كتاب وشعراء

بين الحقيقة والجمال: ولادة القيم الجمال كأخلاق خفيّة… بقلم: عماد خالد رحمة _ برلين.

الجميلُ ليس زينةً على هامش الوجود، بل هو جوهرٌ أخلاقيٌّ خفيّ، يشتغل في العمق بوصفه طاقةَ تهذيبٍ وتهذُّب. فالخير حين يتجرّد من الحسّ الجماليّ يغدو قاسيًا، أجوفَ الروح، ميكانيكيَّ السلوك، أمّا حين يسكنه الجمال، فإنه يتحوّل إلى فعلٍ محبّب، وإلى قيمةٍ تُمارَس بشغف لا بواجب.
ليست مقولة «الجمال سينقذ البشرية» مجرّد استعارة شاعرية، بل هي رؤية أنطولوجية وأخلاقية في آن. فالجمال يوقظ في الإنسان حسّ الانتباه إلى الآخر، يدرّبه على الرهافة، ويعلّمه الإصغاء لما هو هشّ، ضعيف، مهدَّد. من يتربّى على الجمال لا يُتقن القتل، لأن العين التي اعتادت على تناسق الوجود تنفر من تشويهه، والروح التي تعلّمت الدهشة تعجز عن التطبيع مع القبح.
الحقيقة، في معناها العميق، لا تنفصل عن الجمال. ليست الحقيقة مجرّد تطابق بين الفكر والواقع، بل هي أيضًا انسجام بين العقل والوجدان، بين ما نعرفه وما نشعر به. الحقيقة القاسية بلا جمال تتحوّل إلى سيف، والحقيقة التي يسكنها الجمال تصير نورًا. لذلك قال أفلاطون إن الخير والحق والجميل وجوهٌ لجوهرٍ واحد.
وهنا ينهض السؤال:
هل هناك إنسانية حقيقية من دون تربية جمالية؟
الجواب: لا.
فالإنسان الذي لم يتعلّم تذوّق الجمال—في الكلمة، في الموسيقى، في الطبيعة، في وجه الآخر—يبقى ناقص الإنسانية، مهما امتلك من معرفة أو سلطة. التربية الجمالية ليست ترفًا ثقافيًا، بل هي شرط أخلاقي لولادة إنسان قادر على التعاطف، على الرحمة، على رؤية الآخر لا كوسيلة بل كقيمة.
من دون تربية جمالية، تتحوّل المجتمعات إلى آلات، وتتحوّل القيم إلى شعارات، ويتحوّل الإنسان إلى كائن وظيفي بلا روح. أمّا حيث يُزرَع الجمال، فتنبت الإنسانية، ويصير الخير ممكنًا، والحقيقة قابلة للحياة، لا مجرّد فكرة باردة في كتب الفلاسفة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى