تاريخ العرب

فتح بيت المقدس: تسليم المفاتيح إلى عمر بن الخطاب

في السنة الخامسة عشرة للهجرة، الموافق 636 ميلادية، كانت مدينة إيلياء (القدس) تُحاط بأسوارها الحجرية العتيقة، تحمل بين جنباتها كنيسة القيامة ومواقع مقدسة عديدة. كانت المدينة تحت سيطرة الإمبراطورية البيزنطية، وقد حوصرت من قبل الجيوش الإسلامية بقيادة الصحابي الجليل أبي عبيدة بن الجراح بعد انتصارات حاسمة في معركة اليرموك.
الحصار والمفاوضات
دام حصار المدينة عدة أشهر، وكان المسيحيون داخل الأسوار يعرفون سماحة المسلمين وعدلهم من خلال ما وصلهم عن معاملتهم لأهل المدن الأخرى التي فتحوها. لم يكن القتال عنيفاً، إذ فضل البيزنطيون التفاوض بعد أن رأوا استحالة الانتصار.
اجتمع بطريق القدس “صفرونيوس” مع وجهاء المدينة وقرروا أن يسلموا المدينة بشروط، لكنهم اشترطوا شرطاً غريباً: أن يتسلم مفاتيح المدينة الخليفة عمر بن الخطاب شخصياً.
رحلة عمر بن الخطاب من المدينة إلى القدس
عندما وصل هذا الشرط إلى أبي عبيدة، أرسل على الفور رسولاً إلى الخليفة في المدينة المنورة يخبره بالطلب. استشار عمر الصحابة، فأشاروا عليه بالتوجه ليكسر بذلك شوكة الروم ويفتح المدينة المقدسة.
انطلق عمر من المدينة برفقة خادمه، يتناوبان ركوب الدابة الوحيدة في رحلتهم التاريخية. عبر الصحابي الجليل الصحاري والجبال، متجهاً شمالاً، في رحلة تجسد بساطة الحياة وعظمة الهدف.
وصول عمر إلى القدس
عندما اقترب عمر من المعسكر الإسلامي، كان يرتدي ثياباً بسيطة مرقعة، مما أثار دهشة القادة المسلمين الذين خرجوا لاستقباله بملابسهم الأفضل. توجهوا جميعاً نحو أسوار المدينة حيث كان صفرونيوس وكبار رجال الدين ينتظرون.
تقابل القائدان على بوابة المدينة، وتبادلا التحيات. لاحظ صفرونيوس بساطة عمر وتواضعه، فازداد إعجابه به. طلب البطريرك من عمر توقيع “العهدة العمرية” – الوثيقة التي تضمن أمان المدينة وسكانها.
العهدة العمرية: وثيقة التسامح التاريخية
أملى عمر بن الخطاب على كاتبه شروط الصلح التي أصبحت نموذجاً للتسامح الديني عبر العصور:
“بسم الله الرحمن الرحيم. هذا ما أعطى عبد الله عمر أمير المؤمنين أهل إيلياء من الأمان: أعطاهم أماناً لأنفسهم وأموالهم ولكنائسهم وصلبانهم، لا تُسكن كنائسهم ولا تُهدم، ولا يُنتقص منها ولا من حيزها، ولا من صلبهم، ولا من شيء من أموالهم، ولا يُكرهون على دينهم، ولا يُضار أحد منهم…”
وتضمنت الوثيقة بنوداً تحفظ للمسيحيين حقوقهم الدينية وتحرم على المسلمين الاستيلاء على كنائسهم أو منازلهم، وتفرض الجزية على القادرين مع إعفاء الشيخ والمرأة والطفل.
دخول المدينة واستقبال المفاتيح
بعد توقيع الوثيقة، سلم صفرونيوس مفاتيح المدينة الكبرى إلى عمر بن الخطاب، في مشهد تاريخي شهده الآلاف من المسلمين والمسيحيين. ثم دخل عمر المدينة، وكان أول ما سأل عنه موضع “المسجد الأقصى” الذي ذكر في القرآن.
أخذوه إلى منطقة الحرم القدسي، حيث كان المكان مغطى بالأتربة والنفايات التي ألقاها البيزنظيون ازدراءً لليهود. أمر عمر بتنظيف المكان بنفسه مشاركاً الصحابة، ثم أقام مصلى بسيطاً في موقع المسجد الأقصى.
زيارة كنيسة القيامة والموقف المتسامح
أثناء تجواله في المدينة، حان وقت صلاة الظهر، فدعاه صفرونيوس للصلاة داخل كنيسة القيامة، لكن عمر رفض قائلاً: “لو صليت هنا لاحتج المسلمون عليها وقالوا: هنا صلى عمر”. وابتعد مسافة و صلى، وفي المكان الذي صلى فيه بني مسجد سمي لاحقاً “مسجد عمر”.
عودة عمر وإدارة المدينة
بعد أن نظم أمور المدينة وعين قاضياً وإدارياً لها، عاد عمر بن الخطاب إلى المدينة المنورة، تاركاً القدس تحت حكم الإسلام الذي حفظ لها قدسيتها وأمن سكانها من جميع الديانات.
الخاتمة: إرث الفتح العمرية
ظلت العهدة العمرية دستوراً للتعامل مع غير المسلمين في الدولة الإسلامية لقرون. وقد حافظ المسلمون على كنائس القدس وأماكن العبادة، وكان هذا الفتح بداية للوجود الإسلامي في المدينة المقدسة الذي استمر عبر العصور، مما جعل القدس نموذجاً للتعايش بين الأديان تحت الحكم الإسلامي العادل.

مراجع تاريخية:
· تاريخ الطبري (تاريخ الرسل والملوك)
· البداية والنهاية لابن كثير
· فتوح البلدان للبلاذري

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى