رؤي ومقالات

د.فيروز الولي تكتب :في اليمن والوطن العربي، إن لم تكن تابعًا لحزب قوي، أو محميًا بالمال السياسي، أو مدعومًا من الخارج… فأنت مشروع ضحية.

الاستقلال هنا ليس موقفًا أخلاقيًا،
بل مغامرة بحياتك وحياة عائلتك.
تتكلم بحرية فقط إذا كنت محسوبًا.
تنتقد فقط إذا كنت ممولًا.
تنجو فقط إذا كنت محميًا.
أما المستقل؟
يسقط وحيدًا…
والشعب المكسور لن ينقذه، لا لأنه لا يريد، بل لأنه لا يستطيع.
التحذير واضح:
لا تدخلوا المجال العام بصدور عارية في أنظمة تحكمها العصا لا الدستور.
الاستقلال السياسي في الوطن العربي: حين تتحول الكلمة الحرة إلى جريمة
في واقع عربي مأزوم، لم يعد السؤال: ماذا تقول؟
بل: من يحميك عندما تقول؟
العمل في الشأن العام لم يعد فعل خدمة، بل اختبار ولاء.
من ينتمي لحزب قوي أو جهة ممولة يُكافأ،
ومن يختار الاستقلال يُعاقَب.
الدساتير موجودة، نعم،
لكنها تُعلّق عند أول احتكاك بالنفوذ.
والقانون حاضر،
لكن يُستدعى فقط لتأديب الضعفاء.
الاستقلال السياسي لم يعد مساحة رأي،
بل ثغرة أمنية في نظر السلطة،
ومقامرة خاسرة في واقع لا يعترف إلا بالقوة.
من منظور دستوري وقانوني، فإن ما يجري في اليمن وعدد من الدول العربية يمثل:
انتهاكًا مباشرًا لمبدأ المساواة أمام القانون، حيث تُمنح الحصانة الفعلية للمنتمين سياسيًا والممولين، بينما يُترك المستقلون دون حماية.
تعطيلًا ممنهجًا للحقوق الدستورية، وعلى رأسها حرية الرأي والتعبير، عبر التهديد الأمني أو الملاحقة القضائية الانتقائية.
تسييسًا خطيرًا للمؤسسات الأمنية والقضائية، بما يحولها من أدوات حماية عامة إلى أدوات ردع سياسي.
تقويضًا لمفهوم الدولة القانونية، واستبداله بدولة النفوذ والولاءات.
وبذلك، تتحول الدولة من كيان محايد إلى طرف مباشر في الصراع ضد الأصوات المستقلة، وهو ما يُعد، وفق المعايير الدولية، نمطًا من أنماط الحكم التعسفي.
المجتمع العربي اليوم ليس شريكًا في القمع،
بل ضحية له.
الشعب لا يخذل المستقلين لأنهم مخطئون،
بل لأنه مستنزف، خائف، ومهدد في لقمة عيشه.
حين يسقط صوت حر،
يصمت الناس…
ليس جبنًا، بل إدراكًا أن الدور قد يأتي عليهم.
وهنا تكمن المأساة:
الاستبداد لا يحكم بالقوة وحدها،
بل بتفكيك التضامن المجتمعي،
حتى يصبح كل فرد جزيرة خائفة.
لا تراهن على أخلاق السلطة.
لا تثق بحماية الدستور وحده.
لا تواجه منظومات كاملة بلا غطاء.
لا تخلط بين الشجاعة والتهور.
الاستقلال قيمة عظيمة،
لكن في أنظمة مختلة،
يحتاج الاستقلال إلى حماية، لا نوايا حسنة فقط.
المشكلة ليست في غياب الأبطال،
بل في أن الأنظمة لا تتحمل وجودهم.
في وطن يُكافأ فيه التابع،
ويُطارد فيه الحر،
لا تكون الأزمة أزمة أفراد…
بل أزمة دولة ومعنى وهوية.
والسؤال الحقيقي ليس:
لماذا يسقط المستقلون؟
بل: متى يصبح الاستقلال حقًا لا حكمًا بالإعدام؟

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى