كتاب وشعراء

المختبئ داخلها ….قصه قصيره بقلم محمد الصباغ

تداخلت كل العوالم بالنسبة له فقد كان الشك يخالجه أن يكون قد أصيب بداء الوهم والإستغراق في الذاتية والخيال ؛ بعدما أصبح في ظنه أنه مطارداً أمنيا إلى جانب كونه مطارداً شخصياً من شخوص حياته كلهم مرة واحدة ، تطارده الصورة المثلى والصورة المقبولة التي يجب أن يكون عليها في نظرته إلى نفسه ومن وجهة نظر الآخرين ؛ ولما خالجه مزيداً من الشك أنه قد أصبح مطارداً ؛ أصبح هذا الهاجس في حد ذاته مُطارداً له مؤرقاً في صحوه وفي منامه !! .
وأصبح ذات يوم لديه اليقين بشعور أنه قد أصبح مطارداً فخال نفسه متوجساً لأنه استقر داخله أنه مطارداً منذ زمن وأنه لم يدرك نفسه مطارداً إلا صبيحة ذلك اليوم الذي أدرك فيه أنه مطارداً وأنه بين لحظة وأخرى قد يفقد حريته لفترة غير محددة مجهولة وربما يفقد حياته على الأرجح بعد تقييده . ولما تأكد أنه أصبح مطارداً فعلا بعد أن عجز عن مبارحة الشعور بأنه في أي لحظة ستحط على كتفيه يد غليظة تؤكد سقوطه في المطاردة التي بدأت دون بداية ؛ ولما بارح الظن أن الإستغراق في الشعور بأنه غارق في المطاردة قد أصبح كل حياته ؛ أتاه بعض الشعور بالراحة لأنه استطاع أن يكشف لنفسه أنه مطارد قبل أن يطبق عليه المطاردون .
وزاد شعوره بالثقة في قدراته بعدما بارح الظن إلى الاستقرار في اليقين أنه مطارد . وقرر بإرادته أن يعيش مطارداً مشرداً ، خير من أن يعيش مقيداً ؛ لا يحصل على الحد الأدنى من الآمان داخله ومن حوله . وبعدما عاش لفترة خائفاً داخل منزله خائفاً أثناء نومه خائفاً خارج بيته ؛ مل من نفسه ومن الهواء الذي حوله ومن الطعام القليل الذي أصبح يحصل عليه ، ومن النوم المتقطع الذي لا يسيطر فيه على نفسه وعلى إداراته للمطاردة .
ولما تأكد أن سلس البول الذي أصابه مؤخراً ونقاط الماء الساخنة التي تحرق قضيبه من أثر إجهاده من المطاردة ؛ حاول بكل قدرته أن يقلل مخاوفه من إحساسه بخطر المطاردون له ؛ فكان يختبيء داخل الخوف نفسه وكان يتنكر في هيئة المطاردين ؛ ليختبيء منهم ؛ بل قرر أن يطاردهم ؛ حتى يستمر في الشعور بلذة المطاردة إذا ما تعبوا هم أو ملوا من ملاحقته .
في ذروة شعوره بخطر المطاردون ؛ أكتشف أنه أيضا مطارد من داخله وأن بعضه يأكل بعضه وفي ذروة هذه الحرب التي هو واقع فيها ؛ التقطته أو إلتقطها ، لم يكن هذا شيئاً مهماً بالنسبة له ؛ المهم أنه وجد بعض الآمان فيها وقرر أن يهرب إليها . قال لها :
– ” أحتاج أن أهرب فيك وأن أهرب إليك وأن أهرب من حولك وأن أهرب داخلك وأحتاج أن أختبأ لديك وأن أختبأ فيك” .
فلما وجدها مرحبة راضية ، عاشا المطاردة السرية معاً ؛ ما يطاره من خارجه وما يطارده من داخله وعاشا الإختباء سوياً وعاشا مطاردة الخوف من المطاردة سوياً .
جرب كل الإختباءات معها وجرب كل الإختباءات فيها : عندما جربا أن يختبئ في عينيها ؛ وجدا أنه في عينيها كان مكشوفاً ، وفي دلاية عقدها كان ظاهراً منه وجهه ، فكان الأئمن له أن يختبئ بين نهديها وأن يحتويه إنضمام ثدييها أو يختبأ بين فخذيها ؛ وفي تجربة أخرى للإختباء حيث يمكنه أن يتجول معها حيثما ذهبت وإلى الأماكن التي أصبحت نفسه تهفو إليها ؛ صعد إلى سوار الفل الذي كانت تعلقه دائماً في رقبتها نضراً زهياً على صدرها وتماه في مثل حباته وتكور حتى صار واحداً من ورداته .
كانا إذا تخفى هو كانت هى هيئته وصورته ومفردات كلامه ولسانه ومعاني أفكاره ؛ كان قد أختبأ تماماً وتخفى تماماً واختفى تماماً داخلها وأصبحت هى ظاهره المرئي للإنسان والذي يستطيع به أن يمشي ويتكلم في آمان ؛ عبر لسانها وعبر وجهها ومن داخل ثيابها ومن حدقة عينيها ؛ كانت هو وكان هى .
قالت له يوماً :
— “لا تخاف حتى من الموت مادمت إلى جوارك ومادمت في داخلي ؛ لا تخاف المستقبل ولا تخاف الجوع ولا تخاف أعداءك ؛ فهم كلهم دون قوتنا معاً ولكن ما أخشاه أنا : أن تنتهي حياتنا معاً بإختفاء من يطاردونك وبإنتهاء المطَارة المُطارة “.
قال :
-” بل تنتهي علاقتنا بموتي ؛ سأكتب ما صنعت ليّ فأنا أعيش منك وأحيا فيك وأكتب منك وأكتب لك ” .
كانت كل أيامه معها ؛ أمناً فبينما “المطاردون” يرحون ويجيئون يفتشون عنه ؛ كان هو مختبأ داخلها ، ينعم بلمس ” الحلمة ” التي مدته بغذائه طوال فترة إختباءه الآمن ؛ وقد ظلا معاً حتى تسرب منه إليها ما جعلها ” حبلى ” به وبكل كيانه ؛ وباتت تنتظر أن تلده جديداً صحيحاً معافي غير مطارد .

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى