حمزه الحسن يكتب :الهجوم الوهمي

يتحدث كارل ماركس عن رأس المال الوهمي في الجزء الثالث من كتابه” رأس المال” من خلال هذه القصة:
“في قرية صغيرة.. وفقيرة.. الجميع غارق في الديون، ويعيش على الاقتراض. فجأةً يأتي رجل سائح غنيُّ إلى المدينة و يدخل الفندق ويضع 100 $ دولار على كاونتر الاستقبال، ويذهب لتفقد الغرف في الطابق العلوي من أجل اختيار غرفة مناسبة.
في هذه الأثناء يستغل مالك الفندق الفرصة ويأخذ المائة دولار ويذهب مسرعًا للجزار ليدفع دينه.
– الجزار يفرح بهذه الدولارات ويسرع بها لتاجر الماشية ليدفع باقي مستحقاته عليه.
– تاجر الماشية بدوره يأخذ المائة دولار ويذهب بها إلى تاجر العلف لتسديد دينه . تاجر العلف يذهب لسائق الشاحنه الذي احضر العلف من بلده بعيده لتسديد ما عليه من مستحقات متأخرة .
سائق الشاحنه يركض مسرعاً لفندق المدينة والذي يستاجر منه غرفه بالدين عند حضوره لتسليم العلف ليرتاح من عناء السفر ويعطي لمالك الفندق المائة دولار لتسديد ديونه.
– مالك الفندق يعود ويضع المائة دولار مرة أخرى مكانها على الكاونتر قبل نزول السائح الثري من جولته التفقدية.
ينزل السائح والذي لم يعجبه مستوى الغرف ويقرر أخذ المائة دولار ويرحل عن المدينة”
الجميع سددوا ديونهم لكن أحداً لم يقبض وينطبق هذا على التهديد بالحرب ومقابل البحث عن غرفة للايجار في فندق الذي خلق قيمة وحل مشكلات، التهديد بالهجوم يرفع أسعار النفط وأسهم شركات السلاح فوراً. هذه أرباح حقيقية جُنيت من احتمال الحرب وليس من الحرب نفسها. توجيه رسائل لاعداء امريكا الحاليين والمحتملين عن حجم الدمار الذي ينتظرهم. التلويح بالقوة، التهديد بالقوة، استعراض القوة لكن دون استعمالها يأتي بنتائج مذهلة.
عندما لا تقع حرب، وينزل السائح الذي لا تعجبه الغرفة ويرحل، يكون الجميع قد حققوا أهدافهم : إيران أظهرت الحزم ولم تتراجع، أمريكا أظهرت قوتها ودفاعها عن حق الشعوب كما تزعم، شركات السلاح حققت أرباحاً، شبكات التواصل والانترنيت، شركات الطيران والخروح من مناطق النزاع المحتملة، شقق سكنية فارغة و انخفاض اسعار الايجارات، فنادق تتعرض لخسائر، الغاء حجوزات سفر، صمت شعوب كثيرة على أزمات اقتصادية عميقة وارتفاع أسعار، التخويف بالحرب أفضل الطرق لتحويل الوهم الى حقيقة.
ارسال اشعارات بعنوان” تهديد خطر” عبر الهواتف كما وصلني أمس كتمرين من احتمال توسع نزاع اقليمي، الغاء أولويات، وكلما طال التهديد تشتري الاطراف وقتاً وتحل مشاكلها ، محطات التلفزة رابح كبير، معامل تتخلص من عمال وقتيين بلا ضمانات. مستشفيات ومعدات جديدة. فتح مخابئ مغلقة.
اسرائيل والناتو ودول مجاورة لايران رصدت رد الفعل الايراني ومستوى التأهب ونوع السلاح وحجم الدمار المتوقع للتحسب لحرب قادمة.
دفعت أمريكا لأنصارها ثمن ظهورها كمدافع عن الحرية، حتى قبل ايجار الغرفة وبداية الحرب، كما ان ايران ايضا اثبتت للاصدقاء والاعداء وللشعب انها وفية لوعودها ولم تركع ، أزمة اقتصادية عالمية ، ارتفاع أسعار نفط، فرصة النظم الغربية للحصول على مكاسب سياسية انتخابية من خلال الاعراب عن” القلق” من القوة المفرطة في مواجهة المظاهرات ــــــــــــــ المسلحة ـــــــــــــ ارتفاع بولصة تأمين السفن.
تحت ظلام الأزمة نظم دكتاتورية تصفي حساباتها مع معارضيها مستغلة انشغال العالم، توقف موانئ ، بحث شركات السفن عن طرق آمنة طويلة مما يرفع الأسعار، ارتفاع سعر الذهب كملاذ آمن ، فرصة بعض الدول لفرض قيود اقتصادية جديدة بحجة احتمال حرب تخرج عن السيطرة. لا معارضة تتحرك في أجواء خطر وهمي في الحقيقة أو لم يحدث.
بعد كل هذا الضجيج السياسي ينزل الرئيس الأمريكي الى استعلامات الفندق ويأخذ نقوده ويرحل مبرراً ذلك:
” لا حاجة لغرفة وسأعود الى المنزل بعد أن تلقيت وعداً بوقف الاعدامات والقتل في ايران”.
الجميع قبض وسدد حسابه إلا الشعب الإيراني خاصة الذي وقع ضحية خدعة الحرية والديمقراطية ولم يتعلم من تجارب التاريخ والجيران.