تاريخ العرب

سقوط غرناطة: آخر أيام الملك أبو عبد الله الصغير

الفصل الأول: الظل الطويل على قصر الحمراء

كانت رياح يناير الباردة تعوي حول أبراج قصر الحمراء كأنها نحيب على زمن آفل. وقف أبو عبد الله محمد الثاني عشر، المعروف بـ”الصغير”، على شرفة قاعة الأسود ينظر إلى المدينة الممتدة تحت قدميه. غرناطة، جوهرة الأندلس الأخيرة، كانت تترنح تحت وطأة حصار طويل.
دخل عليه وزيره أبو القاسم عبد الملك بن عبد الله، محني الظهر كأن سنوات الحرب الخمس قد أضافت عقوداً إلى عمره.
“جلالتك، وصل رسول جديد من فرناندو وإيزابيلا. شروطهم لم تتغير: تسليم المدينة مقابل ضمان سلامة أهلها وحريتهم في الدين والعودة إلى أفريقيا لمن يشاء.”
التفت أبو عبد الله، عيناه المثقَلتان بالسهاد تلمعان في ضوء الشموع الخافت. “أمهلونا ثلاثة أيام فقط؟”
“نعم يا مولاي. وقواتهم تحاصرنا من كل جانب. المؤن تكاد تنفد، والجنود يستخدمون أحزمة جلودهم طعاماً.”
سكت الملك الشاب ذو الثلاثة والعشرين ربيعاً، تذكر والده علي أبو الحسن، الذي خلعه أقاربه وحلفاؤه قبل سنوات، وكيف تقلّد هو العرش وهو لا يزال فتىً في مواجهة عاصفة لا قبل له بها.

الفصل الثاني: الذكرى والواقع
في تلك الليلة، بينما كانت المدينة تغط في جوعها وخوفها، جلس أبو عبد الله في مكتبته يتألف وصيته. تذكّر كيف كانت غرناطة أيام مجدها، مركزاً للعلم والفنون، حيث كان الشعراء والعلماء يتبارون تحت ظل بني نصر. تذكّر جده أبي الحسن علي، الذي هزم القشتاليين في لوسينا، وكيف أضاعت الخلافات والصراعات الداخلية تلك المكاسب.
سمع صوتاً خفيفاً على الباب. كانت أمه عائشة الحرة، المرأة الحديدية التي وقفت إلى جانبه في أحلك الأوقات.
“يا بني، هل قررت؟”
رفع رأسه، وفي عينيه صراع مرير. “أمي، كيف أسلم تراث أجدادي؟ كيف أكون الملك الذي تذكره التاريخ كمستسلم؟”
أومأت برأسها، وعيناها الجريئتان لا تظهران وهناً. “أحياناً تكون الشجاعة في حماية شعبك، حتى لو ثمنها اتهامك بالجبن. انظر إلى شعبك الجائع، إلى النساء والأطفال الذين سيلقون حتفهم في معركة خاسرة.”

الفصل الثالث: اليوم الأخير في الحمراء
في صباح الثاني من يناير 1492، ارتدى أبو عبد الله ملابس الحرير الملكية للمرة الأخيرة. كان اللقاء مع فرناندو الخامس ملك أراغون وإيزابيلا الأولى ملكة قشتالة مجدولاً عند سفح جبل الثلج.
ركب حصانه الأبيض متجهاً إلى باب الثلج، حيث كان في استقباله الوزراء والقادة. على التلال المقابلة، رايات الصلبان الحمراء والصفراء ترفرف فوق جيش متكامل يضم مدفعية حديثة لم ترها عيون أهل غرناطة من قبل.
عند وصوله إلى المكان المتفق عليه، رأى الملكان الكاثوليكيان جالسين على منصة مرتفعة، محاطين بفرسانهم المذهّبين. نزل عن حصانه، وتقدم وهو يحمل مفاتيح المدينة الفضية على وسادة من المخمل القرمزي.
“أنا أبو عبد الله محمد، ملك غرناطة، أسلّمكم مفاتيح مدينتي وفق الشروط المتفق عليها.”
تناول فرناندو المفاتيح، ثم سلمها إلى رئيس أساقفته. كان الصمت ثقيلاً، لا يكسر سوى صوت الريح وصهيل الخيول البعيد.

الفصل الرابع: نظرة الوداع
قبل مغادرته إلى منفاه في أندرش، صعد أبو عبد الله إلى مرتفع يعرف اليوم بـ”زفرة العربي الأخير”. من هناك نظر إلى غرناطة والقصور التي لن يسكنها مرة أخرى.
بينما كان يحدق في المشهد الأخير، قالت له أمه عائشة الحرة الكلمات التي خلّدها التاريخ: “ابكِ مثل النساء ملكاً مضاعاً لم تحافظ عليه مثل الرجال.”
لكن التاريخ لا يذكر دموع الملك الشاب فحسب، بل يذكر أيضاً أنه وقّع معاهدة تضمن لأهل غرناطة حقوقهم في الدين والممارسات الثقافية والقضائية – شروطاً لن يحترمها المنتصرون طويلاً.

الفصل الخامس: الرحيل
تحركت القافلة الملكية الصغيرة جنوباً نحو المنفى. أبو عبد الله وأمه وبقية أسرته، مع بضع عشرات من المخلصين، عبروا جبال البشرات نحو الساحل.
عند مروره بقرية صغيرة، سمع أذان المغرب للمرة الأخيرة في الأندلس. توقف، ونزل عن حصانه، وصلى مع الفلاحين الذين تجمهروا لرؤية ملكهم السابق يمر في طريقه إلى النسيان.
في اللحظة التي غاب فيها آخر مئذنة عن الأنظار، التفت إلى رفيقه الوزير أبي القاسم وسأله: “كيف سيتذكرنا التاريخ؟”
أجاب الوزير بحكمة الشيخ: “سيتذكرون أننا كنا آخر من حمل راية ثمانية قرون من الحضارة في هذه الأرض. وربما، في يوم ما، سيفهمون أن التسليم كان بداية معاناة جديدة لشعبنا، لكنه كان أيضاً اختياراً لمنع إبادة كاملة.”

الخاتمة: صدى التاريخ
استقر أبو عبد الله في فاس بالمغرب، حيث بنى قصراً يشبه الحمراء، ولكنه ظل ظلاً للجنة التي فقد. توفي عام 1533، تاركاً وراءه قصيدة كتبها في المنفى:
غرناطة كانت لي وطنًا
ولم أدرك أنها جنة حتى فقدتها
فكل من يلمس ترابكِ يا غرناطة
فليدرك أنني تركت روحي هناك.
سقوط غرناطة لم يكن مجرد نهاية لمملكة، بل كان ختام فصل من فصص الحضارة الإسلامية في الأندس، وبداية لصراع جديد بين الذاكرة والنسيان، بين الهوية والذوبان. بقيت غرناطة حية في قلوب من حكوا قصتها، شاهدة على أن الزمن دوار، والممالك زائلة، ولكن ذكرى ما كان جميلاً تبقى خالدة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى