غير مصنف

أنا هنا.. حين يعود الغزل.. بقلم الأديب: محمد نور الدين

الغزلُ يعودُ إليك
يمشي الغزلُ العتيقُ نحوَ عَيْنَيْك
كأنَّهُ يعلمُ أنَّ كلَّ نهاية
هي مجرَّد بداية لم تكتبْ بعد
كأنَّه يحملُ في صدرِه
حكايةً قرأها في عَيْنَيْك قبلَ أنْ تكتبَها شفتاك
يمشي الهوى العريقُ مهيباً
كأنَّهُ ظلُّ قصيدةٍ خرجَتْ من زمنٍ آخر
يرتدي عباءةَ الصمت
ويضعُ على كتفيه شمعةً من نور
كي لا يضلَّ الطريق
حين يقترب من عينيك
وكلّ خطوة منه
هي إعلانُ تمرُّدٍ على الزمن
هو لا يهربُ من الماضي
هو يهربُ من كلِّ مَنْ لم يكتب اسمك
في سجلِّ العشق
ويمضي الغزلُ وئيدَ الخُطا
كما يمضي العاشقُ حين يقرِّرُ أن لا يسرقُ لحظةً
بل يتركُ للحظة حقّها
في الظهورِ
في التماسكِ
في الصمتِ الذي لا يمل
الغزلُ ليس زينةً
ولا هو مهرجان كلمات
الغزلُ هو جرحٌ يبتسم
هو دمعةٌ لا تعرفُ أن تتوقَّف
هو حضورٌ يرفضُ الانكسار
يتوقَّفُ عندَ عينيك
كما يتوقَّفُ الفجرُ عندَ حافةِ الليل
كأنَّه اكتشفَ فجأةً
أنَّ كلَّ ما مضى من غزل
كان مجرَّد تدريب
على كيفيَّةِ الوقوفِ أمامك
بدون أن ينهار
وعندَ عينيك
يقفُ الغزلُ
وقفةَ فارسٍ أدركَ متأخِّراً
أنَّ كلَّ ما تعلَّمه من شجاعة
كان ليكفيه
لو عرفَ منذ البداية
أنَّك النهاية التي تستحقُ كلَّ هذه الحرب
وعندما يهمسُ لك الغزل
لا يقولُ كلماتٍ جميلةً
بل يقولُ لك:
إنَّك الوحيدة
التي جعلَتْ من القلب
ساحة للعودة
بدون شروط
بدون خوف
بدون ادعاء
يمشي الغزلُ العتيقُ نحو عينيك
كما يمشي الشاعرُ نحوَ الكلمةِ التي لا يجد لها مكاناً في القاموس
يبحثُ عنكِ في كلِّ الصور
ويجدُك في كلِّ الفراغات
حتى في الصمت
يقرأ اسمَك
الغزل لا يطلب منك شيئاً
ولا يتوسَّل
هو فقط يثبتُ وجودَه
في لحظة
تبدو عابرة
لكنَّها في الحقيقة
هي كلّ العمر
حين تقرئين الغزل
تظنين أنَّك تقرئين كلمات
لكنَّك في الواقع
تقرئين نفسي
تقرئين ذاك الذي كان يحاولُ أن يعيش بدونك
ثم اكتشف أنَّ العيشَ بدونك
هو مجرَّدُ موت مؤجَّل
الغزلُ العتيقُ لا يعرفُ كيفَ يختصر
لأنَّه يخافُ أن يقتلَ فيك شيئاً
قد لا يعود
لذلك يطيل
ويطيل
حتى يختنق من طول الانتظار
ثم يبتسم
ويقول:
أنا هنا
هو لا يأتي لكي يغازلَك
هو يأتي لكي يثبتَ لك
أنَّك لم تكوني خطأ
وأنَّ كلَّ ما مضى من حياة
كان مجرَّد تدريب
على كيفيَّةِ الوصول إليك
ويمضي الغزلُ
يمضي ببطء
كما يمضي العاشقُ حين يريد أن لا يفوت لحظة
كأنَّ كلَّ ثانية
في حضرة عينيك
تستحقُّ أن تدفع لها ثمناً
الغزلُ العتيقُ لا يركع
لكنه يسقطُ في عينيك
كسقوطِ المطر
الذي لا يطلب إذناً
لكنَّه يتركُ أثرَه
على كلِّ ما يلمسه
والهوى العريق
لا يطلب منك أن تحبِّي
هو فقط يطلبُ منك أن تتركيه يعيش
فيك
كحلمٍ لا ينام
كنداءٍ لا يهدأ
كصوتٍ
لا يختزلُ في كلمةٍ واحدة
القصيدةُ ليستْ مجرَّدَ كلام
القصيدةُ هي جسد
يولدُ في عينيك
ويموتُ في شفتك
ثم يولدُ من جديد
كلما قلتِ اسمي بصمت
وعندما يمضي الغزلُ
لا يمضي بعيداً
إنَّه يظلُّ فيك
كما يبقى الضوءُ
داخلَ عينٍ لا تفرُّ من الحقيقة
كما يبقى المدادُ
داخلَ ورقةٍ
تريدُ أن تكتبَ بها اسمك
الغزلُ العتيقُ يعودُ إليك
كلما غاب
كلما تاه
كلما ظنَّ أنَّه لم يعدْ قادراً على العيش
يعودُ
لأنَّهُ اكتشفَ أنَّك
المدينة التي لا يمكنُه الهجرةَ منها
فلا تسألي الغزلَ
ماذا يريدُ
فهو يريدُ كلَّ شيء
يريدُك
يريدُك وحدَك
يريدُ أنْ يحوِّلَك
إلى معنى
لا يمكنُ لأيِّ كلمةٍ أخرى
أن تنافسَهُ
يا مَنْ جعلت من عينيك
مكتبةً لا تقفل
وميناء لا يغادر
يا مَنْ جعلت من الغزلِ
قوَّةً لا تعرفُ الهزيمة
يا مَنْ جعلت من الحبِّ
مهنةً
تحتاجُ إلى شجاعة
ليست متاحة إلا لمَنْ يجرؤ على العشق
تعالي
ودعي الغزلَ يكتبُك
كما يكتبُ المطرُ شوارعَ المدينة
كما يكتبُ الليلُ قصصَ العشَّاق
كما يكتبُ الوجعَ نفسَهُ
حين يريد أن يصبحَ جميلاً

الأديب: محمد نور الدين

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى