تقارير وتحقيقات

معاوية بن أبي سفيان

ولد معاوية بن أبي سفيان في مكة قبل البعثة بسنوات وكان طفلا من أبناء قريش الذين نشأوا في بيوت السادة وتربى في بيت أبي سفيان سيد بني أمية وكانت مكة يومها مدينة تضج بالحركة والتجارة والوفود وكانت قريش تعيش في مركز الجزيرة وكان معاوية يرى منذ صغره كيف يجتمع الناس حول أبيه وكيف تُدار شؤون القبيلة وكيف تُحسم الخصومات وكيف تُعقد الأحلاف فكبر وهو يفهم معنى القيادة ومعنى السياسة ومعنى أن يكون الرجل من بيت له مكانته بين العرب
وحين بعث النبي في مكة كان معاوية شابا يافعًا وكان بنو أمية من أشد الناس معارضة للدعوة الجديدة لأنهم رأوا فيها تهديدا لمكانتهم وكان معاوية مع قومه في صفوف المعارضة لكنه لم يكن من أهل الأذى ولا من أهل البطش بل كان ينظر ويتأمل ويحسب الأمور بعقلية رجل يعرف أن الزمن يتغير وأن القوة ليست دائمة لأحد
ومرت السنوات وفتحت مكة ودخل الناس في دين الله أفواجا ودخل معاوية في الإسلام مع من دخل وكان دخوله هادئا بلا ضجيج ولا مقاومة وكان النبي يعرف عقل معاوية وهدوءه وذكاءه فجعله من كتّاب الوحي فكان يجلس بين يدي رسول الله يكتب ما ينزل من القرآن وكان هذا شرفا عظيما لا يناله إلا من وثق به النبي
وبعد وفاة النبي بدأت الدولة تكبر وتتمدد وتحتاج إلى رجال يعرفون السياسة والإدارة وكان معاوية من أولئك الذين فهموا طبيعة المرحلة فولاّه عمر بن الخطاب على الشام ثم ولاه عثمان بن عفان على دمشق كلها فصار معاوية سيد الشام بلا منازع وكان أهل الشام يحبونه لأنه كان حازما عادلا واسع الحلم يعرف كيف يحكم وكيف يضبط الأمور وكيف يجعل الناس يلتفون حوله
ثم جاءت الفتنة الكبرى حين قُتل عثمان وخرجت الأمة إلى اضطراب لم تعرف مثله من قبل وكان معاوية يرى أن دم عثمان لا بد أن يُطلب وأن القاتلين لا بد أن يُحاسبوا وكان علي بن أبي طالب يرى أن إقامة الدولة أولى من ملاحقة القتلة في تلك اللحظة فوقع الخلاف بين الرجلين واشتعلت نار الفتنة ووقعت معركة صفين التي سالت فيها دماء كثيرة ثم انتهت بالتحكيم الذي زاد الأمور تعقيدا
وبعد استشهاد علي وتنازل الحسن بن علي عن الخلافة لمعاوية اجتمع الناس عليه وصارت الدولة كلها تحت يده فبدأ معاوية عهدا جديدا من الاستقرار بعد سنوات من الاضطراب وكان رجلا يعرف كيف يدير دولة واسعة تمتد من حدود الصين إلى أطراف المغرب وكان يختار ولاته بعناية ويضبط أمور المال والجيش ويقيم العدل في الشام ويقود الفتوحات في الشرق والغرب حتى صارت الدولة الأموية في عهده أقوى دولة في زمانها
وكان معاوية رجلا واسع الحلم لا يغضب بسرعة ولا يعجل في العقوبة وكان يقول إني لا أضع سيفي حيث يكفيني سوطي ولا أضع سوطي حيث يكفيني لساني وكان يعرف أن الناس لا يحكمون بالقوة وحدها بل بالحكمة واللين والسياسة
ومع مرور السنين كبر معاوية وبدأ يشعر بثقل العمر وكان يرى أن الدولة تحتاج إلى من يحفظها من التمزق بعده فاختار ابنه يزيد ليكون وليا للعهد وكان هذا القرار بداية مرحلة جديدة في تاريخ الأمة لأن الخلافة تحولت من الشورى إلى نظام يشبه الملك الوراثي وكان لهذا القرار أثر كبير في الأحداث التي جاءت بعده
وفي السنة الستين للهجرة اشتد المرض على معاوية وكان في دمشق وقد اجتمع حوله أهل بيته وولاته وكان يشعر أن أيامه قد انتهت وأنه يترك وراءه دولة واسعة تحتاج إلى من يحسن قيادتها وكان ينظر إلى حياته فيرى أنه عاش دهرا طويلا شهد فيه الجاهلية والإسلام والفتنة والحكم وأنه كان جزءا من أحداث عظيمة غيرت وجه التاريخ
ومات معاوية في دمشق ودفن في مقبرة الباب الصغير وترك الخلافة لابنه يزيد وترك وراءه دولة قوية واسعة وترك اسما لا يزال الناس يختلفون فيه فمنهم من يراه قائدا عظيما ومنهم من يراه صاحب سياسة شديدة لكن الجميع يتفقون على أنه كان رجلا من أعظم رجال الدولة في التاريخ وأنه كان صاحب عقل وحكمة وقدرة على إدارة الأمور في أصعب الظروف
وربما حين يقرأ أحدهم هذه القصة الآن يشعر أن التاريخ سلسلة من البشر الذين يصنعون الأحداث بأيديهم وأن القوة لا تدوم وأن الحكم امتحان عظيم وأن الإنسان مهما بلغ من سلطان فإن النهاية واحدة وأن ما يبقى هو الأثر الذي يتركه في قلوب الناس وفي صفحات التاريخ وربما يحمل هذه القصة إلى غيره دون أن يشعر فيكون في ذلك إحياء لذكرى رجل كان له أثر كبير في تاريخ الأمة

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى