
أجنحة الشوق
وهل للشوقِ حدود؟
أم أنّهُ كائنٌ بلا خرائط،
كلّما ظنناهُ انتهى
فتحَ في القلبِ قارةً أخرى؟
وهل للشوقِ أجنحة
أم أنّ الأجنحةَ خُلِقَت
تقليدًا لرجفته الأولى
حين ينهض في الروح
ولا يجدُ سماءً تكفيه؟
للشوق أجنحة تحلّق في فضاءات الروح
فترى ما لا يُرى،
انه طائر من نارٍ وندى
يضربُ بجناحيه على جدار الصمت
فتتشققُ الذكريات.
الشوقُ ليس انتظارًا،
إنّهُ زلزلةُ الوقت
حين ينسى عقاربه،
ويسيرُ حافيًا
نحو اسمٍ واحد
يتردّد في الدم.
ابتسامات الزهر ترسم على أجنحة الشوق
نعم،
الزهرُ يعرف أسراره،
يعرف كيف يبتسم
دون فم،
وكيف يربك الفصول
ببساطة اللون.
رأيتُ الزهر
يخيطُ من الضوء
ريشًا جديدًا للشوق،
ويرسمُ عليه
خرائط الرجوع
للذين تاهوا في الحب
ولم يجدوا أثر أقدامهم.
العيونٌ ترقب المدى
عيون الشوق لا تنام،
إنّها مصابيحُ على حافة الغياب،
تحدّقُ في الأفق
حتى يتعب الأفقُ منها
ويتقدّم خطوة.
المدى ليس بعيدًا،
المدى فكرةٌ
حين نؤمن بها
تقترب،
وحين نشكّ
تلبسُ قناع السراب.
الشوق أشرعةٌ لمراكب العائدين
آه أيّها العائدون،
أنتم أبناء الشوق الشرعيّون،
تحملون البحرَ في صدوركم
وتبحثون عن شاطئ
يشبه الذاكرة.
مراكبكم
لا تصنعها الأخشاب
بل الأسماء التي لم تُنسَ،
والوعود التي لم تمُت
رغم الغرق.
وعلى الشواطئ دمع الرمال يعطّر البحر
حتى الرمال تبكي،
لكنّها تبكي بصمتٍ نبيل،
تذرفُ دموعها
كي لا يشعر البحرُ
بالوحدة.
دمعُ الرمال
ليس ماءً،
إنّهُ حنينٌ مطحون
تفوحُ رائحته
كلّما عاد موج
ولم يجد من ينتظره.
الشوقُ
لا يُقاس بالمسافة
بل بالارتعاشة
التي تسبق الاسم
حين يُقال.
الشوقُ
أن تضع رأسك على الليل
فتسمع قلبك
يمشي ذهابًا وإيابًا
كجنديٍّ نسي الحرب
ولم ينسَ الطريق.
يا شوق،
يا من تعلّمنا منك
أن نكبر دون أن نصل،
وأن نحبّ
دون أن نمتلك،
وأن نحلّق
حتى وإن لم تكن لنا أجنحة.
وهل للشوق حدود؟
لو كان له حدّ
لانتهى الشعر،
ولما بقي في الأرواح
هذا الاتساع
الذي يشبه المعجزة.