رؤي ومقالات

عمرو صابح يكتب :حين محا السيف أسطار البلاغة.. إيران محاصرة من كل جانب

يبدو النظام الإيراني اليوم واقفًا عند مفترق طرق حاسم؛ نظامٌ أثبت، على امتداد عقود، صلابة وجودية لافتة في مواجهة أزمات متراكمة وضغوط خانقة، لكنه يجد نفسه الآن في قلب معركة مفتوحة تستهدفه هو، لا حلفاءه ولا أذرعه. ما كان يومًا مشروع نفوذ يُدار من مسافة آمنة، وبأدوات بعيدة عن المخاطر المباشرة، تحوّل إلى اختبار قاسٍ لبقائه، ولمقدرته على إعادة ترتيب أولوياته، في لحظةٍ تهاوت فيها الدروع وسقطت المحاور التي بناها نظام الملالي عبر عقود طويلة باعتبارها خط الدفاع الأول عن وجوده.
لم يكن التمدد الإقليمي الإيراني، منذ الغزو الأمريكي للعراق عام 2003، تعبيرًا خالصًا عن قوة ذاتية بقدر ما كان استثمارًا ذكيًا في لحظة انهيار تاريخي أصابت بنية العالم العربي في مقتل. تفكك الدولة العراقية، ثم التآكل المتدرج للنظام العربي الرسمي، أتاحا لطهران أن تتحرك في فضاء شبه مفتوح، لا تحكمه توازنات راسخة ولا تضبطه دول قادرة، فشيّدت مشروع نفوذ يقوم على إدارة الصراعات من الخلف، عبر أذرع مسلحة ذات طابع طائفي، تنقل كلفة المواجهة إلى ساحات بعيدة عن المركز الإيراني، وتحميه من الاستنزاف المباشر.
هذا النموذج، الذي بدا لسنوات طويلة منخفض الكلفة وعالي العائد، كان قائمًا على شرطٍ واحد: أن تظل إيران خارج دائرة الاستهداف المباشر، وأن تبقى حروبها بالوكالة مؤجلة ومجزأة، تُدار بميزان بارد وحسابات دقيقة. غير أن هذا الشرط ذاته تحوّل، مع مرور الوقت، إلى نقطة الضعف البنيوية في المشروع بأكمله.
المشكلة لم تكن في أن النظام الإيراني خاض مواجهة شاملة وخسرها، بل في تأخره – عقب اندلاع حرب 7 أكتوبر 2023 – عن الدفاع عن أركان محوره حين كان الدفاع ممكنًا، ثم في عجزه عن التدخل عندما أصبحت كلفة التدخل وجودية. هذا التأخر الاستراتيجي لا يفسّر فقط تراجع النفوذ، بل يفتح الباب لفهم الانهيار المتسلسل الذي أصاب المشروع الإيراني في العالم العربي.
في لبنان، مثّل حزب الله جوهرة التاج في المشروع الإقليمي الإيراني، لا بوصفه قوة عسكرية فحسب، بل كأداة ردع، وورقة تفاوض، ونموذج مكتمل لفكرة «المقاومة الإسلامية». غير أن استهداف كبار قادة الحزب، ثم انزلاقه إلى مواجهة مفتوحة مع إسرائيل في توقيت خاطيء، انتهى بضربة ساحقة تمثلت في استشهاد زعيم الحزب حسن نصر الله في سبتمبر 2024. لم يكن اغتيال نصر الله مجرد خسارة قائد تاريخي، بل انهيارًا رمزيًا واستراتيجيًا في آنٍ واحد. للمرة الأولى، يُصاب قلب المشروع الإيراني في لبنان إصابة مباشرة، من دون أن تكون طهران قادرة على رفع مستوى الاشتباك لحماية أهم استثماراتها في العالم العربي. هنا سقط وهم الردع، وتكشّف أن حسن نصر الله تُرك يواجه مصيره حين بات الدفاع عنه تهديدًا مباشرًا لإيران نفسها.
أما في سوريا، فقد مثّل سقوط نظام الأسد في ديسمبر 2024 الضربة الأشد قسوة على الإطلاق. فسوريا لم تكن حليفًا عاديًا، بل العمود الفقري للمشروع الإيراني في المشرق: الممر اللوجستي، والساحة الخلفية، ونقطة الوصل الحيوية بين طهران وبيروت. بزوال هذا النظام، انهار البناء بأكمله دفعة واحدة. لم تعد هناك دولة حليفة تؤمّن العمق، ولا جغرافيا متصلة تتيح إدارة الصراع، ولا سلطة مركزية يمكن الاحتماء بها. تحولت سوريا، بعد سقوط نظامها، من أصل استراتيجي ثمين إلى فراغٍ معادٍ، وخرجت إيران من إحدى أهم ساحات نفوذها خاسرةً سياسيًا وعسكريًا ومعنويًا.
