تاريخ العرب

الحجاج بن يوسف

ولد الحجاج بن يوسف في الطائف في بيت من بيوت ثقيف وكان صغيرا نحيفا سريع الغضب كثير الحفظ شديد الذكاء وكان أبوه رجلا بسيطا يعمل في جمع الغلال وتعليم الصبيان وكان الحجاج منذ صغره يكره أن يكون مثل أبيه وكان يرى في نفسه شيئا أكبر من أن يبقى في الطائف بين الحقول والبيوت الصغيرة وكان يسمع أخبار الدولة الأموية وأخبار الجيوش والفتوحات فيكبر في داخله حلم القوة والسلطان وكان إذا جلس مع أقرانه غلبهم بحدة لسانه وقوة منطقه حتى قالوا إن هذا الغلام لو تولى أمرا لأتعب الناس
كبر الحجاج وصار معلما للصبيان لكنه لم يطق البقاء في هذا الموضع الضيق فخرج إلى الشام والتحق بجيش عبد الملك بن مروان وكان عبد الملك يبحث عن رجل قوي شديد لا يلين فوجد في الحجاج ما يريد وكان الحجاج إذا دخل على عبد الملك أحس الناس أن رجلا لا يعرف الخوف قد دخل وكان عبد الملك يختبره فيجده أصلب مما توقع فرفعه وقربه حتى صار من أقرب الناس إليه
وحين اضطربت العراق وكثرت الفتن أرسل عبد الملك الحجاج إليها وقال له اذهب فأصلح ما فسد فدخل الحجاج العراق دخول العاصفة وكان الناس قد ألفوا الفوضى فلما رأوا الحجاج عرفوا أن زمنا جديدا قد بدأ وكان الحجاج يخطب في الناس بصوت يهز القلوب ويقول إني لأرى رؤوسا قد أينعت وحان قطافها وكان الناس يرتجفون من شدته لكنه كان في الوقت نفسه يقيم الطرق ويعمر المدن ويجمع القرآن ويثبت الدولة حتى صار اسمه مرهوبا في كل مكان
وكان الحجاج يعيش حياة لا يعرف فيها الراحة ولا اللين وكان ينام قليلا ويعمل كثيرا ويطارد الخارجين على الدولة بلا هوادة وكان يرى نفسه حارسا للسلطان وحاميا للدولة وكان يظن أن الشدة هي الطريق الوحيد لحفظ الأمن وكان إذا غضب لم يملك نفسه وإذا رضي لم ينس فضل أحد
ومع مرور السنين بدأ جسده يضعف وبدأت الأمراض تتسلل إليه وكان يسمع الناس يذكرون ظلمه فيزداد قسوة كأنما يريد أن يغطي على ما يشعر به في داخله من خوف خفي لا يعترف به لأحد وكان إذا خلا بنفسه شعر بثقل الأيام وبأن الدماء التي سفكها تقف أمامه كأنها تسأله لماذا فعلت ما فعلت
وفي آخر أيامه اشتد عليه المرض حتى كان لا يستطيع أن ينهض من فراشه وكان يسمع أصواتا لا يسمعها غيره ويرى وجوها مرت أمامه في حياته كأنها تعود لتقف عند سريره وكان يقول ما لي أرى الناس كلهم يخاصمونني حتى من مات منهم وكأن قلبه بدأ يدرك ما لم يدركه عقله طوال حياته
ومات الحجاج في سنة خمس وتسعين للهجرة ومات معه زمن من الشدة والقوة والبطش وترك خلفه اسما لا يزال الناس يختلفون فيه فمنهم من يراه ظالما ومنهم من يراه قائدا حازما ومنهم من يراه سيفا في يد الدولة لا أكثر لكن الجميع يتفقون على أن الحجاج كان رجلا لا يشبه أحدا وأن سيرته تبقى من أغرب السير في تاريخ الإسلام
وربما حين يقرأ أحدهم هذه القصة الآن يشعر أن التاريخ ليس بعيدا وأن الإنسان مهما بلغ من قوة فإن النهاية واحدة وأن ذكر الناس يبقى بما قدمت يداه وربما يحملها إلى غيره دون أن يشعر فيكون في ذلك تذكير لقلب آخر يبحث عن معنى القوة ومعنى العدل ومعنى أن الإنسان لا يخلد مهما علا شأنه

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى