غير مصنف

جغرافيا الحريق في عينيك.. شعر: محمد نور الدين

النص

في مدائن عينيك
ينهار المنطق
وتتهشَّم خرائط الكلام
فلا قواميس تنقذني
ولا معاجم تعينني على تفسير هذا الزلزال الصامت

في مدائن عينيك
يسقط النحو صريعا
وتقف البلاغة خجلة
كأنها طفلة تتهجَّى صلاتها الأولى
بين يدي نبيّة

عيناك يا امرأة
ليستا مجرّد نافذتين على الوجد
بل هما فوَّهتا بركان
تنبعث منهما حمم الشوق
وماء الذاكرة
وعطر الخطيئة الأولى

أقرأ فيكِ
تاريخاً لم يكتَب بعد
وسِفراً لغوياً
لم تجرؤ قبائل العرب
على إعلانه

تتدلَّى الأحرف من جفنيكِ
كعناقيد عنب معتق
وحين تبتسمين
يتحوَّل المدى
إلى مِسك يسيل من ضلع القصيدة

إنني يا سيّدتي
لا أكتب عنك
بل أنقل ما يتسرَّب من حدقتيك
من صهيل
ومن صمت
ومن دلال يشبه الرجولة حين تخجل

أخاف عينيك
لا لأنني ضعيف
بل لأن فيهما
كلّ الحروب التي خسرتها البشرية
بلا طعنات
ولا بنادق

في مدائن عينيك
تتلاشى جغرافيا القلب
فلا أعلم إن كنت في غرب اللهفة
أم في شرق الحنين
لكنني أعلم
أنني في وطن
لا يحتاج إلى تأشيرة عشق
ولا إلى نشيد وطني

عيناك
قصيدتان من لهب
وكلما حاولت النجاة
أحترقت أكثر
وأنبعثت من رمادي
أكثر شاعرية..
في مدائن عينيك
تلغى القوانين
وتنفى الشرائع
ويمنع السير على الطرقات الآمنة
فكل شيء هناك
يبدأ بانفجار
ولا ينتهي إلا بجريمة عشق لا يعاقب عليها أحد

عيناك
ليستا مرآتين…
بل بابان سرِّيان
تفتِّش في داخلهما القصائد عن نسب لها
وتنتسب إليهما اللغات
كما ينتسب العطش إلى الماء

فيهما
لا يتكلم الضوء
بل يئنّ
ولا يمشي الندى
بل يرتجف
كلما رمشتِ
اهتزّت قلوب الشعراء
وانشقَّتِ البحور العروضية عن قصائد لا توزن
إلا على نبضك

في مدائن عينيك
الليالي لا تنام
تسهر على طاولات الحنين
تدخن نهد الوقت
وتسكب الشوق في كؤوس الغياب
كأنك آخر نساء الأرض
وأوَّل أنثى خلقها الحرف

أنا لا أحبُّك فقط
أنا أقيم طقوسي داخلك
أتوضَّأ من وهجك
وأكسر أقلامي
لأنَّ لا شيء يكتب بعدك إلا هراء

فمن أين أبدأك؟
من انحناءة الرمش؟
أم من هذيان المسافة بينك وبين الغيم؟
من ارتجاف كفي حين ألمح ظنك؟
أم من شهقة اللغة كلما مررتِ على سطر؟

عيناك
ليستا فتنتين
بل ديانتين بلا كتاب
ومحرابين يصلي فيهما الرجال
ثم لا يعودون

فيك شيء
لا تلتقطه المجاهر
ولا تشرحه الفلسفات
ولا تفضحه المجازات
فيك أنوثة تمشي على أربع
تربي في كل نظرة
وحشاً من الحرمان
وتروِّضه بابتسامة

فكيف أهرب منك
وأنت حدودي وحدي
وأنا الممنوع من الدخول
والممنوع من النسيان
والممنوع من النطق
في مملكة الصمت التي تحكمها عيناك؟
في مدائن عينيك
لا معنى للوقت
ولا مقاييس للجنون
ولا سلطة لأي دستور
فكلّ شيء فيك يُخالف الطبيعة
ويعيد كتابة قوانين الأشتهاء من البداية

عيناك ليستا ككل عينين
بل نافذتان على خراب الروح
كلّ من مرّ تحتهما
سقط
وتحوّل إلى قصيدة منكسرة
أو ولي يرتّل عشقك في الخفاء
ويخشى أن يكفر في العلن

في مدائن عينيك
تنمو الرغبة كأشجار مسعورة
لا تطلب ماء
بل تطلب يدين
تزرعان على الجسد فوضى
وتنثران على العري طهرا
لا تجيده القديسات

أنا كلما دخلت إليك
اخلعني
كأنَّني حذاء قديم
وأمشي على جمر نظراتك
كأنني أستحقُّ الحرق
وأبتسم

