
ــ إنني من أكثر الناس صعوبة، لأنني ممن يهتمون بالأشياء البسيطة، وتسعدهم التفاصيل الصغيرة، ولا أحد يهتم لمثل هذه الأشياء *دوستويفسكي.
السجن ليس مكان احتجاز فحسب بل هو” مختبر” للصراعات القادمة قبل انفجارها وسجن ” كويتا” الباكستاني عام 1989 كان في توقيت دولي صعب ومنعطف : نهاية الحرب العراقية الايرانية، بداية الانسحاب السوفيتي من افغانستان، بداية تشكل الحركات الجهادية المسلحة، لذلك كان السجن نقطة التقاء لخليط من الأيديولوجيات والقوميات ومن المثير أن تجد نفسك في منعطف سيغير مصير البشرية وفي لحظة تاريخية مفصلية.
ما حدث في العراق بعد عام 2003 لم يكن نتاج صدفة بل بذور الراديكالية في السياسة والثقافة والعلاقات العامة ولدت تحت عنف الدكتاتورية بسرية أفعى العشب ثم كانت المعتقلات والمنافي قد صقلت نماذج وتيارات العنف كرد فعل على عنف الدكتاتورية بلا برنامج دولة بديلة سوى فكرة الثأر والانتقام وحيازة السلطة والثروة. أي ان الدكتاتورية كانت تربي وحوشها وخصومها على أساليبها دون وعي منهم وظهر ذلك بعد الاحتلال.
في الأمكنة الحادة والقاسية يظهر الانسان ما في أعماقه من مشاعر ومواقف كركاب سفينة تغرق او طائرة على وشك السقوط أو عمارة من أعراق عدة تحترق أو مصعد مغلق وكذلك في السجون حيث يسقط القناع والديكور والمنصب والجاه والعشيرة والحزب والجماعة ويتساوى الجميع في الأكل والثياب وأوقات النوم وبرنامج وقواعد السجن لذلك يظهر الجوهر الحقيقي للانسان سلباً أم إيجاباً.
للتعويض تظهر التكتلات وسلوك التسلط والعدوانية بل الشراسة والوحشية وقد تجد معك في السجن مخلوقات منحطة تجر خلفها تاريخا ثقيلاً يختفي في السجن في التشابه كما في حالة سجن كويتا حيث أظهر لنا” مختبر السجن” نماذج تستحق أن تربط بسلاسل لوحشيتها كما في حالة شخص إدعى انه شاعر لكنه عريف جيش ـــــــــــــــــــ معتوه ــــــــــــ مطرود من الجيش بتهمة مخلة بالشرف أوائل السبعينات حيث كان هذا القانون موجوداً وكان يهاجم السجناء من الخلف مثل كلب مسعور بلا أي سبب حقيقي واتضح ان السبب هو تعدد شخصيات أو اضطراب الهوية بعد ضبطه في وضع مكشوف وعرضه علناً أمام حشد من الجنود. هناك ظاهرة غريبة في ان بعض النماذج عندنا عندما تصاب بخلل عقلي تقلبها على شعر عكس شعوب العالم التي تذهب الى مصحات نفسية للعلاج لان الشعر هو أفضل قناع للجنون العضوي ويبرر كل التصرفات الخرقاء.
الكوميديا السوداء ان هذا العريف المعتوه صار يتباهى بــــــ” بطولاته” في مطاردة المنفيين والسجناء واعلن بعد الاحتلال انه صاحب مشروع قصيدة النثر الجديدة ولو قال صاحب مشروع فتح مستشفى أمراض عقلية او فتح مقبرة او حتى قبو تعذيب لكان الامر منسجماً معه لكننا في عراق انقلبت فيه المعايير وبعد الحرب مع ايران أعيد هؤلاء للخدمة كجنود لانه من غير المعقول أن يقاتل الشرفاء ويعفى الشواذ مع انها معركتهم؟
بل تعرفنا على نشال سرق محلا تجاريا في الشورجة في بغداد وأعلن انه شارك في انقلاب عسكري وهرب وهو الاخر إدعى انه شاعر حاصل على جائزة وهمية في الشعر وعضو ثلاثة اتحادات أدبية وهو في الواقع مخلوق وضيع وسوقي. هذه النماذج التي كانت على الحافة صارت اليوم تتقدم المشهد في زمن التشابه والتداخل والنسخ في حين انزوى الشرفاء والنجباء من مثقفين وبسطاء في العتمة والظل من باب احترام النفس.
عكس هذه الحالة تجد نماذج نبيلة كما يخرج الذهب من الطين لأن ماضي الانسان يحضر معه أو ما يسمى الحقيبة الخلفية وكانت هذه النماذج النظيفة تشع حتى في ظلام السجن وتضيء الأمكنة. السجن مجتمع.
عبور الحدود الثالثة مشياً بحثاً عن الحرية كلقالق تبحث عن وطن والتهمة العبور غير الشرعي للحدود ولا نعرف ما هو الشرعي؟. سجن كويتا ملخص للسجون الآسيوية، بل يعكس الحياة في القارة السمراء الشاحبة بكل ما فيها من جوانب سياسية واقتصادية واعراف وتراتبية وظلم وعبودية،
وهو صورة مختصرة لنظم العقاب بحيث يزول الحد الفاصل بين السجن والخارج،
ويتحول السجان نفسه الى سجين.
قاعات السجن الكبير الذي بُني عام 1939 في الزمن الانكليزي وقبل انفصال الباكستان عن الهند، تنقسم الى قاعات حسب الجنسيات، ثم حسب الانتماءات السياسية، وحسب الجرائم، وأخيرا حسب الموقع الاقتصادي والاجتماعي.
التراتبية نفسها في المجتمع لكن بصورة مكثفة. قاعات الافغان تنقسم الى قسمين: واحدة للمجاهدين، واخرى للشيوعيين،
والصراع مشتعل في السجن بين هؤلاء كما هو في الخارج.
قاعات للايرانيين الفارين من انصار الشاه، واخرى من انصار الجمهورية الاسلامية المقبوض عليهم لاسباب مختلفة. قاعات للعراقيين تتكون من:
1 :قاعة للاكراد بناء على طلبهم،
ثم انقسم هؤلاء الى قسمين بعد معارك: قاعة لسجناء خانقين،
وأخرى لسجناء السليمانية،
وتبين ان هناك حساسيات لم نكن نعرفها في ذلك الوقت.
حتى سجناء خانقين انقسموا الى فرق: منهم الشيوعي، ومنهم المستقل، ومنهم المثقف المنعزل الذي يحتاج الى الهدوء حتى في سجن.
أحد هؤلاء ( آزاد) الذي طلب من ادارة السجن نقله الى الزنزانة التي كنت فيها، ومن ناحيتي كنت أفضل العيش في زنزانة منفردة تطل قضبانها على مشنقة على العيش في القاعة الكبيرة التي تحولت الى ساحة حرب:
كل واحد منا هرب من قومه الى الآخر المختلف،
فالمحنة كالحريق والغرق تخلق هوية جديدة ومشتركة.
مع شاهين العاشق رفيق زنزانة محشش طوال الليل والنهار، وكان يشتري الحشيش من الشرطة، ومع المذكرات الاسرائيلية لــــ كولدا مائير وبيغن وموشي دايان وايغال آلون من مكتبة في طهران،
مع المشنقة المطلة والزنزانة الضيقة، يمكن تخيل صورة الحياة هناك.
الزنزانة تفتح في الساعة السادسة صباحاً، لكن طوال الليل يكون حلم السجين هو ان يقضي (حاجته) رغم وجود علبة صفيح لهذا الغرض،
لكن الحياء والغضب يقف حاجزاً دون القيام بذلك:
تصبح مساحة الحلم بحجم الزنزانة، تحلم بالحرية والبول في الوقت نفسه،
بل يصبح الحلم الاخير هو المُلح لأن الحرية غائبة.
2 :قاعة السجناء العرب من العراق لا تختلف من حيث الصراعات عن الاخرى،
وللاسباب السياسية والعقائدية والمناطقية ايضا،
ومنذ ذلك اليوم عرفت بوضوح أكبر ومن قراءة واقع السجن ان صورة عراق المستقبل، أي عراق اليوم، ستكون مظلمة وخطرة.
ظهر ذلك في سيرتنا الروائية( الأعزل ـــ عام 2000) بشكل واضح تماماً،
لأن المستقبل ليس غيباً، بل هو كيف نفكر ونحلم ونتصرف، الآن،
واننا سنعيد انتاج الدكتاتورية بقشور مختلفة كما في عبارات ومواقف وصور واقوال صريحة تقول في الرواية وفي غيرها:
“هذا الوطن سينهار يوماً بحرب أو بلا حرب لأن رائحة التفسخ في كل مكان لكن أحداً لا يشم”.
أو( اذا كنتم تمثلون المستقبل، فستكون جلودنا أحذية لجنرال قادم ــــ رواية: سنوات الحريق، 2000).
أو ( هذه النخب الفاسدة لن تكون قادرة على ادارة مشروع التغيير بل عاجزة حتى عن مشروع دواجن …ضباع الفطايس على الابواب وسيسرقون كل شيء… لن تفتح أبواب الأمل بل أبواب السجون ولن تتغير سوى الشعارات والموت واحد… ـــ رواية: عزلة اورستا: العنوان الفرعي: سرقوا الوطن، سرقوا المنفى، عام 2001).
وتكرر ذلك في روايات أخرى في العام نفسه وبعده.
حتى ان الشخصية المركزية في رواية ( عزلة اورستا) يهتف ساخراً:
( تسقط الحرب الاهلية القادمة…) وذلك عام 2000.
كانت الحقائق مشعة في حين هناك عمى عام ونخبوي. ثقافة شعاراتية آنية مسطحة مبنية على الاحتراب والثنائيات والحاجات العابرة والهتافات في حين كانت أفعى العشب، الخراب القادم، أي خراب اليوم، يزحف كصل صحراوي فوق رمل مشتعل.
طفل أو كاتب خارج المصالح يرى العري العام: عري الامبراطور وعري الجمهور. التفاصيل الانسانية المنسية المهملة هي كل ما يلتقطه الروائي،
فهي التي تصنع الحدث القادم وليست الخطابات والشعارات والجداريات،
الحياة في التفاصيل المجهرية المتروكة التي تعمل بالتراكم على صناعة المستقبل:
المنسي والمبعد والمقصي والمهمل هو مجال الفن والفن الروائي خاصة وليس روايات الخطابات التي تفسد العمل كطلقة مسدس في حفل موسيقي بتعبير ستاندال.
في الصباح تبدأ المخلوقات المحطمة في الخروج الى الباحة والتجول،
للترويض أو للبحث عن اعقاب سجائر او المراحيض.
تبدأ ، داخل السجن، لعبة التحاشي ومقدمات الحرب الاهلية، بين الضحايا،
وفي حالات كثيرة شجار يصل حد الادماء بين هذه الكائنات التي حشرت في هذا السجن،
وسحبت معها أوضاعها وعقائدها وأحقادها،
يهرع ماما عزيز رئيس عرفاء السجن الباكستاني مع عدد من الشرطة لاطفاء المعارك التي قد تتطور الى القتل خاصة من جهة الافغان، او بين الباكستانيين في ما بينهم على كل شيء وعلى اللا شيء، وهو صراع يعكس التمايز الطبقي والعشائري والديني والاقتصادي والاجتماعي.
التراتبية تظهر بوضوح مزعج في السجن أكثر من الخارج:
أحد السجناء ــــ محامي قتل موكله لرفضه دفع اجور المحاماة ـــ يتمتع بغرفة خاصة ويخدمه سجين فقير مقابل مال، من اعداد الطعام الى غسل الثياب،
وفي الصباح الباكر يخرج هذا السجين من السجن للعمل في المحاكم ثم يعود في المساء.
بعض السجناء الباكستانيين الذين لا يعثرون على شيء عندهم للبيع،
يبيعون أجسادهم وخاصة صغار السن لكي يتضاعف الانتهاك والقهر والتسلط.
يصبح الجسد سلعة فائضة عن الحاجة لأن الانسان نفسه، في نظم من هذا النوع، لا قيمة له، السجن قائم على العقاب من خارج نظم السجن،
وبين السجناء أنفسهم حتى يتحول السجن الى سجون،
فالضحية، حسب فرانز فانون، تبحث عن ضحية أخرى للتنفيس، وهو الأمر الذي سيمارسه السجناء يوما عندما ينتقلون الى السلطة.
كان الماما عزيز يقضي اجازته في السجن ، كعادة الشرطي العراقي الذي يقضيها في مقهى مجاور لمركز الشرطة، فخارج السجن تضيع الهيبة والسلطة،
لذلك يصطحب الماما اطفاله معه وهم في ثياب جديدة كما لو انهم في نزهة في حديقة.
اليوم عندما اتذكر وقائع سجن كويتا، لا أجد فارقاً بينها وبين عراق اليوم لان المستقبل في التفاصيل وكما قال الروائي جورج أورويل:
” إذا كنت تريد أن تستشرف صورة المستقبل، تخيل حذاء يدوس ويدمغ وجه إنسان “.
ـــــــــــــ الصورة: في السجن الباكستاني بعد ثلاثة سجون ايرانية وحرب. كاتب السطور هو الاخير على جهة اليسار المبتسم.