
الكتاب الذي بين أيدينا خطه الأديب الفرنسي الكبير “بيير لوتي Pierre Loti” في أعقاب رحلته إلى مصر عام 1907.
العنوان الأصلي للكتاب في نسخته الفرنسية “موت فيلى La Mort de Philae”. وكأن المؤلف يدق فيه جرس إنذار منبها إلى الانهيار الوشيك لمعبد إيزيس في جزيرة فيلى جنوب أسوان إثر تشييد سلطات الاحتلال البريطاني خزان أسوان مما رفع مستوى المياه وغمر نصف المعبد، ومعه بدأت صخوره في التساقط صخرة تلو الأخرى.
حين توفي بيير لوتي في 1923 كتب الأديب والمفكر المصري د. محمد حسين هيكل باشا نعيا في رثاء بيير لوتي، وكان ذلك في مقال أعيد تجميعه مع مقالات أخرى ظهرت في كتاب صدر في عام 1925 يحمل الكتاب عنوان “في أوقات الفراغ”.
في رثائه لبيير لوتي يقول الدكتور هيكل:
“لو لم يكن من آثار لوتي الأدبية إلا كتابه عن مصر، وأهداه إلى المرحوم مصطفى كامل باشا، لحقَّ على المصريين أن يشاركوا فرنسا في الأسف على موته، وأن يقيموا له بينهم ما يخلد ذكره ويديم أثره. ولو لم يكن إلا هذا الكتاب لوجب عليهم أن يعنوا بدراسة كاتبه، وبمعرفة ما انطوت عليه روحه من عبقرية، وما اشتمل عليه قلبه من عواطف دائمة التجدد، ولكان أول واجب عليهم في هذا السبيل أن ينقلوا الكتاب إلى اللغة العربية؛ ليقف بنو مصر جميعًا على ما انطوى عليه من قوة عبارة، وسحر أسلوب، وجمال وصف، وسلطان عاطفة”.
وحين صادفتني سطور هيكل باشا في 2024 لاحظت أن أحدا لم يترجم هذا الكتاب إلى العربية بعد 100 سنة من دعوة الدكتور هيكل.
وهنا كتبت مقالا على صفحتي على فيسبوك أعرض فيه للموضوع ثم أتبعته بمقال آخر أعرض فيه لكتاب بيير لوتي وكررت سؤال الدكتور هيكل:
“من يترجم هذا الكتاب؟”
وفور دعوتي تلك تلقيت استعدادا كريما من بعض دور النشر وبعض المترجمين، وكان من حسن الطالع أن رحبت الأستاذة سها السباعي بالترجمة، وقد تفضلت فقدمت لنا ترجمة رائقة حافظت فيها على مفردات بيير لوتي ومشاعره ولغته الساخرة بعناية بالغة. وتعكس ترجمة الأستاذ سها السباعي عناية ودقة وعذوبة فلها مني كل الشكر والتقدير.
ولا يفوتني أن أتقدم بالشكر لدار العين والدكتور فاطمة البودي التي رحبت مشكورة بفكرتي لنشر هذه الترجمة في أسرع وقت ممكن.
لهذه الأسباب التي ذكرتها هنا منحت نفسي على غلاف الكتاب تعبير “إشراف وتقديم”.
يبدأ لوتي رحلته بزيارة أبي الهول ويقف أمامه مشدوها ليقول “يلوح في تلك العينين الكبيرتين ذات المحجرين الفارغين تعبير عن حزن ثقيل، ينكشف معه السر النهائي، ذاك السر الذي يخفيه منذ قرون في سخرية سوداوية، سيقول لنا أبو الهول في هذه الليلة سره ليخبرنا أن كل هؤلاء الأموات من الرجال والنساء الذين يرقدون في مدينة الموتى الشاسعة أسفل الهضبة قد تعرضوا لخديعة”… ترى ما هي تلك الخديعة؟
في رحلته في أحياء القاهرة، يتمثل بيير لوتي دور المدافع عن القاهرة وكأنه واحد من أهلها. وهذه طريقة متكررة لدى بعض المفكريين الغربيين الذين يتولون الدفاع عن حقوق الشرق سواء لأهداف إنسانية عامة أو نقدا للدول الأخرى المنافسة لبلادهم في الاستعمار.
يحزن لوتي على ترك المساجد مفتوحة لكل زائر عابر من السائحين الأوروبيين دون أن يمنعهم أو يصدهم أحد.
يريد لوتي من المصريين أن يكونوا أكثر حمية وينتقد استكانتهم في كل مكان، ويحذر من “موت القاهرة”.
يقصد لوتي بموت القاهرة زوال تلك الأنفاس الشرقية للمدينة بعد أن صارت مكانا للفوضى، تنتشر فيه أطلال عالم أسطوري تتناثر فيه القباب، والأضرحة، والمآذن: يد الموت تلاحقها جميعًا.
يتأسى لوتي على قدوم أزمنة جديدة، تبرز فيها مداخن عالية بوقاحة، تشوه كل شيء، وتنفث في الشفق سحبًا كثيفة من دخانٍ أسود.
يسأل لوتي: ما هذا؟ أين نحن ذاهبون؟
يقارن لوتي بين شرق القاهرة حيث يسكن ما يسميهم “العرب” أي أهل المدينة، والأحياء الغنية النظيفة التي يسكنها الأوروبيون وطبقة الأثرياء المصريين.
وكأن لوتي قد أصبح مصريا محافظا وهو يرصد الأحياء الحديثة في القاهرة وهي تغص بحانات لا حصر لها، تعرض زجاجات كل مشروب كحولي، كل سموم الغرب، حيث ضوء متوهج مبهر تستعرض به الفنادق الضخمة الطرز الرومانية، والقوطية، والفن الحديث، والفرعونية، وفوق كل ذلك، الادعاء والسخافة!
في هذه الأحياء يتأسف لوتي على أوكار القمار، والمنازل سيئة السمعة. وعلى الأرصفة، كثير من الفتيات من شرق المتوسط، اللاتي يسعين بزينتهن إلى تقليد ممسوخ نظيراتهن في شوارع باريس”.
يقرر لوتي:
“هذه إذن قاهرة المستقبل، هذا المعرض الكوزموبوليتاني! يا إلهي! متى يتمالك المصريون أنفسهم، متى يدركون أن أسلافهم تركوا لهم إرثًا موقوفًا عليهم، غير قابل للتفريط فيه، من الفن والعمارة والرقي البديع، وأن إحدى تلك المدن التي كانت في الماضي أجمل مدن العالم تتداعى الآن إلى أطلال وعلى وشك الفناء جراء إهمالهم؟
ثم ينادي لوتي: تحركوا للعمل قبل فوات الأوان، دافعوا عن أنفسكم ضد هذا الغزو الساعي إلى تفكيك هويتكم بل ونسف وجودكم. ما هذا الهراء المنسوب إلى الغرب إلا بهرجة متكلفة تافهة تنال منكم.
في زياراته وتفقده لمساجد القاهرة يخبرنا أنها لا تحصى عددا، وإن زادت عن ثلاثة آلاف مسجد، حتى ليصح أن نطلق عليها اسم ” مدينة المساجد”.
يوضح لوتي أية قاهرة يقصد: “أتحدث عن القاهرة العتيقة، قاهرة المصريين، أما القاهرة الجديدة، قاهرة الأناقة المبهرجة الزائفة، قاهرة فنادق سميراميس، فلا تستحق الذكر إلَّا بابتسامة”.
في زيارته للأزهر لم يذهب لوتي بمفرده، بل كان بصحبة مصطفى كامل باشا. وكان مصطفى كامل قد تعرف على بيير لوتي في فرنسا أثناء كفاحه للمطالبة بنيل استقلال مصر.
وحين زار لوتي مصر اصطحبه مصطفى كامل إلى الأزهر. يتجول لوتي في أروقة الأزهر، وحين أتت لحظة اختلى فيها مصطفى كامل بشيخ الأزهر ليتناقشا في مسألة إسلامية لاحظ لوتي مفارقة أدهشته وهي أن صديقه العزيز مصطفى الذي عرفه فرنسيًّا للغاية في فرنسا، أصبح هنا مسلمًا من الأعماق!
ومصطفى كامل في هذا يذكره بأولئك الشرقيين الذين إذا كانوا في فرنسا تحولوا إلى باريسيِّين، لكن سمتهم العصري ظاهريٌّ فحسب، إذ يبقى الإسلام سليمًا في أعماق نفوسهم.
يتجول لوتي في الأزهر ويلحظ أن الطلاب لهم وجوه بالغة التنوع، فهم يأتون من جميع أنحاء العالم: من بغداد، ومن البصرة، ومن الموصل، ومن قلب الحجاز.
يصف لوتي بعض ملامح هؤلاء الطلاب فيرى أن للقادمين من الشمال عيون مشرقة وصافية، ولكثيرين من القادمين من المغرب والصحراء بشرة تقترب من السواد. لكن جميع الوجوه تحمل تعبيرًا متشابهًا: فيه قبسٌ من النشوة الروحانية والانطواء والعزلة، والانشغال بالحلم نفسه.
يشتركون في النظر إلى السماء المعلقة أرواحهم بها وبفضل هؤلاء نفهم كيف يحافظ الإسلام، الإسلام الموغل في القِدم، على تماسكه وقوته.
ينتقد لوتي نظرة الغرب للإسلام في زمنه فيرى أن الأوروبيين شنوا هجوما على الإسلام واعتبروه دينا ظلاميا، يحمل في أعقابه جمود الأمم، ويعرقلها في تلك المسيرة نحو المجهول الذي نسميه «التقدم».
يرى لوتي أن هذا الهجوم الأوروبي على الإسلام ليس جهلا مطلقا بتعاليم نبي الإسلام فحسب، بل مرده أيضا تغافل أعمى عن شواهد التاريخ التي كان الإسلام فيها متطورا على بقية الأمم.
في رحلته من القاهرة إلى وادي النيل، على متن دهبية عبر صفحة النهر، لا يتوقف لوتي عند الآثار والأطلال فحسب، بل يكتب ملاحظات عن إنسان هذا النهر.
ورغم أن لوتي لم يذكر لنا أنه تعامل مع الفلاح المصري أو خالطه لفترة كافية إلا أنه أصدر أحكامه المطلقة التي ترى في الفلاحين سلبية وديعة تميز هذا الشعب المسالم، شديد البهاء في أسماله، شديد الغموض في جموده منذ غابر العصور، المستعد بلا مبالاة لقبول أي نير يأتي !
وبعد أن يطلق لوتي أحكامه على الشعب – المستمدة ليس فقط من الرحلة بل على الأكثر من الصور النمطية وسرديات الحملة الفرنسية وما تلاها – يخلص إلى أن مشكلة هذا الشعب أنه نضج قبل الجميع…. وأزهر في وقت مبكر جدًّا، في زمن كانت فيه شعوب الأرض الأخرى لا تزال تعيش حياة خاملة في ظلام.
وعلى طريقة التحليل النفسي للتطور التاريخي، يخلص لوتي في أحكامه المطلقة إلى أن استسلام الشعب المصري آنذاك نابع من الإنهاك إثر قرون طويلة من الجهد والنفوذ التوسعي احتكر فيها مجد العالم في الماضي، وها هو الآن – منذ حوالي ألفي عام – غارق في سبات متعَب، مما جعله فريسة سهلة لغزاة الأمس ومستغلي اليوم على حد سواء.
يمضي بيير لوتي في ملاحظاته على تدهور البيئة والإنسان في مصر بعد قرون من المجد والفخار.
يلاحظ لوتي النشاط السياسي الصاخب في النيل فيكتب قائلا:
“مسكين هذا النهر الذي كانت مياهه في الماضي تحمل أعدادًا غفيرة من مراكب الآلهة والمعبودات خلف موكب آمون الذهبي، كيف انحدر النهر من نقاءٍ لا تشوبه شائبة إلى تحمل كل تلك الأعباء التي ينوء بها”.
وحين يصل لوتي إلى طيبة والأقصر، يقارن بين شرق النيل حيث المعابد والمدينة القديمة والحديثة وغرب النيل حيث “صحراء قاحلة، برمالها الذهبية الممتدة، وفي الأفق جبالها بلون الجمر المتوهج، الممتلئة، كما نعلم، بالمومياوات”.
يواصل بيير لوتي شن هجومه على تدفق السياح عبر شركة كوك، وقد حولت المدينة إلى أبنية عصرية مقطوعة الصلة عن ماضيها العريق. يتأسى لوتي لأن الأقصر الجديدة أخفت المدينة الأصلية القديمة، ببيوتها البيضاء الصغيرة ومآذنها ونخيلها.
يسخر لوتي من تسليع الأقصر وتحويلها إلى سوق سياحي فيرصد أكشاك البازارات التي تبيع كل شيء”.
في ختام رحلته يصل لوتي إلى أسوان مستعرضا كيف أضحت مدينة حديثة في غضون ثمان سنوات مع التحولات التي رافقت تشييد خزان أسوان والذي بدأ في عام 1899 ورافق ذلك مد خط السكة الحديد إلى المدينة.
هنا أيضا، بروح شاعرية، يبدي لوتي حزنا على المدينة الأصلية. فمن أجل تعظيم الزراعة لتوفير محصول القطن أقامت سلطة الاحتلال البريطاني خزان أسوان مما ترتب عليه ارتفاع منسوب المياه في نيل أسوان ومن ثم اختفاء الشلال (الجندل).
شلال أسوان كان أعجوبة بالغة الديناميكية في نهر النيل لا يوجد لها نظير في كل الأراضي المصرية. يقول لوتي في عام 1907 إن بريطانيا قررت التضحية بهذا “المشهد التافه لزيادة إنتاجية الأرض من خلال حجز مياه النيل بخزان صناعي”.
لم تتوقف التأثيرات التي خلَّفها تشييد خزان أسوان على اختفاء الشلال، بل أدى رفع المياه إلى الإضرار بعديد من الآثار ومن بينها إحدى عجائب الدنيا التي تمثلها جزيرة فيلى التي تضم الدرة الفريدة لمعبد إيزيس المشهور في التراث العربي باسم “قصر أنس الوجود”.
على هذا النحو يدلف بنا ببير لوتي إلى الفصل العشرين والذي أعطاه عنوان “موت فيلى” وهو نفس عنوان الكتاب.
في هذا الفصل يأخذنا في رحلة عبر الجزء الباقي من المعبد الذي لم تغمره المياه. يرصد لوتي سقوط أحجار المعبد في المياه، ومحو النقوش بسبب ارتفاع المياه على جدران المعبد.
ولأن خطة إنجلترا كانت عازمة على إجراء تعلية أخرى للخزان في السنوات المقبلة (1907-1912) فإن لوتي توقع أن ينهار ويغرق ما بقي من معبد فيلى.
وقد حدث بالفعل ما توقعه لوتي وتوقعه كثيرون من غرق المعبد أسفل مياه الخزان، وظل سنوات طويلة مغمورا بالمياه حتى ستينيات القرن العشرين حين بدأ مشروع تشييد سد أسوان العالي وبحيرة ناصر وهنا تضافرت جهود اليونسكو مع الإرادة المصرية في انتشال المعبد من المياه ونقله إلى جزيرة صغيرة مجاورة، حيث نراه الآن في العصر الحديث بعد انتشاله وإعادة تركيبه.
ما من شك في أن كتاب بيير لوتي الذي بين أيدينا كان أول دعوة عالمية من أديب مشهور لإنقاذ المعبد مبكرا في 1907.
يا دكتور هيكل باشا ..لعلنا لبينا دعوتك ..وإن متأخر قليلا (فقط بعد 100 سنة).