كلّ حرف فيك
سكين
كلّ رمش سطو على سلامي
وكلّ رمشة
هي زلزال يعيد ترتيب هذا العالم

أنا لا أكتب عنك
بل أُنزف بك
وأستعير صوتك حين تصمت الدنيا
وأضع فمي حيث يوجعني اسمك
فأنسى اللغة
وأدخل في غيبوبة لا تحتاج سوى لمسة منك

في مدائن عينيك
تختبئ الحكايات التي لم يروها أحد
القبل التي لم تمنح
والخطايا التي لم تغتفر

أنتِ لستِ امرأة
أنتِ وطن لا يرفرف عليه علم
ولا يعزف له نشيد
لكن كل من دخله
أقسم أن لا يغادر

فلا تسأليني كم أحبُّك
أسأليني كم مرَّة
أعلنتك دولة
ونصبتك ملكة
ثم خنت كلَّ العهود
وعدت إليك راكعاً من جديد
في مدائن عينيك
كل الأبجديات تصير طفلة
تتلعثم أمام اللغة التي لا تنطق
وتنحني أمام سلطة النظرة
كأنك تكتبين بي تاريخاً
لم يسجل في كتاب
ولا أقرَّته حضارة

في مدائن عينيك
تتكسَّر الحدود
وتنفتح جدران العصور
فأراك مرَّة أنثى من زمن الحياء
ومرَّة سيِّدة من زمن المجون
وفي كلِّ مرَّة
أضيع

أنتِ لا تسكنين النظر
بل تقتحمينه
كما تفعل الخطيئة الأولى
أنتِ لا تمرِّين كعابرة
بل تهبطين كطاهرة

في مدائن عينيك
أُمنح جرحي بكرامة
فأقبّله
وأمضي به كوسام على صدري
ما عدت أطلب شفاء
فأنتِ الوجع الذي تعلّمت أن أتنفسه
وأنتِ الداء الذي لا أريد له دواء

كلُّ شهقة من شهقاتك
ترتّب لي فوضى الشعر
كلّ رمشة
تعيد صياغة اشتعالي
فأكتبك مرَّة
ثم ألعن قلمي
ثم أعود إليك مرَّة أخرى
كمن يتوضَّأ بك ليصلِّي لنفسه

أنا لم أحبُّك
بل أحببت الخراب فيك
ذلك الجنون اللذيذ
تلك الشرعية التي تمنحينها للحرام
حين تبتسمين بلا سبب
وتفتحين أبوابك للغياب

أنتِ لست امرأة
بل نبوءة
وجرح لا يشيخ
وخطيئة ترتكب بالفطرة
وصلاة تؤدّى على جسد بلا محراب

في مدائن عينيك
أنا لا أكتب شعراً
بل أكتبك حرفاً حرفا
حتى ينفجر الورق
وتتلوَّى اللغة من لذتها
ولا يبقى في الكون سواك… وسواي
في مدائن عينيك
أنا السجين الذي لا يريد مفتاح الحرية
كائن مسكون بريح عاصفة
تطحن في روحه كلّ منطق وكلّ وعد

عينيكِ ليست مجرد عينين
بل محكمة لا تبرئ أبداً
وأنتِ القاضية والحكم والجلاد
تسيرين في عتمة دمي
تزرعين شهوة لا تدان
وترفعين الراية البيضاء للجنون

في مدائن عينيك
يتوغَّل الموت بحسرة الحي
ويولد الغياب بلا موعد
كلّ رمشة من جفونكِ
هي انتحار مكتمل الأركان
وأنا الشهيد الذي لا يريد النعي

عيناك كتاب مفتوح
لكنه سطر لا يقرأ
لغز يعانق الجنون
وصمت يعلو فوق كل الكلام
حيث يحترق الوجدان
وينمو فيه الحب بلا رحمة

كل كلمة تُقال عنكِ
تبدو كذباً سخيفا
فأنتِ الدواء والسمّ في آن
الضوء الذي يحترق فيه الليل
والليل الذي يحتضن فيه الضوء

في مدائن عينيكِ
ترتدي اللغة عباءة العري
وتقبل الجنون بلا خجل
لا تملكين إلا أن تكسري
حواجز الصمت وتحرقين التقاليد
حتى يتفجَّر قلبي نارا
تكتب بعدها الحروف دما

أنا لا أحبُّكِ
أنا أُحرق فيكِ
أنا أحتضر تحت وقع نظرة
وأولد من رمادها كذئب بلا قطيع
وسري الأعظم هو جنون حبّ لا يفهم

في مدائن عينيكِ
أنا لا أعيش
أنا أُسافر
بين كواكب الألم والعشق
وبين جزر القلق والسلام
ولا مهرب منكِ
ولا شفاء إلا بكِ
أنتِ البداية والختام
وأنا الذي لا يكتب إلا لأجلكِ
حتى وإن تحوَّل الحبر دماً على الورق

من ديوان: في مدائن عينيك
الأديب: محمد نور الدين

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى