
نحن في زمن انقلبت فيه المعايير في كل شيء ، الغزو والحرب والهجوم يسمى تحريرا وديمقراطية ولم تعد السيطرة بالسلاح فحسب بل المصطلحات : العدوان يسمى دفاعاً والنهب يسمى تصحيح مسار وقتل الناس العزل في الشوارع يسمى تقاطع نيران ومسح عوائل بالقنابل يسمى معلومات خاطئة وتحويل محتفلين في عرس الى طحين يسمى الاشتباه بوجود ارهابي، وأما إعلان الحرب فيسمى” اللحظة” الحاسمة والخ. نحن أمام قاموس جديد للامبريالية الجديدة.
لكن الأخطر هو أن يؤمن الفرد بعدة قناعات ومعتقدات وأفكار متناقضة ويعتقد بصحتها معاً وهذا هو العقل السلطوي بصرف النظر عن موقعه داخل أو خارج السلطة لأن السلطة في النهاية لغة وقناعات وطريقة تفكير.
من الحقائق المقلوبة اليوم هو السؤال عن موعد الضربة ــــــــــــــ للأناقة صارت الحرب تسمى ضربة كما صار العالم العربي يسمى : المنطقة ـــــــ وليست الجدوى الاخلاقية والانسانية منها. هو السؤال لماذا تأجلت الضربة وليس لماذا الضربة أصلاً في عالم لا يتحمل الكثير وهناك حلول كثيرة لأكثر المشاكل تعقيداً كما ان العالم ليس في خطر داهم يبرر الاستعجال.
تحول خطير في سيكولوجيا الانتظار وهو تحول اخلاقي منحرف ولم يعد السؤال عن أسباب الحرب بل السؤال والتحليل والمشقة والانتظار والتوقع هو متى الحرب؟ كما لو ان الانتظار ممل.
كيف حدث هذا التحول الخطير والمنحرف؟ تم عبر خطاب وضخ يومي من وسائل الاعلام تطبيع الأزمات ولم تعد الحرب كحدث استثنائي بل الاستثنائي هو” التأجيل” والسؤال عن لماذا الحرب يلغي شرعية الحرب الى متى والرغبة في الحرب وتجاهل كل التفاصيل من موت ويتم وحرائق وخراب وكوارث انسانية. هذه التفاصيل تختفي لأن انتظار الحرب مرهق. متى تقع اذن وليس لماذا تقع؟
تتحول فترة تأجيل الحرب الى حالة حرب أيضاً واستنزاف موارد طرف الحرب ومن حوله من شراء سلاح وغذاء وأمن وحلفاء وضرب النشاط الاقتصادي في منطقة بأكملها بل تحويل الاقتصاد العالمي الى اقتصاد حرب بلا حرب فعلية كما يحدث الان في اوروبا وفي غيرها.
في أزمنة قديمة كان السؤال لماذا يبحث عن مبررات أخلاقية وفي عالم مقلوب المعايير لم يعد السؤال الأخلاقي مهما بل حلّ سؤال متى ولماذا تأجلت الحرب؟ تلاعب باللغة هو تلاعب عسكري وسياسي ونفسي وقلب الحقائق ومعنى ذلك ان تسلل هذه اللغة لغير المحاربين يعني غزو آخر وسيطرة على العقول عن طريق قلب المصطلحات.
اذا كررت كل يوم مئات المرات من محطات تلفزة ووسائل اعلام مختلفة ” إن
الخنازير أصبحت خيلاً، وأن العذارى انقلبت ذكورا، وأن الحرب هي السلام” بتعبير تشومسكي ، فعليك مع الوقت أن تصدق لأن العقل لا يتحمل البقاء في حالة انكار مع التكرار المستمر وتنفتح فيه ثغرات مع الوقت وهذا بسبب نظرية التكرار في الاعلام عن عدو محدد بالمصطلحات نفسها كل ساعة وهذه هندسة القبول والبرمجة عن بعد عن الخطر الفلاني كخطر وحيد واخفاء كل الاخطار الجدية القائمة فعلاً.
هذه ليست مجرد أكاذيب عادية بل إستراتيجية سيطرة على العقول بحيث يتحول الدمار واعلان الحرب ” حالة وفاء” من الرئيس الذي أوعد فصدق ونشر مصطلحات مثل ضربة وقائية او جراحية لنشر السلام والاستقرار ليس تزييف حقائق فحسب بل تزييف الواقع عندما يتم اقناع الناس ان الحل الوحيد للسلام هو الحرب من دون أي ذكر للمآسي الكبرى التي ستخلقها وتحويلها الى فن بلا بشاعة.
تتحول أدوات الحرب كالطائرات والغواصات والمعدات الحربية الى أدوات جمالية ولقاء الفن بالفيزياء واختفاء الطائرة الشبح عن الرادار يعكس جمال الموت وفي هذه اللغة لا نسمع الأنين والصراخ ولا نرى الحرائق والجثث، بل نرى تحفة حربية هندسية وتقنية رومانسية ولا سؤال عن أخلاقية الوظيفة بل انبهار تام بجمالية التقنية والشكل والدور.
تحولت الطائرة المقاتلة مثل F-35 الى تحفة فنية لها عشاقها مثل اللاعب ميسي ورولاندو وينقسم جمهور الحرب كجمهور مؤيد لفريق ريال مدريد وجمهور برشلونة، وتتحول مناورة طائرات الموت الى مناورة كرة القدم وأخطر ما في هذا الغرام والإعجاب بأدوات الموت التي تعرض كتحف فنية ليس تزييف الواقع بل تدريب الانسان على قبول الجريمة وهذه الادوات مصممة لا للقتل وهدم المدن بل من أجل مستقبل أفضل.