويلي أو المقيمين كلهم .
*​التوازن Balanced Coverage: أشرنا في فقرة “بين الرأي الشخصي والواقع العام” إلى وجود وجهات نظر أخرى وتقارير دولية متباينة، لكي لا نضلل القارئ بأن فنزويلا أصبحت “جنة” فجاة نتيجة العربدة الأمريكية التى لا تعترف بمواثيق دولية بل هى مجرد مناديل كلينكس.
*​المسؤولية الأخلاقية Ethical Responsibility : الصياغة هادئة ولا تضع المقيم في صدام سياسي مباشر، مما يحميه قانونياً وأمنياً حال حدوث تقلبات مفاجىة متوقعة.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock