فيس وتويتر

فراج إسماعيل يكتب :العفيجي

النظام العالمي الذي تأسس بعد الحرب العالمية الثانية يتوارى حاليا ويكاد يزول تماما، حسب إرادة ترامب وسياسته.
تحدث ترامب في المنتدى الاقتصادي “دافوس” عن قوة الولايات المتحدة التي تحمي أوروبا وتحمي اقتصادياته وموارده، جيشها الأقوى في العالم، وليس حلف شمال الأطلسي.
باختصار هو نظام عالمي جديد يتحكم فيه العفي أو “العفيجي”بلغة أهل الحارة، وهو الرئيس ترامب والولايات المتحدة.
رئيس وزراء كندا مارك كارني شرح في عبارة قصيرة حقيقة تصريحات “العفيجي” بقوله إن أوروبا صارت جزءا من طاولة الطعام وليس من الكبار الجالسين عليها. أي أن النظام العالمي الذي تكون في نهاية الحرب العالمية الثانية من الأمم المتحدة ومجلس الأمن وكنا نظن أن المتحكم فيه القوى العظمى، تهيمن عليه قوة واحدة حالياً هي الولايات المتحدة.
يقول مارك كارني في خطابه في دافوس: “لقد كنا نعلم أن قصة النظام الدولي القائم على القواعد كانت زائفة جزئياً؛ حيث كانت القوى العظمى تعفي نفسها من هذه القواعد عندما يكون ذلك ملائماً لها. وكنا نعلم أن القواعد التجارية كانت تُنفذ بشكل غير متكافئ، وأن القانون الدولي كان يُطبق بصرامة متفاوتة بناءً على هوية المتهم أو الضحية.
كان هذا الوهم مفيداً؛ فقد ساعدت الهيمنة الأمريكية، على وجه الخصوص، في توفير سلع عامة: مثل الممرات البحرية المفتوحة، ونظام مالي مستقر، والأمن الجماعي، ودعم أطر عمل لحل النزاعات.
لذا، وضعنا “اللافتة في الواجهة”، وشاركنا في الطقوس المعتادة، وتجنبنا إلى حد كبير الإشارة إلى الفجوات بين الخطابات الرنانة والواقع الملموس.
‏لكن هذه التسوية لم تعد صالحة الآن. دعوني أكون مباشراً: نحن في خضم تمزق، وليس مجرد مرحلة انتقالية. فخلال العقدين الماضيين، كشفت سلسلة من الأزمات في مجالات التمويل والصحة والطاقة والجيوسياسة عن مخاطر التكامل العالمي المفرط.
ولكن مؤخراً، بدأت القوى العظمى في استخدام التكامل الاقتصادي كسلاح: حيث استُخدمت التعريفات الجمركية كوسيلة للضغط، والبنية التحتية المالية كأداة للإكراه، وسلاسل التوريد كنقاط ضعف قابلة للاستغلال.
لا يمكنك التعايش مع كذبة “المنفعة المتبادلة من خلال التكامل” حينما يصبح هذا التكامل نفسه هو المصدر الرئيسي لتبعيتك وخضوعك.”
كارني دعا إلى أن تجلس القوى المتوسطة معًا على الطاولة، وإذا لم تفعل ستُترك في قائمة الطعام. وهذه دعوة صريحة لبناء مسار ثالث قائم على الشرعية والتعاون الحقيقي، لا التبعية والحنين إلى نظامٍ انتهى.
أما الرئيس الفرنسي ماكرون فأوجز في كلمته دون أن يفصح عن سمات “العفيجي” قائد النظام العالمي الجديد، وهو التحول نحو الاسنبداد ضد الديمقراطية، وحماية الديكتاتوريات، تحول نحو عالم بلا قواعد؛ حيث يتم الدوس على القانون الدولي بالأقدام، وحيث يبدو أن القانون الوحيد الذي يهم هو قانون الأقوى، والطموحات الإمبريالية.
يرى محللون أن مجلس السلام العالمي واشتراط دفع مليار دولار للعضوية الدائمة، تحت رئاسة ترامب مدى الحياة، سيكون عند “العفيجي” بديلاً للأمم المتحدة ومجلس الأمن، وأن المنظمتين الدولتين صارا من الماضي.
بأسلوب “العفيجي” تحدث ترامب في أحاديثه مع زعماء الدول على المكشوف ساخرا من أحجامهم السياسية والعسكرية، دون الإلترام بالأعراف الدبلوماسية التي كانت تختزن ذلك في الغرف المغلقة.
أعلنت بريطانيا، الخميس، شيئاً من التمرد وقالت إنها لن توقع ‌على ميثاق “مجلس السلام” ⁠الذي طرحه ترامب، ‌لمخاوفها التي تتعلق بالأساس القانوني للمبادرة، إضافة إلى الكلفة المالية الباهظة للعضوية الدائمة.
يضم المجلس شخصيات مثيرة للجدل، من بينهم بنيامين نتنياهو، المطلوب بصفته مجرم حرب، إلى جانب توني بلير وفلاديمير بوتين، في إطار خطة توسّعت من إشراف محدود على إعادة إعمار غزة إلى هيئة دولية دائمة برئاسة ترامب.
ووفقًا للخطة، يتمتع رئيس المجلس بسلطات واسعة تشمل تحديد جدول الأعمال، والدعوة إلى الاجتماعات متى شاء، بل وحتى إصدار قرارات منفردة. وتشير تقارير إلى توجيه دعوات لأكثر من 60 زعيمًا عالميًّا للانضمام، على أن تدفع كل درلة مليار دولار إذا أرادت الاحتفاظ بمقعدها لأكثر من ثلاث سنوات.
خطف ترامب رئيس فنزويلا مادورو ويهدد بالاستيلاء على جرينلاند، ولن يكون ذلك آخر مغامرات العفيجي. لقد أفصح أنه لن يستولي على جرينلاند بالغزو العسكري وإنما بالدبلوماسية، لن يستأجرها بل سيشتريها. سيفعل ذلك مرارا عبر مجلس السلام الذي سيتجاوز الغرض الذي أنشئ من أجله وهو “غزة”.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى