قهوه وثلج…بقلم م. نهاد المصري

(( قهوه وثلج))
اشرب قهوتي على شرفتي، استمتع بنزول الماء من السماء وحبات البرد، وانتظر ذاك الزائر الابيض الذي لا ياتي كل يوم، لكنه حين ياتي يفتح ابواب الذاكره على مصراعيها.
الثلج يعيدني سنوات طويله الى الوراء، الى ايام روسيا، وتحديدا مدينتي كالنين، تلك المدينه الهادئه التي تبعد عن موسكو ساعه وثلاثين دقيقه بالقطار. ما ان يهبط الثلج حتى تعود اللحظه الاولى التي وطئت فيها قدماي ارض موسكو في شهر تسعه، والامطار كانت غزيره بشكل غير مألوف.
ما زالت رائحه الارض المبتله والاوراق المتساقطه المختلطه مع التربه تسكن الذاكره، عبق خاص لا يشبهه شيء، كأنه توقيع المكان على الروح.
ومن طرائف تلك الايام، ان اول يوم نزل فيه الثلج خلال سنة تحضير اللغه، امتنع معظم الطلاب القادمين من بلاد الشام عن الخروج من غرفهم للذهاب الى الدرس. كنا نعتقد ببساطه ان الثلج يعني عطله.
السكن كان منظم بطريقه غريبه علينا: الطوابق الاول والثاني والثالث مخصصه لسكن الطلاب، اما الرابع والخامس فكان صفوف للغه ومتطلبات العلوم الاخرى المؤهله لدخول الجامعه. اي اننا لم نكن بحاجة للخروج الى الشارع اصلا.
نزلت المدرسات الينا، ايقظننا من النوم وطلبن منا الذهاب الى الحصه. وعندما سألونا عن سبب الغياب، اجبنا بثقه: اليوم عطله بسبب الثلج. ضحكن وقالت احداهن: اذا كان الامر كذلك، فستبقون معطلين نصف السنه، او اربع شهور على الاقل.
يومها فهمنا ان الثلج في تلك البلاد ليس طارئ، بل اسلوب حياه، وان ما نراه نحن اعذار، يراه غيرنا عاده يوميه.
واليوم، وانا اشرب قهوتي، وانظر الى السماء وهي تجود بالماء والبرد، اعرف ان بعض الذكريات لا تحتاج اكثر من مشهد صغير لتعود بكامل دفئها.
بعض الاماكن لا نغادرها فعلا، نحن فقط نغلق الباب، وحين يهطل المطر او ياتي الثلج، يعود المفتاح ليدور بهدوء داخل الذاكره.
خربشات(( من ذاكرة الزمن الجميل )).