تاريخ العرب

تقن بنت شريق

كانت تقن بنت شريق امرأةً من بني عثم من بني جشم بن سعد بن زيد مناة بن تميم، وكانت زوجةً لرجل من قومها.
وكان أخوها الريب بن شريق من فرسان بني سعد المعدودين، ومن أشرافهم المعروفين بالشجاعة والمكانة بين القبائل.
وكان لتقن ضرّة تشاركها الزوج، ولهذه الضرّة ابن يُدعى الحمِيت، شابٌّ غليظ الطبع، سريع الغضب.
ووقع ذات يومٍ بين تقن وضرّتها شرٌّ شديد، فتسابّتا وتراجزتا بالألفاظ القبيحة، حتى احتدم النزاع بينهما.
وغلبت تقن ضرّتها في هذا السباب، وتمادَت فشتمتها شتمًا فاحشًا مهينًا، جاوز الحدّ المقبول بين النساء.
فلما بلغ ذلك الحمِيت، وسمع ما قالته تقن في أمه، اشتعل غضبه، وأخذ رمحه، ثم أقبل على تقن، فطعنها في فخذها طعنةً نافذة، اخترق بها الفخذ حتى بلغ العظم، وكادت الطعنة تودي بحياتها.
فلما رأى أبوه ما حدث، فزع وخشي عاقبة الأمر، لأن أخا تقن، الريب بن شريق، رجل لا يُطاق غضبه ولا يُؤمن بطشه إن علم بما جرى. فبادر الأب إلى تقن وقال لها مسترضيًا:
اسكتي عن هذا الأمر، ولكِ ثلاثون من الإبل، ولا يعلم أخوكِ بما كان.
فوافقت تقن، لكنها اشترطت أن تُسلَّم الإبل فورًا. فأخرجها لها، فلما صارت في يدها وسمتها بميسم أخيها الريب بن شريق، علامةً تدل على ملكه، ثم ألحقتها بإبلها، فبقيت تلك الإبل ضمن ماشيتها زمنًا طويلًا.
ومضت الأيام، حتى ورد سفيان بن شريق، أخو الريب، مورد الماء بإبله.
فصادف عند الماء الحمِيت، فدار بينهما كلامٌ لم يخلُ من حدّة وسوء أدب. وانتهى الأمر بأن ضرب الحمِيت سفيان.
وكان في عنق سفيان قروح وجراح قديمة، فلما ضربه الحمِيت، سال دمها وتجدّدت، فازداد ألمه وغضبه. فعاد سفيان إلى أخيه الريب بن شريق، وأخبره بما لقي من الحميت، وما أصابه من أذى.
فلم يتمالك الريب نفسه، بل وثب إلى فرسه، وكان يُدعى الهدّاج، وركبه مسرعًا، ثم لحق بالحيّ وهم مرتحلون في مسيرهم. فلما دنا منهم، أخذ يتظاهر بالبحث عن بعير ضائع، وقال بصوت يسمعه الناس:
من أحسّ من بكرٍ أورقَ ضلَّ من إبلي؟
فيجيبونه:
ما رأيناه.
فيواصل السير، حتى لحق بالحمِيت، وكان يسير في أوائل القوم، فقال له مرةً أخرى:
هل أحسست من بكرٍ أورقَ ضلَّ من إبلي؟
فقال الحميت:
ما رأيته.
عندها ألقى الريب سوطه على الأرض متظاهرًا بأنّه سقط منه، ثم قال للحميت:
ناولني سوطي.
فانحنى الحميت ليأخذه ويُعطيه إيّاه، فلما أكبّ عليه، قال له الريب فجأةً:
أعركتين بالضفير؟
(والضفير: السير المضفور من الجلد، ويُقال أيضًا إنه موضع)
ثم استلّ سيفه وضربه ضربةً هائلة على ملتقى كتفيه، ضربةً كادت تشقّ جوفه، ثم انصرف مسرعًا على فرسه دون أن يلتفت.
ومنذ ذلك اليوم، صار قوله:
«أعركتين بالضفير»
مثلًا يُضرب، ومعناه:
أآذيتني مرتين؟ مرةً في أختي تقن، ومرةً في أخي سفيان.
ثم قال الريب بن شريق في ذلك شعرًا، وحُفظت الأبيات كما قيلت دون تغيير:
بكت تقن فآذاني بكاها … وعزّ عليّ أن وجعت نساها
سأثأر منك عرس أبيك إني … رأيتك لا تجأجىء عن حماها
ويقصد بالـ عرس هنا: تقن،
ويُقال: جأجأ بإبله إذا حثّها وساقها إلى الماء.
ثم قال:
دلفت له بأبيض مشرفيّ … ألمّ على الجوانح فاختلاها
ودلفت: أي مشيتُ إليه مشيًا سريعًا متقارب الخطو.
ثم قال:
فإن يبرأ فلم أنفث عليه … وإن يهلك فآجال قضاها
ثم قال:
وكان مجربا سيفي صنيعا … فيا لك نبوة سيفي نباها
أي أن سيفه كان مجرّبًا مصيبًا، إلا أنّه في تلك الضربة لم يُهلكه كما كان متوقّعًا.
ثم قال:
رأيت عجوزهم فصددت عنها … لها رحم وواق من وقاها
أي أنه رأى عجوزًا من قومهم، فكفّ عنها ولم يصبها، حفظًا للرحم ودرءًا للعار.
ثم ختم بقوله:
وخفت الصرم من حفص بن سود … وأتبعت الجناية من جناها
و حفص رجل من قبيلة الحميت، وكان صديقًا للريب بن شريق، فخشي الريب أن تقطعه تلك الجناية عنه، فأوقع العقوبة على من جنى بالفعل.
“نحن نسعى جاهدين لأيصال المحتوى النافع فلا تبخل علينا بالتفاعل و مشاركة المنشور على حسابك، فكيف تثمر شجرة أنتم لا تسقونها.”

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى