كتاب وشعراء

الفلسفة وسطوة النُّخَب العقلانية البيروقراطية… بقلم: عماد خالد رحمة_ برلين

لم تكن قراءتنا للفلسفة فعلاً تأمليًّا محضًا، ولا شغفًا لغويًّا بجماليات المفاهيم، بل كانت دومًا اقتحامًا لجدار السلطة الرمزية التي تُخفي ذاتها خلف قناع العقلانية. فالفلسفة، منذ أن تحوّلت إلى مؤسسة، لم تعد فقط حبًّا للحكمة، بل صارت في كثير من تجلياتها جهازًا ناعمًا لإنتاج الشرعية، وصياغة المعنى، وضبط الوعي. وهنا يتقدّم سؤال النُّخَب بوصفه سؤالًا فلسفيًّا لا اجتماعيًّا فحسب: من يملك سلطة تعريف الحقيقة؟ ومن يحتكر لغة العقل؟
لقد نبّه أنطونيو غرامشي إلى أن الهيمنة لا تُمارَس بالقهر وحده، بل عبر “المثقفين العضويين” الذين يصنعون القبول الطوعي بالنظام القائم. فالنخبة ليست كتلة معرفية بريئة، بل جهاز إنتاج للرضا، ووسيطًا بين السلطة والناس، يعيد صياغة القهر في صورة ضرورة تاريخية أو عقلانية أخلاقية. وهنا تتلاقى الفلسفة، حين تُفرَّغ من بعدها النقدي، مع البيروقراطية، لتصبح عقلًا إداريًّا لا عقلًا تحرريًّا.
وقد كشف ميشيل فوكو أن المعرفة ليست مرآة للحقيقة، بل شبكة قوى، وأن كل خطاب يدّعي الكلية والحياد يخفي وراءه إرادة ضبط وتنظيم. فحين تتحوّل المفاهيم الفلسفية إلى صيغ نهائية مغلقة، تُدرَّس كما تُدرَّس القوانين، وتُتلقّى كما تُتلقّى الأوامر، فإننا نكون أمام ما يمكن تسميته “مملكة القانون المعرفي”: مملكة تحكم باسم العقل، وتُقصي باسم المنهج، وتُدين باسم الموضوعية.
في هذه المملكة، لا يعود الفيلسوف شاهدًا على المأساة الإنسانية، بل موظفًا في جهاز المعنى. تصبح الكتابة طقسًا بيروقراطيًّا، وتتحوّل المصطلحات إلى أختام رسمية، ويغدو النص الفلسفي نموذجًا إداريًّا للحقيقة. وهنا تتحقق نبوءة ماكس فيبر عن “العقلنة الحديدية” التي تُفرغ العالم من سحره، وتحوّل الإنسان إلى ترس في آلة المعنى.
إن النخبة العقلانية البيروقراطية لا تمارس سلطتها عبر العنف، بل عبر “الوضوح القاتل”: ذلك الوضوح الذي لا يترك مجالًا للغموض الخلّاق، ولا للاختلاف الخطر. فكل ما لا يدخل في القالب المنهجي يُدان باللاعقلانية، وكل ما لا يخضع للقياس يُنفى إلى الهامش. وهكذا تتحقق ديكتاتورية المعقول، حيث يُقصى الإنسان باسم الإنسان، ويُختزل الوجود في معادلات.
وقد حذّر أدورنو وهوركهايمر من أن العقل التنويري حين ينقلب إلى أداة سيطرة يفقد روحه التحررية، ويصير أسطورة جديدة. فالعقل الذي لا ينتقد ذاته، يتحوّل إلى سلطة، والسلطة التي تتكئ على العقل، تُضفي على ذاتها قداسة لا تُمسّ. وهنا تتشكّل النخبة بوصفها كهنوتًا جديدًا، لا يتحدث باسم الله، بل باسم المنهج.
في السياق العربي، تتخذ هذه الظاهرة بعدًا أكثر مأساوية. فالنخبة، بدل أن تكون جسراً بين الفكر والناس، صارت في كثير من الأحيان سورًا لغويًّا يعزل المعرفة عن الحياة. تُكتب الفلسفة بلغة لا تُقرأ، وتُدرّس بوصفها تاريخًا منتهيًا، لا سؤالًا مفتوحًا. وكما قال محمد عابد الجابري: أزمة العقل ليست في نقص المعارف، بل في طريقة اشتغالها. فالعقل حين يُستورد بوصفه نموذجًا جاهزًا، يتحوّل إلى أداة تكرار لا إلى قوة خلق.
إن إعادة النظر في مفهوم النخبة ليست ترفًا نظريًّا، بل ضرورة وجودية. فالنخبة التي لا تُحاسَب، تتحوّل إلى طبقة فوق التاريخ، والنخبة التي لا تنخرط في معاناة الناس، تصير لغة بلا جسد. وقد أدرك إدوارد سعيد أن المثقف الحقيقي هو من يقف في موضع القلق، لا في موضع الامتياز؛ في الهامش، لا في القصر.
الفلسفة، إن أرادت أن تستعيد معناها، عليها أن تخرج من مكاتب الإدارة إلى ساحات الوجع الإنساني. أن تعود سؤالًا لا نظامًا، شكًّا لا يقينًا إداريًّا، قلقًا لا طمأنينة زائفة. فحيثما تتحوّل الفلسفة إلى قانون، يموت السؤال، وحيثما تموت الأسئلة، تولد الطغيان في ثوب العقل.
وهكذا، فإن نقد النخبة العقلانية البيروقراطية ليس عداءً للعقل، بل دفاع عنه؛ دفاع عن العقل بوصفه طاقة تحرر، لا أداة ضبط، وبوصفه قلقًا خلاقًا، لا يقينًا قاتلًا. فالفلسفة لا تُخلَّد حين تُقنَّن، بل حين تظلّ جرحًا مفتوحًا في جسد السلطة، وسؤالًا لا يهدأ في ضمير التاريخ.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى