حمزه الحسن يكتب :من قصر الشاه الى فرن الخبز

دخلت قصر الشاه المسمى نيافاران شمال طهران عام 1989،
ولا يمكن تسميته بالقصر لأنه مجموعة منازل متفرقة منعزلة في حدائق جميلة،
في ضاحية تجريش الارستقراطية تحت جبال البرز يجمع بين العمارة الإيرانية القديمة والعمارة الحديثة ويجمع بين البساطة والفخامة بنوافذ واسعة توفر اطلالة على الحديقة وتسمى الفردوس التي تعكس رؤية جمالية روحية عريقة في الهندسة المعمارية الايرانية المزيج من الهندسة والانسيابية العفوية.
تلوح طهران من نوافذ القصر وقد تحول الى متحف قادما من 3 سجون ايرانية كفترة تحقيق رغم اني لست أسيراً : الاحواز، كهريزك، كرج.
يطلق الايرانيون على هذا الثكنات “أُردوگاه” أو مخيمات اللاجئين
ربما تمييزا عن معتقلات الأسرى، وهي أفضل بكثير من ثكنات الاسرى ومزيج من الثكنة والمعتقل الواسع والمخيم. مصادفة ان اجد الروائي نصيف فلك في مخيم كرج من ضواحي طهران وبعد ذلك جاء الروائي حميد العقابي وكل واحد منا كتب عن سيرته هنا وعن غيرها على طريقته.
خلال التجوال في غرف وردهات القصر ونوافذه المطلة على حدائق مشرقة،
فطنت لحالي ولهذه المفارقة الغريبة:
أنا المتسكع لا أملك غير ثمن أجرة العودة وثلاثة أرغفة خبز من النوع الأفغاني المسمى التميس ألذ خبز في العالم ، أتجول في قصر ملك الملوك كما يلقب الهارب الذي حاول مع زوجته فرح الحصول على جواز سفر لاجئ للتنقل به لانه هرب أمام عنف تظاهرات الحشود.
كنت قد قرأت الساعات الأخيرة للشاه في القصر وكيف كان ينظر محششاً لطهران الغليان التي تلوح من القصر الواقع على سفوح جبال البرز في شتاء بارد وكتاب عالم الاجتماعي الايراني احسان نراغي” من بلاط الشاه الى سجون الثورة” يوثق الايام الاخيرة للشاه وهو أكاديمي ومؤسس معهد الدراسات والبحوث الاجتماعية في جامعة طهران، وعمل مستشاراً لليونسكو.
طلبت منه زوجته الملكة فرح الأكثر ثقافة منه أن يحضر المفكر الايراني
إحسان نراغي الذي طرده الشاه يوماً من البلاط كمستشار وهو عالم اجتماع ومؤرخ ومثقف مرموق لاستشارته حول الاحداث لان الامور خرجت عن السيطرة،
وقطاع من الجيش انظم الى الثورة والدولة تتفكك، وحضر احسان نراغي واستقبله الشاه المكسور بترحاب،
وعلى مدى أيام جرت حوارات مطولة حول كيفية الخروج من المأزق،
وصفها نراغي في كتابه في ما بعد: ” من بلاط الشاه الى سجون الثورة”،
لأنه سجن بعد الثورة،
وهو كتاب يعكس عقلية مثقف وشجاع ومهذب أمام امبراطور محطم على وشك الانهيار. كان الشاه يرى انها مؤامرة خارجية وكان نراغي يرى : ليست مؤامرة خارجية بل هو جنون العظمة وعزلة الشاه عن الشعب والترف والبذخ وغياب الواقعية.
يصف نراغي الشاه تلك الايام: “بأنه كان منذهلاً ومشتتاً، يتساءل بمرارة: “لماذا يكرهني الشعب؟”، وكان يعتقد أن ما يحدث هو مؤامرة خارجية، بينما حاول نراغي إقناعه بأن التهميش الديني والفساد هما المحركان الفعليان”.
طلب الشاه وهو في حالة غريق مهان من احسان نراغي حلاً للأزمة وكان احسان يوم كان في بلاط الشاه قد قدم مشروع اصلاح سياسي رفضه الشاه لكنه يرى الان ان الوقت قد فات. حاول احسان نراغي يوم كان في البلاد ان يكون جسرا بين الحداثة وبين الاصالة لكن النظم الشرقية لا تعتبر المثقف أكثر من موظف يقدم خدمات عادية او شخص مجنون لكن احسان وجد نفسه غريبا في قصور الشاه ومنبوذا في سجون الثورة ــــــــــــــــ ثلاث سنوات سجن ـــــــــــــ عندما اعتقل بعد انهيار النظام.
كشفت الحوارات التي أجراها إحسان نراغي مع الشاه محمد رضا بهلوي في الشهور الأخيرة من حكمه (بين سبتمبر 1978 ويناير 1979) عن “انفصال” الحاكم عن الواقع وعندما حاول نراغي اقناعه ان ما يجري ليست مؤامرة بل رد فعل على قسوة جهاز السافاك الامن السري وعلى الفساد وان تحالف رجال الدين مع البازار ـــــــــــ كبار التجار ـــــ هو الذي يقود الاحداث، سخر الشاه من ذلك وكان يعتقد ان هناك قوى سياسية أخرى،
لكن نراغي لفت نظره الى انه سحق كل القوى السياسية اليسارية والديمقراطية في البلاد ولم يبق غير رجال الدين والبازار وتاريخ ايران الحديث حتى اليوم وفي الاحداث الاخيرة من صنع هذا التحالف رغم ان طبقة البازار عمود الطبقة الوسطى منقسمة اليوم بين ولاء مطلق للدولة الاسلامية وبين الحلم بنظام ليبرالي ديمقراطي على الطريقة الغربية وهو ما يفسر هدوء الاوضاع مؤخراً.
في اللقاء الاخير او وداع السقوط سأله الشاه الذي كان يضع قدميه فوق جلد نمر حافياً منهاراً ” “ماذا يجب أن أفعل الآن؟” كما لو يطلب رصاصة الرحمة.
كان بين لحظة وأخرى يقف أمام النافذة المطلة على طهران ـــــــــــ وقد وقفتُ أمامها طويلاً في تأمل عميق ـــــــــــ حيث القصر على سفوح جبل البرز ويمكن رؤية طهران . حسب وصف نراغي:
” كان الشاه ينظر من النافذة إلى طهران وكأنه يراها للمرة الأخيرة، مدركاً أن عصره قد انتهى” وقد استسلم للقدر. اقترح عليه احسان مغادرة البلاد مؤقتا لتهدئة الاوضاع واذا قرر عدم العودة لا يجب عليه ارتكاب الخطأ الفادح في القيام بمجزرة كما كان جنرالات السافاك يطلبون منه.
في أحد اللقاءات، سأل الشاه نراغي بمرارة واستغراب: “لماذا يكرهني هؤلاء الناس؟ لقد قدمت لهم كل شيء، بنيت الجامعات، والمصانع، وطورت الجيش، فلماذا يصرخون بموتي في الشوارع؟”
كان نراغي صريحاً جداً في رده، حيث أخبره بأن المشكلة ليست في الإنجازات المادية، بل في “كرامة الناس”. وأوضح له أن النظام البوليسي (السافاك) والفساد المحيط بالبلاط جعل الناس يشعرون بالمهانة، وأن التنمية الاقتصادية لم يصاحبها انفتاح سياسي.
في خاتمة هذه الحوارات قال إحسان نراغي للشاه: ” ليس هناك ما يمكن أن نفعله لقد تأخر الوقت طويلاً على كل شيء”.
في تلميح الى ان الشاه نفسه طرده من البلاط الملكي كمستشار
لأنه كان يطلب منه قبل سنوات القيام باصلاحات جذرية، وعدم الاكتفاء بحضور الطقوس الدينية لكسب ود الجماهير، لأن البلاد تحتاج أكثر من هذه الاستعراضات الشكلية.
غادر نراغي القصر ورافقه الشاه حافي القدمين حتى البوابة الرئيسة التي دخلت منها التي أمامها تمثال للشاه بلا رأس،
ويمكن تخيل الشاه وهو يعيش لحظات سقوط عرشه، والى جواره الملكة فرح ورأيت باب حمامها مغلقاً.
قبل مغادرة القصر دخلت مكتب الشاه وفوجئت بلوحة مهداة له من الفنان سلفادور دالي:
عصفور يأكل عصفوراً، والعصفور القاتل ينظر خارج اللوحة للمشاهد بعين بشرية،
وفسرت تلك النظرة على أن العصفور يفقد براءته عندما يتحول الى بشر.
خلال سنوات لم يتذكر الشاه احسان نراغي المثقف الباهر، وربما لو لا الملكة فرح لما تذكره وهي العاهة المزمنة لكل ملوك وطغاة الشرق الذين يحيطون
أنفسهم بحاشية من الرعاع والانتهازيين والمتملقين الذين يقفزون من الباخرة
قبل الغرق وفي الوقت نفسه تغص السجون والمنافي بالمثقفين .
قبل أن أغادر القصر القيت النظرة الأخيرة للوحة سلفادور دالي،
وفي الدوافع التي اختارها الشاه لوضع اللوحة على الجدار الايسر لمكتبه
عند الدخول بالقرب من طاولته وفي خلفية النافذة حديقة مشرقة.
حتى اليوم نظرة ذلك العصفور منغرزة فيّ رغم نسيان تفاصيل كثيرة عن القصر الامبراطوري،
وكل ما أتذكره وقوفي في طابور أمام فرن للخبز الافغاني وكانت مفارقة هذا الانتقال من قصر امبراطور الى الوقوف مع طابور افغان مشردين وفي الطريق الى أردوكاه أو ما يشبه السجن.