
رحبت بالأمس بإعلان ترمب في خطاب مكتوب عن رغبته في تجديد الوساطة بين مصر وإثيوبيا بشأن السد الإثيوبي. ومازلت مرحباً به وبأية جهود مماثلة لا تفتئت علي حقنا في المياه واحترام قواعد القانون الدولي المنظمة لإدارة الأنهار الدولية ، ولا تدخلنا مجدداً في دائرة التفاوض العبثي والمماطله التي استغرقتنا لسنوات وقلصت كثيراً من مساحة تحركنا وأوراق الضغط التي نمتلكها .
تساءل كثير من الأصدقاء عن حق واستناداً إلي سوابق ووقائع عن الثمن الذي سندفعه مقابل ذلك سواء في غزة وإدارتها المستقبلية أو في التطورات والترتيبات الأخري في منطقتنا .
وردي هنا هو أن المقابل الذي دفعناه وندفعه الآن وسندفعه غداً هو ضريبة الدور الذي شاء القدر أن تضطلع به مصر في المنطقة .
ولكن يبقي الخيط الرفيع وهو أن هذا الدور لا يجب أن يتعارض في أي مرحلة ووقت مع ثوابت مصر وقيمها وحريتها وسعيها للحفاظ علي مقدراتها .
ومن هنا يأتي الربط بين ما طرحه ترمب بالأمس وتطورات الأيام القليلة الماضية التي شهدت بوادر تحالف مصري سعودي وربما تركي يستهدف تصويب الأوضاع في جوارنا الذي يتم العبث فيه الآن بشكل يضرب أمننا القومي ومصالحنا الإستراتيجية في الصميم .
فبمجرد تسريب معلومات وتكهنات عن هذا التحالف الوشيك بدأت النتائج الإيجابية تتوالي في السودان سواء علي جبهة المواجهة مع عصابات حميدتي وداعميها وخطوط إمدادها الداخلية والخارجية أو جبهة الحدود السودانية الإثيوبية بعد استغلال إثيوبيا للأوضاع هناك لفرض التواجد والسيطرة والتدخل لمساندة عصابات حميدتي والموالين والمتحالفين معها .
وكذا الجبهات الصومالية وجنوب البحر الأحمر وشرق إفريقيا وليبيا وتشاد ، وبالطبع اليمن التي شهدت تحركاً سعوديا ً حاسماً ومدروساً أعاد الأمور إلي نصابها أو مساراتها الطبيعية .
أري أن التحالف المصري السعودي هو أفضل الخيارات المتاحة الآن أمام متخذ القرار المصري بالنظر إلي تطورات الملف الفلسطيني وفي القلب منه غزة ، ومحاولات فرض واقع جديد في باقي دول منطقتنا ومعتقداتها .
وأن إعادة النظر في علاقاتنا بالإمارات وإعادة ترتيبها وتصحيحها سواء فيما يتعلق بدور الإمارات الضار بنا في مناطق جوارنا الجغرافي والإستراتيجي أو بعلاقاتنا الإقتصادية معها أصبح الآن ضرورة . وأن التراجع عن ذلك سيكون خطأً استراتيجياً كبيراً ، رغم إدراكي للمصاعب الإقتصادية ( وغيرها ) التي قد تكتنف هذا القرار والتي يمكن ببعض الوعي والحزم تجاوزها .
ومن هذا المنطلق لا أشعر حتي الآن بقلق ” شديد ” من تكرار ترمب لرغبته في الوساطة في أزمة سد الخراب استناداً إلي صعوبة وعدم منطقية تجاهلنا لها ، وإدراكنا في نفس الوقت لما قد تحمله هذه الرغبة من آثار سلبية تنطلق من رغبة أمريكية إسرائيلية إماراتية في إجهاض التحالف المصري السعودي وربما التركي الذي يتبلور الآن والذي سيتعارض قطعاً وقولاً واحداً مع ما يُخطط بليلٍ لمنطقتنا .