تاريخ العرب

سارية الجبل

كان الجو في المدينة المنورة حاراً لاهباً، كأنما الشمس أرادت أن تختبر صبر المؤمنين في هذا اليوم من عام 23 للهجرة. داخل المسجد النبوي، كان أمير المؤمنين عمر بن الخطاب يخطب في الناس، صوته جهوريٌ يهزُّ القلوب قبل الأسماع.
“أيها الناس، اتقوا الله في سركم وعلانيتكم…” كانت كلماته تخرج من قلبه فتدخل إلى قلوب المستمعين.
وفجأة، في ذروة الخطبة، توقف عمر فجأة، وكأن نبأً عظيماً قد نزل عليه. رفع رأسه، ونظر إلى البعيد، عبر جدران المسجد، عبر الصحاري والجبال، كأن بصيرته قد اخترقت الزمان والمكان. اتجه بوجهه نحو جهة الشمال، نحو “نهاوند” في فارس، حيث الجيش الإسلامي بقيادة سارية بن زنيم يُحاصَر من قبل جيش الفرس.
صاح عمر بأعلى صوته، وقد انتفخت أوداجه، وكأنه يخاطب جيشاً يراه:
“يا سارية! الجبل! الجبل! استَحِمْ بالجبل!”
ارتبك المصلون في المسجد، وتطلع بعضهم إلى بعض في حيرة. من ينادي يا ترى؟ وأي جبل يقصد؟ لكنهم رأوا عمر وقد تحولت ملامحه إلى حالة من التركيز الشديد، كقائد يخوض معركة مصيرية، ثم عاد ليكمل خطبته وكأن شيئاً لم يكن، بينما ظلت الحيرة ترتسم على وجوه الحاضرين.

في تلك اللحظة نفسها، على بعد مئات الأميال في أرض نهاوند:
كان سارية بن زنيم يجلس في خيمته، وقد أحاط به قادة جيشه، وجوههم متجهمة والهمّ يغمرهم. جيش الفرس يفوقهم عدداً وعُدة، وقد أحكموا الحصار حولهم، والأرض المفتوحة التي يقفون عليها جعلتهم هدفاً سهلاً لسهام الفرس التي تتساقط كالمطر.
قال أحد القادة: “الموت هنا أحب إلينا من التراجع، لكننا نحتاج إلى خطة.”
وفي خضم النقاش، وفجأة، جلس سارية منتصباً، كأنه قد سمع نداءً. أشار إلى الجميع بالسكوت، وأصغى بكل حواسه.
قال له أحدهم: “ما بك يا سارية؟”
أجاب وهو يلتفت يميناً ويساراً: “أسمع صوتاً… صوت عمر… يناديني!”
نظروا إليه في دهشة، فكيف يسمع صوت أمير المؤمنين من هذه المسافة البعيدة؟ لكنهم رأوا التركيز العميق على وجهه، كأنه يلتقط خيطاً من صوت بعيد.
ثم صاح سارية فجأة، وقد انشرح وجهه: “سمعته! سمعت النداء! يقول: ‘يا سارية! الجبل! الجبل!'”
نظر حوله، فرأى جبلاً شاهقاً على بعد ميلين من موقعهم. أدرك في لمحة فراسة عسكرية ما يعنيه عمر. إن الجبل سيحمي ظهورهم، وسيجعلهم في موقع دفاعي منيع.
أمر سارية جيشه على الفور: “انسحبوا بانتظام! إلى الجبل! سريعاً!”
انسحب المسلمون تحت وابل السهام، حتى وصلوا إلى سفح الجبل. أداروا ظهورهم إليه، فتحول الجبل إلى حصن طبيعي يحميهم من الخلف، مما مكّنهم من تركيز قوتهم في مواجهة العدو من الأمام فقط.
يوم المعركة الفاصلة:
عندما هجم الفرس، وجدوا المسلمين قد تحولوا من فريسة سهلة في السهل إلى أسود متحصنة في موقع دفاعي منيع. هجمات الفرس المتكررة تحطمت على صفوف المسلمين المدافعين بشجاعة، وظهروا محميين من الكمائن بظهر الجبل.
وفي لحظة ذروة المعركة، عندما اشتد الضغط، خرج سارية بفرقة من المقاتلين المختارين من ممر ضيق في الجبل كان قد اكتشفه، ولف على مؤخرة جيش الفرس، فشتت صفوفهم وهاجمهم من حيث لم يتوقعوا.
ارتجّت أرض المعركة بصرخة “الله أكبر!”، وانهارت معنويات الفرس، فولوا الأدبار تاركين أرض المعركة، محققين للمسلمين نصراً مؤزراً كان نقطة فاصلة في فتح فارس.

بعد أسابيع، عندما عاد الجيش ظافراً إلى المدينة:
دخل سارية على عمر في المسجد، فقام عمر وعانقه وأجلسه بجانبه.
قال سارية: “يا أمير المؤمنين، في أحرج لحظاتنا في نهاوند، سمعت صوتك تناديني: ‘يا سارية! الجبل! الجبل!’، ففعلنا ما أمرتنا به.”
ابتسم عمر ابتسامة عارف، وقال كلمته الخالدة: “نعم، رأيتكم في ساعة ذلك اليوم، وكأنما أنظر إليكم من وراء الحجب، فرأيت أن موضعكم ليس بموضع منيع، وأن الجبل خلفكم، فخفت عليكم أن تهجموا من خلفه، فناديتُكَ بما سمعتَ.”
فسأله سارية في دهشة: “وكيف وصل صوتك إلينا من هذا البعد؟”
وضع عمر يده على صدره، ثم نظر إلى السماء، وقال: “إن الإيمان إذا خالطت بشاشته القلوب، واتصل العبد بربه، قربت له البعيدة، وسخرت له الصعبة. لقد دعوت الله أن يوصل نصيحتي إليك، فاستجاب.”
خاتمة:
تحولت قصة “سارية الجبل” إلى أسطورة حية في التاريخ الإسلامي، تروي كيف أن الإيمان العميق، والقلوب المتصلة بالله، يمكن أن تخترق قيود الزمان والمكان. وكيف أن قائداً في المدينة يرى جيشه في فارس، ويناديه فيسمعه، فيتغير مصير معركة، وتتغير خريطة التاريخ.
لقد كانت لحظة تجسدت فيها معاني:
· فراسة القائد المؤمن
· اتصال القلب بالله
· وثقة الجندي بقائده
· وتسخير الكون لمن يستحق
سارية الجبل… ليست مجرد قصة نداء بعيد، بل هي درس في التوكل على الله، والثقة بأن النصرة من عنده، وأن الأسباب مهما عظمت، تبقى خاضعة لمشيئة خالق الأسباب.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى