حمزه الحسن يكتب :صور مشرقة على خلفية مظلمة

من متابعة الاحداث هنا لفت نظري حدثان في السويد والنرويج ونحن كالعادة نفسر الأحداث على خلفية عالمنا العربي المظلمة وحالة توحش النظم والارهاب وتجاهل الاساءات :
الحدث الأول: ” كما في الصحف السويدية والنرويجية وهي لغة واحدة مع الدنماركية مع اختلافات طفيفة في اللهجة والكتابة: الواقعة أثارت جدلاً واسعاً في السويد مؤخراً (يناير 2026)، وتتعلق بسيدة تُدعى أنيلي (Anneli)”.
“وقعت الحادثة في خريف عام 2025 على الطريق رقم 290 خارج مدينة أوبسالا. كانت أنيلي تقود سيارتها عندما ظهر خنزير بري فجأة أمامها. تصرفت أنيلي بمسؤولية وقامت بـ التوقف تماماً لتفسح له المجال للعبور، إلا أن الخنزير لم يكمل طريقه بل ارتطم بمقدمة سيارتها وهي واقفة، مما تسبب في كسر ضوء الضباب وخدوش بسيطة، ثم واصل الجري واختفى في الغابة”
” أنيلي لم تبلغ الشرطة فوراً لأنها ظنت أن الحادث بسيط وأن الخنزير لم يصب بأذى (بما أنه استمر في الجري). ولكن عندما ذهبت لاحقاً لشركة التأمين لإصلاح الضرر، طُلب منها تقديم بلاغ للشرطة، ففعلت ذلك بعد مرور فترة ، حوالي 21 ساعة أو أكثر من الحادث”
” أصدرت محكمة أوبسالا حكماً ضدها بغرامة مالية حوالي الفي دولار بتهمة “جريمة صيد” (Jaktbrott)، ليس لأنها صدمت الخنزير، بل لأنها خالفت واجب التبليغ الفوري”
” ينص القانون السويدي (قانون الصيد – Jaktförordningen) على أن السائق ملزم بتبليغ الشرطة (عبر رقم 112) فوراً (في غضون ساعتين إلى 4 ساعات كحد أقصى) عند وقوع تصادم مع حيوانات معينة (مثل الأيائل، الخنازير البرية، الدببة، والذئاب)، وذلك للأسباب التالية: لإرسال صائد محترف لتعقب الحيوان والتأكد من أنه ليس جريحاً ويعاني وقد يحتاج مساعدة لانه مشمول بالرعاية الصحية والقانون لا يترك للسائق تقدير ما إذا كان الحيوان مصاباً أم لا، بل يلزمه بالبلاغ بمجرد حدوث “تلامس” لكي تقرر لجنة متخصصة حجم الضرر وكيف حدث ولا يجوز ترك الحيوان يعاني”
دفعت السيدة غرامة مع ان الخنزير هو من ارتطم بسيارتها في الضباب ويبدو انها مطلعة على أوضاع العالم ، علقت بتهذيب:
” من الجنون أن يُهتم بهذا الأمر في وقت نشهد فيه حوادث إطلاق نار وإجرام، بينما أُعاقب أنا لأن خنزيراً صدم سيارتي وهي متوقفة”.
الحدث الثاني في النرويج: قام شخص في العاصمة أوسلو يونيو ، حزيران، 2022 باطلاق النار العشوائي على جمهور في ساحة عامة وقُتل شخصان وجُرح آخرون وبلغ عدد الذين طالبوا بتعويض من غير المصابين حوالي 120 ممن شهدوا الحادث فقط وتضرروا نفسياً وحصل كل واحد منهم على تعويض مالي يقدر بـــــ 35 ألف دولار ويرتفع التعويض حسب الصدمة النفسية ولو كان ماراً عابراً في الشارع وتتكفل الدولة بصرف نفقات العلاج النفسي والسلامة الصحية واعادة تأهيل المصدوم من بضع طلقات في مساء صيفي هادئ أفسده مطلق نار سجن 30 سنة أقصى عقوبة هنا.
في الحدث الأول يصنف القانون حادثة الخنزير على انه عدوان وخرق للقانون لأن الخنزير المحروس مشمول بقانون الحق في الحياة والحق في العلاج والحق في الخطأ ــــــــــــــــ ونحن لا نملك هذه الحقوق ـــــــــــــ في ضرب سيارة أو بسبب ضعف البصر ، وعلى الأرجح لم تكن السيدة أنيلي مطلعة على عمليات الذبح على الرصيف في العراق من قبل داعش وأخواتها وأطفال يلتقطون الصور من فوق دراجاتهم ضاحكين أو ربما تدري أو سمعت بمذابح الساحل السوري وصمة عار التاريخ.
في الحدث الثاني يتم تعويض عابري طريق من مجرد سماع عيارات نارية الحقت بهم ضرراً نفسياً لمدة بضع ثواني وتعكير مزاج وليس في حروب وحصار وارهاب ومنافي وتشرد وسجون ومع ذلك لا يستطيع العراقي أن يعبر عن مشاعره وتجربته بلا معارات صبيانية وحفلات ردح بحيث تتحول الضحية الى متهم بالألم والمعاناة : هؤلاء سواء كانوا في سلطة أو معارضة هم جزء من منظومة الجلادين المتخفين لأن الصورة النمطية للنظم الدكتاتورية للجندي صورة البطل الخارق ، الألم أو المعاناة يخرق هذه الصورة عندما يتحول الى انسان عادي، اضافة الى المفاهيم العشائرية عن الشجاعة والصلابة المطلقة كما ان الأدب تحت نظم شمولية لعب دورا في صناعة البطل الأسطوري وحتى في الملاحم القديمة كان المحارب نصف إله كما في الياذة هوميروس وملحمة كلكامش ،
وفي الأدب السوفيتي افراط ساذج في افراغ المحاربين من كل مشاعر انسانية وعواطف وأحاسيس وتحويلهم الى مخلوقات ميكانيكية شعاراتية، لا يحزن، لا يتألم، لا يحن، لا يخاف واذا حدثت هذه المشاعر فمن أجل الاديولوجيا. أي انه أفرغ من انسانيته وتحول الى كائن وظيفي رابوت. لكن كيف انتهى هذا الأدب؟
امتلأت به حاويات النفايات وعاد الناس الى الأدب الروسي القديم لدويستوفسكي وتيشخوف وتولستوي وهو ما حدث في دول آخرى:
الجماعات التي تشيطن الألم النفسي لا تحتاج الى علاج نفسي لأنها لا تعاني من مرض نفسي يمكن أن يعالج بل صار عادياً اليوم الذهاب الى الطبيب النفسي كالذهاب الى طبيب الأسنان، بل تعاني من ضحالة أخلاقية ودونية نفسية عميقة وذات مصابة بالكامل يستحيل علاجها لأنها الوجه الخفي للجلاد وصورته السرية وتحويل ضحايا الحروب الى متهمين بالمعاناة .من غير المعقول ولا من اللامعقول ألا يحق للانسان الحياة ولا يحق له أن يعاني. هذه معايير دول في الطريق الى الزوال.