
كتب:هاني الكنيسي
وثائق الملياردير المشبوه ‘جيفري إبستين'(المنتحر أو المنحور في زنزانته بمنهاتن الأمريكية عام 2019) التي أُفرج عن معظمها بداية هذا العام -بقرار من الكونغرس رغم العراقيل من إدارة ترمب- كانت محور سلسلة تحقيقات استقصائية رائعة نشرها الموقع الصحفي الأمريكي المستقل Drop Site News.
وفي أحدثها، يكشف التحقيق أن ‘إبستين’ كان حلقة “وصل” استراتيجية في بناء علاقة سرية وطويلة الأمد بين إسرائيل ودولة الإمارات.
تقول المذيعة السابقة في الـBBC وITV، آنا بريس (Anna Brees): “الوثائق تؤكد أن ‘إبستين’ كان أكثر بكثير من مجرد رجل مال منحرف أو متحرش بالأطفال… لقد كان منخرطًا للنخاع في تعاملات وعلاقات سرية ترتبط بمصالح قوى سياسية وبأجندات استخباراتية في الشرق الأوسط”.
وتضيف: “المدهش حقًا اكتشاف أن هذا الملياردير كان لاعبًا مركزيًا -في هذه الشبكة المشبوهة- عبر علاقاته الشخصية بأصحاب قرار خليجيين وإسرائيليين، وأدواره الوظيفية لدى أجهزة استخبارات. معظم وسائل الإعلام الأمريكية الكبرى اطّلعت على نفس الوثائق، لكنها آثرت الامتناع عن الاقتراب من معلوماتها الكاشفة، مفضّلة الانغماس في التفاصيل الفضائحية لحياة ‘إبستين’ المنحرفة، لا في دوره السياسي–الاستخباراتي الذي تخشى واشنطن انفضاحه”.
مفتاح القصة الدرامية في العلاقة التي جمعت ‘إبستين’ برجل الأعمال الإماراتي البارز سلطان أحمد بن سليّم، رئيس مجموعة موانئ دبي العالمية (DP World)، إحدى أكبر شركات تشغيل موانئ الحاويات في العالم. إذ تتحكم موانئ دبي عمليًا في ميناء جبل علي (JAFZA)، أحد أكثر الموانئ استقبالًا للسفن الأمريكية على مستوى العالم (عدد السفن الأمريكية الراسية في دبي يفوق أي ميناء آخر عالميًا)، وهو ما يفسر الحساسية الجيوسياسية للعلاقة.
بحسب الوثائق، تعود الصداقة “الموثقة” بين المليارديرين إلى عام 2006، بل إن إبستين زعم أن علاقته ببن سليّم “كانت وثيقة إلى درجة أنني كنت فعليًا أدير ذلك الميناء الاستراتيجي”.
من هذه النقطة، بدأت تتجمع خيوط شراكة غير معلنة بين الإمارات وإسرائيل، لعب فيها ‘إبستين’ دور “الوسيط” الخفي.
فخلال العقد الأول من الألفية، نظّم ‘إبستين’ لقاءات بين سلطان بن سليّم ورئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق ‘إيهود باراك’، وهو اسم تكرر بكثافة في الملفات “نتيجة اختراق بريد إبستين الإلكتروني” (وهو أيضاً المسؤول الذي اتهمته أشهر ضحايا شبكة ‘إبستين’ لدعارة القاصرات ‘فرجينيا جوفري’ التي اتهمته باغتصابها بوحشية).
في عام 2013، ناقش إبستين وباراك إمكانية استثمار بن سليّم في مشاريع إسرائيلية. وبعد خمس سنوات، وافق بن سليّم على الاستثمار في شركة Carbyne الإسرائيلية للأمن السيبراني، التي “كان إبستين من مموليها، ويرأس باراك مجلس إدارتها”.
هنا تتجاوز العلاقة حدود الاستثمار المالي أو البيزنس، “عندما تستثمر الإمارات في شركة الأمن السيبراني ‘كارباين’، فهي فعليًا تنام في فراش واحد مع الحكومة الإسرائيلية”، على حد تعبير صاحب التحقيق الاستقصائي الأمريكي ‘جيك جونستون’. الذي يوضح أن أهمية موانئ دبي الاستراتيجية تعود إلى “خصوصيتها كمنطقة حرة تسمح بمرور البضائع دون رسوم أو فحص دقيق للشحنات، وهو أمر نادر عالميًا حوّل دبي مركزًا لتجارة الذهب (المهرّب) والألماس، بما في ذلك ما يُسمى ‘ألماس الدم’ (أي المستخرج من مناطق النزاع والحروب في أفريقيا)، إضافة إلى المخدرات والسلاح”. ثم يستطرد “كان إبستين يتفاخر طوال الوقت بأنه يمتلك الكثير من الألماس… وكان يجاهر بأن له وضعًا مميزًا في الإمارات”.
وتزداد العلاقة الإماراتية الإسرائيلية “وحلًا” بظهور اسم ‘داني ياتوم’، الرئيس السابق للموساد (1996–1998). إذ يربط التحقيق في “ملفات إبستين” بين دوره في تجارة الألماس في أنغولا، عبر شركة SCG Israel التي أسسها عام 1998، وبين شبكات تهريب السلاح وتمويل النزاعات (فيما عُرف لاحقًا بفضيحة “أنغولا غيت”) من جهة، وبين ما تكشفه الوثائق عن أن دبي كانت مركزًا لوجستيًا رئيسيًا للألماس القادم من مناطق النزاعات الأفريقية، وأن هذه القنوات شكّلت أحد الجسور المبكرة للتواصل بين نخب إسرائيلية وأخرى إماراتية. كما يرد اسم ‘ياتوم’ في سياق تأسيسه لشركة XM Cyber التي وقّعت صفقات مع جهات إماراتية لتأمين بنيتها التحتية للطاقة.
وهنا، يطرح ‘جيك جونستون’ سؤالاً بديهياً: لصالح من بالضبط كان يعمل ‘جيفري إبستين’؟
ثم يجيب بنفسه: “عندما رأيته في خضم فضيحة إيران–كونترا، بدا لي أن معظم علاقات ‘إبستين’ النافذة كانوا من الإسرائيليين… كل رسالة بريد إلكتروني منه كانت تدور حول تقديم خدمة لإسرائيل. دائمًا إسرائيل”.
(* برزت قضية «إيران–كونترا» في ثمانينيات القرن الماضي كفضيحة سياسية، لعبت فيها إسرائيل دور الوسيط بين واشنطن وإيران “الإسلامية”. إذ اقترحت على إدارة ريغان تزويد إيران بأسلحة في حربها ضد العراق، بحجة “دعم تيارات معتدلة في طهران والمساعدة في الإفراج عن رهائن أمريكيين في لبنان”. وبالفعل شحنت إسرائيل صواريخ تاو وهوك من مخزونها إلى إيران، مقابل أن تعوّضها الولايات المتحدة لاحقًا، فيما حُوّلت عائدات الصفقات سرًا لتمويل متمردي ‘الكونترا’ في نيكاراغوا، التفافًا على حظر الكونغرس).
ويخلص ‘جونستون’ إلى أن “إبستين كان على صلة بإسرائيل؛ إما بصفة رسمية أو عبر دولتها العميقة”، وإلى أن وكالة ‘سي آي ايه’ الأمريكية كانت على علم بكل ما يجري، لكنها “لم تمانع”.
وبخلاف علاقة “العمل”، تتضمن الوثائق نصوص رسائل شخصية تكشف “نوعية وعمق” العلاقة بين إبستين وبن سليّم.
فبعد رحلة مشتركة في مارس 2007، كتب إبستين لصديقه الملياردير الإماراتي: “أرجو أن تكون أمضيت وقتًا ممتعًا… أنا سعيد بصداقتك. أنت الوحيد الذي وجدته مجنونا مثلي”.
وفي رسالة أخرى في العام ذاته، يرد ‘بن سليّم’ بعبارة بذيئة (“كانت تريد Business وكنت أريد أنا Pussyness”)، على رسالة صديقه المشبوه الذي يستفسر عن “سوء فهم” مع امرأة واعدها في نيويورك، فيعقّب ‘إبستين’ حرفياً: “الحمد لله أنه ما زال في هذا العالم أشخاص مثلك”.
وبعد موت إبستين، كشفت صحيفة ‘ميامي هيرالد’ أن جزيرة Great St. James المجاورة لجزيرته الشهيرة بفضائحها، اشتُريت باسم سلطان بن سليّم عام 2016!!
وفي ختام التحقيق، يلفت ‘جيك جونستون’ إلى مفارقة أن معظم المدن العربية والمسلمة في الشرق الأوسط تُصوَّر في الإعلام الأمريكي بصورة نمطية سلبية (فساد وإرهاب وتخلف)، باستثناء دولة الإمارات، وخصوصًا دبي، التي تُقدَّم دائمًا بوصفها قصة نجاح، “ببساطة لأنهم يعملون مع إسرائيل، ولا يكترثون من قريب أو بعيد بالقضية الفلسطينية”.
والخلاصة، أن احتفالية “اتفاقيات أبراهام” في واشنطن عام 2020 لم تكن نقطة البداية، بل لحظة “الإعلان” عن علاقات متجذرة عبر موانئ وألماس واستثمارات سيبرانية ورسائل إلكترونية. وأن العميل المفضوح ‘جيفري إبستين’، كان أحد أبرز مهندسي مشروع “التطبيع” الصهيوني في الشرق “العربي”.