وفي غزة، جاءت هزيمة حماس لتكمل المشهد. التنظيم الذي استُخدم طويلًا كأداة ضغط غير مباشرة، سقط في مواجهة مفتوحة من دون تدخل إيراني نوعي قادر على تغيير موازين القوى. ومع هذه الهزيمة، انهار عمليًا خطاب «وحدة الساحات»، وتأكد أن ما سُمّي محورًا لم يكن في حقيقته سوى شبكة مترهلة، تقوم على التوظيف أكثر مما تقوم على الشراكة.
لم تعد هناك، بعد ذلك، ساحات بعيدة تُدار فيها المعارك. اختفت الوسائط، وسقطت الحواجز، وأصبح المركز الإيراني نفسه هو الساحة. لم تعد إيران اللاعب الذي يوزّع الأدوار من الخلف، بل الطرف الذي يقف وحيدًا في مواجهة إسرائيل.
في يونيو 2025، شنّت إسرائيل، بدعم أمريكي وأوروبي، هجومًا مباشرًا ضد إيران، استهدف منشآتها العسكرية وبعض القيادات العليا في النظام. أسفر الهجوم عن خسائر ملموسة وأضرار استراتيجية أثّرت في بعض أجهزة القيادة، وكشفت هشاشة أجزاء من منظومة الدفاع الإيرانية. ومع ذلك، صمد النظام.
قدرة نظام الملالي على امتصاص الضربات، وإعادة تنظيم دفاعاته بسرعة، أجبرت إسرائيل على طلب تدخل الولايات المتحدة الأمريكية لتخفيف الضغط واستعادة المبادرة. وهو ما يعكس أن صمود النظام الإيراني – رغم الضرر – يُحسب له، ويؤكد أنه ما زال لاعبًا قادرًا على المناورة. غير أن السؤال الأعمق يظل حاضرًا: هل يستطيع هذا النظام تحمّل ضربة أخرى مماثلة، أو أشد، في المستقبل؟
بعد توقف العدوان الإسرائيلي، تفجّرت الأزمات داخل إيران على نحو غير مسبوق. لم يعد النظام يواجه تحديات خارجية فحسب، بل بات محاصرًا داخليًا بحقيقة قاسية: اقتصاد منهك تحت وطأة العقوبات والحصار المزمن، تضخم خانق، وفقر متزايد يطال شرائح واسعة من المجتمع. وفي المقابل، يبرز جيل جديد من الشباب، متعلم ومطلع، متحرر نسبيًا من الخطاب الأيديولوجي التقليدي، غاضب من الفساد وضيق الأفق، ومطالب بمساحة أوسع للحرية والمشاركة، ما يشكل ضغطًا متصاعدًا على بنية النظام.
وعلى مستوى القيادة، تضيف شيخوخة المرشد الأعلى، علي خامنئي، وغياب رؤية واضحة لمسألة الخلافة، عنصرًا إضافيًا من عدم الاستقرار، ويجعل المستقبل السياسي للنظام أكثر غموضًا، ويعقّد عملية اتخاذ القرار الاستراتيجي داخليًا وخارجيًا. هذه العناصر مجتمعة تضع إيران في حلقة مزدوجة من الضغوط: ضرورة احتواء أزمات الداخل للحفاظ على الاستقرار، والحاجة في الوقت نفسه إلى مراجعة عميقة لسياستها الخارجية.
هذا المشهد لا يعني بالضرورة سقوطًا وشيكًا للنظام، لكنه يعني نهاية مرحلة تاريخية كاملة. انتهت حقبة إيران بوصفها قوة تتحرك بحرية في فراغ الشرق الأوسط، وبدأت حقبة إيران المحاصَرة، المثقلة بأعباء الداخل والخارج، الباحثة عن صيغ دفاع لا عن مشاريع توسع.
في هذه اللحظة، لم يعد السؤال كيف ستعيد إيران بناء محورها، بل كيف ستعيد تعريف نفسها. فالمشروع الإقليمي الذي شكّل ذريعة بقاء نظام الملالي، وسند شرعيته، وأداة تأجيل أزماته، انتهى فعليًا. وأصبح استمرار نظام ولاية الفقيه نفسه على المحك.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى