إدريس آيات يكتب : الاحتجاجات الإيرانية كما هي: الغرب يراهن على الشارع… وطهران تراهن على الزمن

منذ أواخر عام 2025، وبداية العام الحالي وحتى تاريخ اليوم؛ دخلت إيران طورًا احتجاجيًا جديدًا، بدا في ظاهره واسع الانتشار، لكنه سرعان ما كشف عن فجوة واضحة بين الضجيج الرقمي والحضور الميداني. الشرارة الأولى كانت اقتصادية بامتياز؛ انهيار الريال وغلاء المعيشة، قبل أن تتسلّل السياسة إلى الشعارات، ويخرج رضا بهلوي من منفاه بدعوة صريحة للإيرانيين إلى النزول إلى الشوارع وترديد الهتافات من منازلهم.
غير أنّ ما تلا تلك الدعوة، وفق تقارير ميدانية نشرتها وكالة فارس الإيرانية، جاء أقلّ بكثير مما روّج له على منصات التواصل. ففي طهران، سُجّلت تجمعات محدودة ومتفرقة في بعض الأحياء، مقابل نشاط إلكتروني كثيف. وخلال أربعٍ وعشرين ساعة فقط، جرى تداول ما يقارب 567.6 ألف منشور عن الاحتجاجات، حصدت نحو 1.2 مليار مشاهدة وقرابة 3.9 مليون إعجاب. أرقام ضخمة على الإنترنت، لكنها لم تنعكس حضورًا مماثلًا في الشارع.
في مناطق مثل طهران بارس، شوهدت مجموعات صغيرة من عدة أشخاص على الأرصفة من دون تسجيل تجمعات واضحة، فيما انتشرت قوات خاصة وقوات الباسيج في نقاط مختلفة من دون احتكاك مباشر. وفي ساحة هفت تير، قُدّر عدد الموجودين بنحو عدة آلاف شخص، تشكّلت منهم ثلاث مجموعات؛ إحداها تحرّكت مردّدة شعار «الموت للديكتاتور»، بينما بقيت المجموعتان الأخريان متردّدتين في الهتاف. ورغم حضور قوات الأمن، لم تُسجّل اشتباكات.
مراسلون ميدانيون أشاروا إلى أنّ حجم الحشود كان أقلّ بكثير مما شهدته البلاد في أعوام 2017 و2019 و2022، وأنّ الغالبية كانت من شباب متحمّس لم يعايش حقبة الشاه ولا نظام بهلوي. اقتصرت الشعارات على «الموت للديكتاتور» و«هذه ليست المعركة الأخيرة، سيعود بهلوي»، وهي شعارات متناقضة في مضمونها، ولم تلقَ تفاعلًا واسعًا.
ففي بلد يضم نحو 80 مليون نسمة، يُعدّ هذا المستوى من التجمعات—بل وأكثر منه—أمرًا طبيعيًا، بل أقلّ من المعدّل المعتاد في مجتمعات أخرى ترفع شعارات ديمقراطية مشابهة. الخلاصة الأولية التي خرجت بها التقارير هي وجود فجوة كبيرة بين الحماس الافتراضي والاستجابة الواقعية على الأرض.
لكن مع نهار اليوم أخذت المظاهرات زخمًا مختلفًا حيث دعم المرشد الأعلى الإيراني مناصرون للخروج والتظاهر أيضًا، في مواجهة الاحتجاجات التي يصفًنها بأنها مدعومة من واشنطن والمخابرات الأمريكية، حيث بدأت الاحتجاجات المعارضة تستهدف مقرات حكومية ومساجد تعتبر رموزًا للنظام الإيراني الملالي في البلاد.
في هذا المناخ، تحرّكت السلطة أمنيًا، وانتشرت قوات الحرس الثوري والباسيج في الشوارع، فيما سُجّلت احتكاكات خطيرة وخسائر بشرية قُدّرت بنحو 1000 مساء اليوم. وفي الخارج، ارتفع منسوب التدخل الخطابي، إذ خرج دونالد ترامب ملوّحًا بأنّ الولايات المتحدة «ستوجّه ضربة قوية جدًا» لإيران، وستجعلها «تدفع ثمنًا باهظًا» إذا حاولت قمع المظاهرات المناهضة للحكومة.
▪️ ماذا عن رضا بهلوي؟
عاد اسم رضا بهلوي إلى واجهة المشهد الإيراني مع موجة الاحتجاجات الأخيرة، بعدما تردّد في الشوارع وعلى المنصات الرقمية بوصفه «البديل الممكن» للجمهورية الإسلامية. هو نجل آخر شاه لإيران، أُطيح بوالده عام 1979، ويعيش في الولايات المتحدة منذ ما يقارب نصف قرن. خلال هذه الاحتجاجات، حاول أن يقدّم نفسه كعنوان سياسي جامع، مستثمرًا الغضب الاقتصادي وتآكل الثقة بالنظام.
بهلوي، البالغ من العمر 64 عامًا، خاطب الإيرانيين من منفاه برسائل مصوّرة شبه يومية، دعاهم فيها إلى مواصلة النزول إلى الشوارع، وتنظيم تحركات رمزية، وترديد شعارات في توقيتات محددة، مؤكدًا أن «اللحظة حاسمة». ظهر في أكثر من مناسبة بزي رسمي وخلف علم إيران ما قبل الثورة، متوجهًا بخطاب مباشر إلى قوات الأمن، داعيًا إياها إلى «فك الارتباط» مع النظام والالتحاق بما وصفه بـ«الوطن».
الهتافات باسمه حضرت في بعض التجمعات، كما انتشرت مقاطع مصوّرة من مدن عدة تُظهر شعارات مناهضة للسلطة وأخرى تمجّد عودة الملكية. غير أنّ هذا الحضور ظلّ ملتبسًا: صاخبًا على الإنترنت، وأقلّ كثافة على الأرض. فالضجيج الرقمي، مهما بدا واسعًا، لا يعكس بالضرورة وزنًا شعبيًا حاسمًا، خاصة في ظل تضخيم إعلامي خارجي وخوارزميات تُعيد إنتاج الصدى داخل الدوائر نفسها.
منذ سنوات، يعمل بهلوي على إعادة طرح نفسه سياسيًا، مستفيدًا من كل أزمة تُضعف صورة الجمهورية الإسلامية. مشروعه يقوم على استدعاء رمزية ما قبل 1979، وتقديم نفسه كوريث «شرعي» قادر على قيادة مرحلة انتقالية. لكنّ هذا الطرح يصطدم بذاكرة تاريخية منقسمة داخل المجتمع الإيراني، وبسؤال جوهري لم يُحسم بعد: هل تمثّل العودة إلى الملكية أفقًا للمستقبل، أم استدعاءً لماضٍ لم يعد صالحًا؟
في المحصلة، رضا بهلوي اليوم هو أكثر من اسمٍ يُهتف به في الشارع؛ هو اختبارٌ لفجوةٍ بين السخط الشعبي والبديل السياسي، وبين الحنين الرمزي والقدرة الفعلية على التحوّل. وبينهما، يبقى السؤال مفتوحًا: هل يملك الرجل ما يتجاوز الخطاب والمنفى؟
▪️ختامًا؛ غير أنّ قراءة أعمق للمشهد الإيراني، كما يرى مختصون، تشير إلى أنّ أي ضغط خارجي—سياسيًا كان أم عسكريًا—لا يُضعف النظام بالضرورة، بل قد يعزّز تماسكه. يُظهر التاريخ الإيراني أنّ الاعتداء الخارجي غالبًا ما يدفع الداخل إلى الالتفاف حول السلطة. ومع امتلاك الطبقة الحاكمة أدوات أمنية وتنظيمية راسخة، يبقى الاحتمال الأرجح هو احتواء هذه الموجة على المدى القصير، مهما بدا المشهد صاخبًا في فضائه الرقمي. لكن ماذا سيحدث إذا استغلّ نتنياهو الاحتجاجات ووجّه ضربة لطهران، وهو الذي أخذ الإذن من ترامب لاستهداف برنامج الصواريخ الباليستية الإيرانية، بعدما نجح في حرب ال12 في القضاء على البرنامج النووي الإيراني، وفق ادّعائه…؟!