تقارير وتحقيقات

من فضائح المشاهير لأزمة صحة.. ارتفاع حاد في تعاطي الكوكايين بتركيا ومياه الصرف الصحي تكشف المستور

ارتفع تعاطي الكوكايين في تركيا بشكل حاد خلال العقد الماضي مما حوّل القضية من مجرد ثرثرة عن المشاهير إلى مصدر قلق صحي عام على مستوى البلاد، وذلك وفقا لبيانات رسمية وتقييمات الخبراء.

بحسب تقريرٍ لفوليا سويباس من صحيفة “حرييت” التركية، أعادت عمليات الشرطة الأخيرة التي استهدفت جرائم المخدرات بين الشخصيات العامة تسليط الضوء على هذه القضية مجددا.

وأسفرت مداهمات واسعة النطاق، من بينها عملية في فندق فاخر بمنطقة بشكتاش في إسطنبول، عن اعتقال عدد من الشخصيات المعروفة في عالم الترفيه.

كما كشفت فحوصات السموم التي أُجريت في تحقيق سابق عن وجود آثار الكوكايين لدى بعض المشاهير.

وبينما تتصدر مثل هذه القضايا عناوين الأخبار، يؤكد التقرير أن المشكلة الحقيقية تتجاوز بكثير عالم الشهرة وأجواء المشاهير.

عقد من الزمان
تُظهر الإحصائيات القضائية للفترة من 2015 إلى 2024 أن أسرع فئات الجرائم المتعلقة بالمخدرات نموا في تركيا لم تكن الاتجار، بل التعاطي الشخصي، فقد زادت الجرائم المنصوص عليها في المادة 191 من قانون العقوبات التركي والتي تشمل شراء المخدرات أو قبولها أو حيازتها أو استخدامها للاستهلاك الشخصي، بأكثر من أربعة أضعاف خلال عشر سنوات.

ويشير هذا الارتفاع الحاد إلى أن عدد المتعاطين، وليس التجار، قد ازداد بوتيرة مقلقة.

وتؤكد بيانات الشرطة هذا التوجه، ففي عام 2023 وحده، سُجّلت أكثر من 250 ألف حادثة متعلقة بالمخدرات على مستوى البلاد، ارتبط أكثر من أربعة أخماسها بالتعاطي الشخصي.

كما أن الحالات المتعلقة بالكوكايين سارت على المنوال نفسه، إذ زادت بأكثر من الخمس مقارنة بالعام السابق، وارتبطت غالبيتها بالاستهلاك لا بالتوزيع.

بيانات مياه الصرف الصحي
وتُقدّم دراسة علمية أجراها باحثون في معهد الطب الشرعي بجامعة إسطنبول جراح باشا معلومات إضافية عن الملف، فمن خلال تحليل عينات من محطات معالجة مياه الصرف الصحي في عام 2019، حدد الباحثون القنب والكوكايين باعتبارهما أكثر المواد استهلاكا.

وفي تصنيف المدن التي لا يسمح فيها ببيع القنب، احتلت إسطنبول المرتبة الثانية بعد برشلونة من حيث مؤشرات تعاطي الكوكايين.

ويبدو أن تعاطي الكوكايين داخل المدينة يتركز في عدة أحياء، سواء في المناطق السكنية أو الساحلية، مما يشير إلى قاعدة متعاطين واسعة ومتنوعة اجتماعيا.

وأوضح البروفيسور كولتجين أوجيل المدير الطبي لمستشفى “موديست للطب النفسي والأعصاب”، كيف تنعكس هذه الأرقام على الواقع اليومي، مشيرا إلى أن الزيادة كانت واضحة بشكل خاص خلال السنوات الأربع أو الخمس الماضية.

ووصف هذه الزيادة بأنها أشبه بالوباء، متحدثا عن جائحة كوفيد-19 كنقطة تحول في الملف.

وذكر أنه وخلال فترات الإغلاق، تغيرت أساليب توريد المخدرات، حيث أصبح التوصيل إلى المنازل أكثر شيوعا، مما سهل الحصول عليها.

ووفقا لشهادات المرضى التي أوردها أوجل، فإن مواد مثل الكوكايين التي كانت تُعتبر في السابق باهظة الثمن ونادرة، أصبحت الآن متوفرة على نطاق واسع، مما يشير إلى تزايد الطلب عليها.

ويرى أوجل أن تركيا انتقلت من كونها مجرد ممر عبور إلى دولة استهلاك بشكل نشط.

كما أكد أوجل أن تعاطي المخدرات يتجاوز الفوارق الاجتماعية والاقتصادية.

ولطالما كان القنب مقبولا اجتماعيا في بعض الأوساط، وقد أضيفت مواد أخرى تدريجيا إلى هذا المزيج، حيث أصبحت المخدرات الاصطناعية والميثامفيتامين تنتشر بشكل أكبر بين ذوي الدخل المنخفض، بينما ينتشر الكوكايين بين ذوي الدخل المرتفع، وبشكل متزايد بين ذوي الدخل المتوسط، والذين يُقال إن بعضهم يعتمد على الائتمان أو الديون لتمويل إدمانه.

وينظر إلى هذه السهولة في الحصول على هذه المواد والتي توصف بأنها متاحة “لكل ميزانية”، على أنها عامل رئيسي في تفاقم المشكلة.

أسطورة الكوكايين غير الضار
في معرض رده على المفاهيم الخاطئة الشائعة، رفض أوجل فكرة أن الكوكايين ليس مادة إدمانية، واصفا إياها بالخرافة الشائعة.

وأوضح أن الكوكايين في الواقع مادة نموذجية لفهم آليات الإدمان، فحتى التعاطي المتقطع قد يؤدي إلى الاعتماد عليه، إذ يستنزف المخدر الدوبامين بسرعة، وهو ناقل عصبي في الدماغ مرتبط بالمتعة والتحفيز.

وبينما تدوم التأثيرات الفورية لأقل من ساعة، قد يستغرق الدماغ أياما للتعافي، مما يخلق حلقة مفرغة من الاستهلاك المتكرر، وفقا للبروفيسور.

وحذر المدير الطبي لمستشفى “موديست للطب النفسي والأعصاب” من أن الادعاءات المتعلقة بتحسين الأداء مضللة، مشيرا إلى مخاطر جسيمة مثل النوبات القلبية ونزيف الدماغ.

وأكد أوجل أنه على الرغم من أن الأشهر القليلة الأولى من الإقلاع عن التدخين قد تكون صعبة، إلا أن التعافي يصبح أسهل بكثير مع مرور الوقت.

المصدر: “تركيا توداي”

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى