كتاب وشعراء

غابات كولاله نوري عِنْدَما تَكونُ العَيْنُ سَيِّئَةً تَكونُ الرُّوحُ كُلُّها مُظْلِمَةً. لِماذا نَرْتَدي أَقْنِعَةَ البَرَاءَةِ…بقلم عِصْمَت شاهين الدوسكي

إِنَّ القَوانِينِ الطَّبِيعِيَّةَ أَزَلِيَّةٌ، وَخَرْقَها، وَالتَّجاوُزَ عَلَيْها… أَوْ إِصْدارَ أُخْرَى مِنْ نَشاطٍ فِكْرِيٍّ مِنّا، قَدْ يُفْقِدُ مِنْ مَعْنى وَرُوحِيَّةِ تِلْكَ القَوانِينِ الطَّبِيعِيَّةِ ما لَمْ نُدْرِكْ أَنَّ خَرْقَها هُوَ تَمَرُّدٌ يَقَعُ داخِلَ عالَمِنا النَّفْسِيِّ أَوَّلًا، وَما يَرْتَبِطُ حَوْلَنا وَيَتَّصِلُ بِنا مِنْ تَأْثيرٍ مُباشِرٍ أَوْ غَيْرِ مُباشِرٍ ثانِيًا… قَصيدَةُ كُولالَه نوري أَحْمَد « غابات ولهيب النار »… هِيَ إِشارَةٌ لِلدُّخُولِ إِلى الغاباتِ النَّفْسِيَّةِ وَالرُّوحِيَّةِ، الغاباتِ الواقِعِيَّةِ المُتَّصِلَةِ بِشَكْلٍ عَميقٍ إِنْ عَوالِمَ گولالَه نوري وَغاباتِها تُفْصِحُ عَنْ نِظامٍ لَيْسَ جَديدًا بِالإِنْسانِ… لِأَنَّنا نَعيشُهُ كُلَّ يَوْمٍ، وَيَخْطُرُ عَلى بالِنا دَوْمًا، رُبَّما دُونَ إِدْراكٍ مِنّا… يَنْتَمي إِلى عالَمِنا دُونَ رَيْبٍ.

” غابَةُ الدُّرِّ تَنْتَظِرُ

لَهيبَ النّارِ لِتُورِقَ اللَّآلِئُ فيها،

غابَةُ الحيتانِ تَبْتَلِعُ كُلَّ النِّيرانِ وَلا تَحْتَرِقُ،

غابَةُ الدَّنانيرِ تُحْرِقُ لَهيبَ النّارِ،

غابَةُ الأَطْفالِ تُعَلِّقُ فيها السُّنَّةَ النّارَ

كَأَضْوِيَةِ زينَةٍ، وَعِنْدَما يَكْبُرُ الأَطْفالُ

يَنْشَغِلُونَ بِعَمَلِيّاتِ تَجْميلٍ لِآثارِ الحُروقِ ”

يُمْكِنُ أَنْ يَتَحَوَّلَ الإِنْسانُ إِلى حَشَرَةٍ ضَخْمَةٍ، سَيَطْرَأُ هاجِسٌ إِنْسانِيٌّ صَداهُ يَصِلُ إِلَيْنا… مَنْطِقٌ غَيْرُ مَعْقولٍ، لَكِنْ عِنْدَما نَدْنُو مِنَ الرُّموزِ الشِّعْرِيَّةِ وَالصُّورَةِ المُتَناقِضَةِ لِلشّاعِرَةِ كُولالَه… نُدْرِكُ أَنَّ الحيتانَ الكَثيرةَ، وَعالَمَ المادِّيّاتِ الكَبيرَ… وَالأَطْفالَ الأَبْرِياءَ الَّذينَ سَيَنْشَغِلُونَ عِنْدَما يَكْبُرُونَ بِعَمَلِيّاتِ تَجْميلٍ لِآثارِ الحُروقِ… وَالعُيونَ الَّتي هِيَ مِرْآةُ الرّوحِ وَالجَسَدِ… بابٌ مِنْ أَبْوابِ النَّفْسِ… مَدْخَلٌ إِلى مُتاهاتِ الأَعْماقِ تَتَمَرَّدُ عَلَى الواقِعِ. تَتَعَرّى، يَنْسَلِخُ بَريقُها… عِنْدَما تَكونُ العَيْنُ سَيِّئَةً تَكونُ الرّوحُ كُلُّها مُظْلِمَةً… هذِهِ العُيونُ تُغازِلُ اللَّهيبَ، اللّا حَياةَ، وَفي غَمْرَةِ المُغازَلَةِ تَنْقَلِبُ الصُّورَةُ، تَسْقُطُ عَلَى الأَرْضِ، تَنْكَسِرُ، تَغْدو الصُّورَةُ الواقِعِيَّةُ الجَديدَةُ كارِثَةً، أَزْمَةً، جَحيمًا… خُصوصًا عِنْدَما تُولَدُ مِنْ هذِهِ المُغازَلَةِ حَياةٌ مِنَ اللّا حَياةِ… كُلَّما تَكْبُرُ مَعَهُمْ يَكْبُرُ جَحيمٌ، يَنْسَوْنَ واقِعَهُمُ الآتي…

” غابَةُ التَّماسيحِ، دُموعُها الكاذِبَةُ… هَلْ هِيَ غابَةُ المَرْأَةِ…؟ ”

إِنَّها غابَةُ هذَا الإِنْسانِ الَّذي يُمْكِنُ أَنْ يَتَحَوَّلَ لَيْسَ إِلى تِمْساحٍ فَقَط، بَلْ إِلى طاغوتٍ… دُموعُ التَّماسيحِ رُبَّما تُطْفِئُ لَهيبَ النّارِ… لَكِنَّها تَتْرُكُ في الأَعْماقِ جُذورًا، لا نَرْغَبُ فيها… حِكْمَةُ الإِنْسانِ وَحِلْمُهُ وَشَجاعَتُهُ وَقُوَّةُ إِرادَتِهِ وَأَخْلاقُهُ تَجْعَلُ مِنْ كُلِّ هذِهِ الغاباتِ المُحْتَرِقَةِ مَنارًا… سَبيلًا إِلى الواقِعِ الصَّحيحِ… الَّذي يَنْشَأُ عَنِ الخَطايا وَالنَّزَواتِ وَالشَّهَواتِ وَالاسْتِغْلالِ… وَيُحيطُ بِعَوالِمِ الخَيْرِ الإِنْسانِيِّ وَالحُبِّ القُدْسِيِّ وَالاطْمِئْنانِ الرّوحِيِّ…

” غايَةُ العُيونِ تُغازِلُ اللَّهيبَ

وَفي غَمْرَةِ المُغازَلَةِ

يَنْسَوْنَ إِنَّهُمْ مُتَزَوِّجونَ أَراملَ

غابَةُ التَّماسيحِ تُطْفِئُ لَهيبَ النّارِ

بِدُموعٍ كاذِبَةٍ وَتَنْشُرُ الرَّمادَ بِذُيولٍ وَقِحَةٍ

حَتّى تُعْمِيَ العُيونَ

غابَةُ الحِكْمَةِ كَالصَّنْوَبَرِ

تُوَجِّجُ، تُخَفِّضُ لَهيبَ النّارِ ”

هَلْ تُضْطَرُّ لِلْمُشارَكَةِ وَالدُّخُولِ في مُتاهاتٍ وَنيرانٍ وَعَوالِمِ هذِهِ الغاباتِ…؟ ” في داخِلِ كُلِّ مِنّا غابَةٌ… بِالإِمْكانِ أَنْ تَغْدو جَميلَةً هادِئَةً… بَريئَةً، ساحِرَةً، تَطْمَئِنُّ لَها النُّفوسُ، تَكونُ طَريقًا يَهْتَدي بِهِ الآخَرونَ إِلى الحَياةِ. وَروحًا مِسْكينَةً لَها مَلَكوتُ السَّماواتِ… وَقَلْبًا نَقِيًّا يَرى اللهَ… لا يَكْنِزُ كُنوزًا عَلَى الأَرْضِ… يُفْسِدُها السُّوسُ وَالصَّدَأُ… أَنْهارُها مِنْ شَهْدِ الرّوحِ. أَشْجارُها تَصْمُدُ أَمامَ الجُروحِ، تُقاوِمُ الظَّلامَ، تَحْمِلُ عَلَيْهِ السَّلامَ، سِلاحَ الإِيمانِ، الحِكْمَةَ، الصَّبْرَ، لا تَنْقَسِمُ عَلى ذاتِها… كُلُّ نَفْسٍ، مَمْلَكَةٌ، مَدينَةٌ، غابَةٌ، تَنْقَسِمُ عَلى ذاتِها… تَخْرَبُ… لا تَصْمُدُ أَمامَ الخُطوبِ… أَمامَ أَيَّةِ ريحٍ صَفْراءَ تُحاوِلُ الدُّخُولَ وَالتَّسَرُّبَ إِلى أَعْماقِ الغابَةِ… مِنْ دُروبِها الشَّرْعِيَّةِ وَاللّا شَرْعِيَّةِ… عِنْدَما نَرْفَعُ رايَةَ الحُرِّيَّةِ… الحُرِّيَّةَ المُتَمَرِّدَةَ عَلَى القَوانِينِ الطَّبِيعِيَّةِ، وَنُشارِكُ هذِهِ الغاباتِ المُظْلِمَةَ… طُقوسَها وَجَبَروتَها وَقَسْوَتَها… نُعْلِنُ لِأَنْفُسِنا… التَّعْرِيَةَ… وَنَرْتَدي ثَوْبَ الضَّياعِ… نُدْرِكُ في لَحْظَةِ تَأَمُّلٍ… إِنَّنا اخْتَرْنا المَوْتَ في الحَياةِ… المَوْتَ مُنْذُ الوِلادَةِ…

” وَأَنْتِ يا غابَةَ كُلِّ الأَسْيادِ

تَحْمِلينَ بِرَقَبَتِكِ كُلَّ السُّيوفِ

أَعْلَنْتِ في ثَوْرَةٍ وَنَصَبْتِ تِمْثالًا

لِحُرِّيَّتي اللَّعِينَةِ، فَوْضَوِيَّتي

فَرَفَعْتُ لافِتَةَ المُشارَكَةِ الضّائِعَةِ

حينَ أَدْرَكْتُ مَغْزاها

التَّناظُرَ بَيْنَ الكَفَنِ وَالقِماطِ. ”

لم تَبْتَعِدِ الشّاعِرَةُ كُولالَه… عَنِ الشُّمُولِيَّةِ… حَتّى لَوْ صَوَّرَتِ الذّاتَ مِنْ هذِهِ الغاباتِ… وَجَعَلَتْ لَها هَدَفًا مُخْتَلِفًا، مُشابِهًا، مُتَمَرِّدًا… لَوْ تَجَلَّتْ أَمامَنا الغابَةُ الذّاتِيَّةُ كَلَوْحَةٍ زَيْتِيَّةٍ وَأَدْرَكْنا عُيوبَها… هَلْ نَمُدُّ لَها أَيْدِيَنا لِتَحْتَرِقَ بِلَهيبِها، أَمْ نُحاوِلُ أَنْ نَقْتُلَ كُلَّ الشَّهَواتِ، نَحْذَرَ مِنْ كُلِّ الِانْحِدارَاتِ الحادَّةِ وَالسَّيْرِ وَراءَ الذّاتِ؟ لِماذا نَرْتَدي أَقْنِعَةَ البَرَاءَةِ….؟ لِمَ لا نَلْمَسُ الحَقيقَةَ وَنُحاوِلُ أَنْ نُمْسِكَ خَيْطًا مِنْ خُيوطِ الشَّمْسِ وَنَفْتَحَ الأَبْوابَ الموصَدَةَ لِيَتَغَيَّرَ الهَواءُ.

” يا سَيِّدي…

يا شَجَرَةً تَتَفَيَّأُ بِها كُلُّ غاباتي العاهِرَةِ

أَقْوى الأَقْنِعَةِ تَتَهَشَّمُ أَمامَ قُباحَتِها وَتَخْتَفِي

هَلِ المَرْأَةُ طِفْلَةٌ كَبيرَةٌ؟ ”

يا تُرى ما هُوَ رَأْيُ گولالَه…؟

” يا سَيِّدَ كُلِّ الغاباتِ

رَوْعَةٌ وَرَهْبَةٌ إِشْراقُكَ

عَلى وِلادَةِ امْرَأَةٍ مِنْ رَحِمِ طِفْلَةٍ ”

الطُّفولَةُ… هذِهِ الهالَةُ الأَبَدِيَّةُ لَنْ تُفارِقَ أَرْواحَنا، تَفْكيرَنا، سُلوكَنا، حَتّى لَوْ كَبُرْنا، الإِحْساسُ الطِّفولِيُّ يُلازِمُنا، نَراهُ في عُيونِ الأَطْفالِ… وَقَبْلَ هذَا يَكونُ الإِحْساسُ الطِّفولِيُّ ناضِجًا فينا، وَلا خَشْيَةَ وَلا مَهْرَبَ مِنْهُ…. غابَةٌ مِنَ الغاباتِ الكَثيرَةِ الَّتي تَحْيا في أَعْماقِنا وَحَوْلَنا.

لاحَظْنا تَكْرارَ كَلِمَةِ « النّارِ » وَهِيَ تَدُلُّ عَلى صُورَتَيْنِ…

الأُولى… الصُّورَةُ المُتَدَنِّيَةُ، الواهِنَةُ، وَالتَّفْكيرُ اللّا إِنْسانِيِّ لِلاسْتِغْلالِ بِطُرُقٍ مُنْحَطَّةٍ مُلْتَوِيَةٍ في كُلِّ جَوانِبِ الحَياةِ… وَالصُّورَةُ الثّانِيَةُ… إِنَّ النّارَ لَها مُسَبِّباتُها، وَلَيْسَتْ هِيَ السَّبَبَ… وَالسَّبَبُ الأَوَّلُ وَالأَخيرُ… هُوَ هذَا الكائِنُ الضَّعيفُ وَالقَوِيُّ « الإِنْسانُ »، وَمِثْلَما تَجْعَلُ النّارُ الإِنْسانَ وَقودًا لَها… تَهَبُهُ نورًا لا يُدْرِكُهُ… إِنَّ المُعالَجَةَ وَالحُلولَ الشِّعْرِيَّةَ… هِيَ أَحَدُ أَسْبابِ الإِبْداعِ. قَصيدَةُ « الغابات ولهيب النار » لِلشّاعِرَةِ كُولالَه نوري… هِيَ صُوَرٌ واقِعِيَّةٌ… وَغاباتٌ مُتَّصِلَةٌ… الصُّورَةُ أَكْبَرُ في الحَياةِ في ظِلِّ هُدوءٍ وَخَرْقِ القَوانِينِ الطَّبِيعِيَّةِ… تَسْتَمِدُّ الشّاعِرَةُ… صُوَرَها الشِّعْرِيَّةَ وَالمُتَناقِضاتِ وَالرُّموزَ مِنَ الواقِعِ… وَهذِهِ المُتَناقِضاتُ وَالرُّموزُ… تَسْمو بِالصُّورَةِ الشِّعْرِيَّةِ وَالحُلولِ المَوْضوعِيَّةِ. نَتَمَنّى أَنْ تُواصِلَ الشّاعِرَةُ… رَكْبَ الإِبْداعِ بَيْنَ أَمْواجِ هذَا اليَمِّ الرّاقي « الشِّعْرِ » إِلى خَيْرِ الإِنْسانِيَّةِ وَالحُبِّ وَالحَياةِ وَالإِيمانِ بِالكَلِمَةِ الصّادِقَةِ الأَصِيلَةِ.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى