الأحد , أكتوبر 25 2020

( في ركن عينيه قررت أن أحب) للقاصة د.عائشة الحكمي .. رؤية نقدية بقلم د.سوسن رجب *

 

تدنو الأديبة في مجموعتها القصصية (في ركن عينيه قررت أن أحب) بعذوبة آسرة من الذين سقطوا في براثن هاوية غربة القهر، الظلم ،البؤس الإنساني المفضي إلي الأسي.. قصصها تمور بالشجن،  وهو شجن ـ في أغلب أحواله ـ غير محتمل، إنها مولعة باقتفاء آثار المعذبين بالحياة وهم كُثر. تتوحد مع ضحايا هزيمة الروح، ضحايا الكرامة المفقودة، تدلف إلي العالم السري لمن ضاقت بهم الدنيا على الرغم من رحابتها.. فتلج إلي العوالم الخفية العامرة بلحظات الانكسار الحميمة، تتوغل في غياهب النفس البشرية.منحت القارئ المكبوت، انتعاشة مبهجة للمشهد الإبداعي عن طريق بعثها للأمل القصي؛ فحضت على الاستيقاظ والصحوة الوجدانية والفكرية ويبدو أن الأديبة أرادت أن تلفت نظر القارئ إلى لهب الحريق المكتوم الذي يلتهم منظومة القيم الحضارية النبيلة  فتكاد أناملها تحترق وهي تسجل ملحمة الهبوط والانحدار الذليل، وطمس الحقائق والجراح الغائرة وجلال الصمت ووحشة السكون ففي( حروف بلا نقاط)، تحيل القارئ إلى قطعة من اللهب الحزين، وقد صدمه وروعه انفراط القيم و المبادئ وتبدد المستقبل وضياعه، إنها لا تنتصر للعدم ولا تشيع اليأس القاتل، بل تترفق بنا على صعيد الشكل بعبارات عذبة تقطر منها اللغة البديعة وتنساب خيوطاً شفافة رطبة وكأنها تقاوم اللهب اللافح. نلتقي بها متوحدة مع الهموم  متعاطفة معها بضعفها البشري وانحطاطها أحياناً. منتقلة بخفة ورشاقة في داخل عالمها المعتم دون تربص باحثة عن المضيء عسى أن يبدد صخب العتمة وحريقها المندلع بشراسة.

( أنا الشمس لا تخافوا.. لا تحزنوا..ما تشعرون به كان ملتصقا بأجسادكم من قبل.. …أنا الشمس لا تفروا .. يتساقط برد تتوارى خلف السحاب .. لترقب الابتسامة تتلاعب على شفاههم..) ص145

ولم تكتف القاصة في تقديم صور لواقع أليم متهرئ المستقبل ،بل سعت إلى تلوين فضاءذاته بالاقتراب من شخصياته المسحوقة ( أبغي تصوير عالمنا أقدمه ببقعه وتفرقعاته.. لكن الغازات ستلوث وتطمس الحقيقة ويتبخر جهدي..الصمت أشقاني..الياء يتساءل إلى أين  نمضي.. والجراح تهطل عرقا ساخنا..) ص 157

وقد عمدت القاصة إلى استخدام معادل موضوعي وقف إزاء الآلام المبرحة والإحباط الذي أصاب أبطالها عن طريق استثمارها وتكرارها لمفردة المطر كرمز للخير والنماء والأمل( يارفاقي الغيم يكسو المكان .. بددوا بصاق الموقف .. نسيان الأطفال  بهم هاه.. مطر.. مطر.. أخذتهم روعة المزن..) ص 155.

لقد رسمت في حروفها صورة لنفس ترسف فى أغلال قوية وتحاول الخروج منها ، فإذا عجزت عن المحاولة ترنمت بالإيمان ،وإذا نجحت فى التنفيس عن كرباتها فرحت بهذه الأضواء الباهرة التى تجد فيها حياتها وأمانيها المؤجلة(هيا نمتطي صهوة حزن.. ليتنا نزرع وردا نرتع في زواياها متى شئنا.. ولم وردا .. فيه أشواك أنسيتم .. نبني مسكنا وبجواره نقيم ينبوعا رؤوس الجبال تهتز .. لنسقط.. لا لن نطاوعها..نجونا..) ص 155.

وفي ( تفاصيل أولى من الوريد إلى الوريد)، اعتمدت القاصة على ما يسمى ب”صدى الحدث”، وليس على الحدث نفسه، وهذا ما أعطاها سمة المرونة والحرية في إحيائها للماضي، وبعثه في صورة ذكريات يرويها بطل القصة.

في القصة قفزات زمنية تتجاوز الإحساس الفردي الشخصي بالزمن إلى الإحساس العام بمرحلة الانتقال الصعبة التي يعايشها بطل القصة، ثم جاء التوظيف المكاني بمثابة البناء الذاتي الذي عبر عن تفاعل عميق بين الإنسان ومجتمعه ،مثلما هو تجسيد لتواصل الإنسان مع ذاته واتساقه معها، واستخدام ضمير المتكلم دلل على عمق الشخصية، والتي هي عمق للمجتمع الذي ينتمي إليه .( لم نكن يوما صفرا على الشمال، نحن المركز في بقعة الضوء.. أتيت من الصحراء من أماكن تموت فيها الأشجار واقفة..)   ص54

وتزداد القيمة الفنية للمكان كلما تداخل في العمل الفني، لقد انصهر المكان والزمان معا لتكوين شعور وجودي مكثف ( كل المسافات اقتفت الثواني، يمتزج وجودها الصغير بالوجود الأكبر.. توقفه الأنفاس  المزدحمة…معالم جديدة ولحظة لا يعرفها توقيتها) ص57

وإذا كان المكان هو الأحداث فإن الزمان هو الذاكرة التي تستدعي تلك الأحداث، فلا نستطيع استدعاء المكان بمعزل عن الزمان ( يتلمس أصابع والده  تصخ حول أذنيه كفوفا قوية.. كلمة قلتها أبي أريد دراسة فن تصميم الأزياء.. كانت صرخة عالية من أبي لقد تعثر لساني حينها عن فلسفة العبور..الغيظ يتطاير من كل جسده مفزوعا وماذا سيقول الناس ابني خياط حريم..؟) ص 59

ناقشت القاصة قضية إثبات الذات مقابل عواصف  التحدي، واستعانت على تقديم هذه الفكرة بتوحيد الهوية بين القارئ والبطل:( أبناء عمنا اسحق سيسحقون كل المحاولات ، ويلطخون مخارجها بأصباغهم السوداء.. ولكن سأهبط على قلوبهم وسأغزو عيونهم.. يعبر كل الشوارع وكأنه بطل العالم” هنا تستمتعون بألوان السماء..بدأت صورة الجمل والنخلة والشمس الحارقة في العد التنازلي.. هويتنا محل احترام عالمي، كل منا يجب أن يحمل تراثه على أجنحته ليطال بها المنتديات والمحافل..غبطة تهزه هزا تتساقط على هضبة وجهه.. ) ص ص 55، 56.

وعواصف التحدي تلك تمثلت في ذلك التباين الكبير بين الشرق والغرب، الخلاف الحضاري، إن الشرق والغرب يلتقيان أحيانا ولا يتواصلان غالبا، الانفصال دائم ولذلك فإن نظرة كل معسكر إلى الآخر تتسم بدرجة عالية من سوء الفهم الذي لا يمكن تبريره إلا في إطار الاختلافات العديدة المرتبطة بالأفكار والعادات والتقاليد والأخلاق  والأعراف، وهو ما يسهم بدوره إلى مزيد من الانفصال والتباعد ( ننحدر من جذور ما هم إلا فروعها.. كل شئ مسروق.. مصبوغ بصبغتهم.. لم نكن يوما مجرد آبار نفط أو حلبة لنيران الرشاشات أو بؤرة للصراع السياسي والإرهاب..)

إن سوء الفهم المتبادل يعكس هوة حضارية وثقافية تفصل بين الشرق والغرب، يرى الغربيون في الشرق معقلا رجعيا متوحشا متزمتا متخلفا ( عربي ؟؟ أو يجيدون مثل هذا الفن؟؟ أصوات رافضة ..)

ويرى الشرق في الغرب حضارة وتقدما وترفا وانحراف ( ستذوب ملامح النعومة، ستذوب صبغة الأظافر.. رتم الحياة هنا منافق.. كل شئ جميل.. أبنية طبيعية تبهر حتى عقول الأسود..)

إن الوحدة والاتفاق لا يتمان من خلال التذويب والاندماج، وإنما من خلال الاستقلال والحفاظ على الهوية ( كل منا يجب أن يحمل تراثه على أجنحته ليطول بها المنتديات والمحافل..)

وفي (انحسارات الحلم .. وأشياء أخرى)  تجمعت حالات من الإحباط والحزن والحلم الضائع والأمل المفقود،مما أدى إلى تغليف القصة بغلالة سوداوية تشكل عالما تعيش فيه بطلة القصة، تخلصت القاصة من قيود السرد التقليدي وسبحت في عالم الذات الإنسانية ، بما تحويه من أسرار وأغوار وعمق، لذا نراها قد تسلحت بوسائل مناسبة في خوضها لعالم الذكريات واللاوعي، وكان أنسب هذه الوسائل ( المنولوج أو الحوار الداخلي) للشخصية والتي عبرت من خلاله عن أخص الأفكار التي تكمن في اللاشعور،تقول بطلة القصة: ( ثلاث عجاف  انتفض فيها أكون أكثر انتفاضا عندما استسلم للذاكرة.. ثلاث عجاف سرقتني قبلها يوم أعلنت تنكري .. اليوم تسع وعشرون من ذي الحجة ربما غدا تبدأ حياة جديدة.. إنني متعبة.. أين الضوء.؟أين شراع النجاة..؟)

وتقول في موضع آخر( الأمل.. الأحلام.. الغد.. مفردات تتلاعب تتصارع لا أدري كيف؟ إيقاعات أقوى من شعوري الذاتي.. ليتني أعيش بمفردي.. الحوار مع الآخرين يمزيقني..)

إننا نجد أنفسنا أمام دفقات شعورية ، أنات نفس تشعر بقسوة وعنف العالم والحياة التي تحياها.

ويتضح في القصة جماليات استخدام ضمير المتكلم، حيث يستطيع القارئ أن ينسى المؤلفة التي ذابت في النص السردي، ووضعت المتلقي إزاء الشخصية القصصية، ومكنت من الغوص في أغوار نفسها، وإن  كان في مثل هذا النوع من القصص قد يتوهم القارئ في أحيان كثيرة ـ أن المؤلف هو نفسه الشخصية التي يقوم عليها العمل الفني والتي تضطلع بعبء القص أو الحكي  .

(وفي ركن عينيه قررت أن أحب) نقد عميق للتخاذل ولوحشية الإنسان تجاه أخيه الإنسان، ومصادرة حقه في التملك والأمن والحياة، إنه هجاء للوجه القبيح في الإنسان والغدر والزمن الموحش ، وغياب المحبة والتعايش وشراسة الشر وغياب القيم النبيلة ( كم أكره أولئك الذين يتلذذون بامتلاك الآخرين واحتساء حقوقهم والحكم عليهم بالإعدام من وحي استفزاز الإنسان للإنسان) ص 16

لقد استطاعت القاصة أن تغوص في أعماق بحر الوجود، وملاحظة ما في القعر، ثم تصويره في الحدث والحركة والظلال والألوان.

ومما يزيد القصة تماسكا تلك المزاوجة البديعة بين وحشية وغموض ذلك السراب الذي استوطن عمق الروح المعلقة في حنايا الشخصية، فهي لا تنتصر للعدم ولا اليأس القاتل ، فغادة مازالت رائحة الحلم تراودها ( مازالت رائحة الحلم تروادني مبهورة بحياة الغد المنتظر) ص 15

وهي متمردة على الواقع المزدوج المحاصر بالزيف..، إن الآخرين قد وقعوا في براثن ما يسمى بهزيمة الروح بل غيابها ومواتها يصرخ زيد ( لا أريد مرآة.. هكذا سأبدو صادقا مع نفسي.. افتقد كل شئ حتى وإن بدأت هكذا ..)

إن هوية زيد أصبحت منزاحة عن هويته الحقيقية،منزاحة عن الهوية السياسية الجماعية، لذا فهو لا يريد مرآة لأن المرآة إنعكاس للحقيقة والصدق وكشف لما هو مخبوء في القلب والضمير وطهارة الروح ستكشف له المرآة هذا الشعور الانهزامي الذي يمارسه على نفسه وبنفسه، لقد أصابه العدوان في عقر نفسه وكينونته ( من زيد وكأنه شخصيا يريد أن ينسى زيد.. يردد الاسم .. زيد..)

إنه السقوط في هوة اليتم الوجودي ، والعجز السياسي والاجتماعي والنفسي والإنساني.( لكن العقال والغترة ينغمس كل منهما على رأسي بلا وعي) ص 24 ،إعلان صريح لانتفائه واستئصال هويته.

وغادة تعيش في عالم فصامي فقد المشاعر والتواصل واتسم بالذاتية المفرطة ، لقد ضاع نقاء الألوان وفقدت ملامحها، زيفت الحقائق، اغتيلت الأفكار، أجهضت الأحلام وابتسرت، تصرخ باكية ( كل الجامعيين الذين أتوارى معهم تترنح أفكارهم، سرعان ما تجهض.. وعبثا أنتظر لا ظل .. لا صدى..) ص 18

لم يغب الهم العربي عن القاصة، فانشغلت بالقضايا العربية بعيدا عن الشعارات  الصارخة، فنراها قد مزجت بعمق بين الوعي الحاد الذي ربط بين الحلم والواقع .. إن العجز عن فهم جذور القضايا جعل زيد عاجزا عن وضع حلول، وأعجزه أيضا عن استشراف المستقبل بشكل سليم ( أنا مجرد بحيرة مستقرة المياه.. سأحرق ثيابي البالية .. وأحرق الماضي.. ) ص 24

ولكن الوحدة والاتفاق لا يتمان إلا من خلال الاستقلال والحفاظ على الهوية، فهاهو زيد سئم من غيبوبته ( سئمت غيبوبة وضعي هذا قررت ابتلاع الحجة تلو الحجة سأواجه صقيع كل شئ أو لا شئ، سأحطم الأسوار..) ص 24

إن الصدق الفني هو  أهم ما تميزت به هذه المجموعة القصصية ، فطابع الصدق يجعلك تستمع بها وأنت تقرأها استقت القاصة موضوعاتها من صميم الحياة،مزجت فيها الفن بالواقع، وأمام هذا المزج تجد نفسك مدفوعا إلى قراءتها مرات ومرات، تحدثت القاصة عن موضوعاتها بمرارة ووعي وحرارة دون الوقوع في المباشرة لذلك ترى نفسك مشدودا في متابعة الأحداث حتى النهاية،سيطر الزمن النفسي على معظم قصص المجموعة ،والزمن النفسي يتسم بالانتظار والقلق، وفي حالة الانتظار يبدو الزمن طويلا سواء أكان هذا الانتظار متعلقا بشئ مبهج، أو كان متعلقا بانتظار شر أو بلاء يمكن أن يحط على الإنسان في أية لحظة، لذا كان هذا الزمن هو الأكثر تلاؤما وتوظيفا لموضوعات المجموعة، إن القارئ يشعر خلال السطور بشخصية القاصة بارزة جلية، وهي الصفة الأولى التي يجب أن يمتاز بها العمل الفني سواء أكان قصصا أو شعرا أو تصويرا أو موسيقى أو غير ذلك. ويمثل العنوان عنصراً مهما من عناصر تشكيل الدلالة في القصة، وجزءاً من أجزاء استراتيجية أي نص أدبي. فتنوعت عناوين قصصها، من حيث وظيفتها في القصة، فثمة عناوين تحيل إلى مضمون القصة، أو تُسْتَمَدّ من مغزاها، وعناوين لها طبيعة إيحائية، وعناوين لها وظيفة تناصية، وعناوين لها طبيعة استعارية،وهذا ما أجادت فيه القاصة.

وفي ختام رؤيتنا لابد من الإشارة إلى أن هناك بعض الملحوظات والتي قد تتفاوت ما بين قضايا يختلف  فيها الذوق النقدي ففي انحسارات الحلم .. وأشياء أخرى، نرى أن القاصة ضخمت من ذات البطلة حتى ملأت الحيز السردي، وجعلت هذا الحيز في بعض الأحيان  يفقد خليط الاتصال المنطقي، فطفت على السطح بعض الخيالات والرؤى والذكريات المبعثرة التي شكلت في قليل من المواقف إشارات عير مترابطة.

أما في عموم المجموعة اعتمدت القاصة لغة إيحائية ،وهي لغة جيدة ، إلا أن هذه اللغة بإيحاءاتها قد  تشير  إلى كثير من الدلالات الخارجية، مما يساعد على تحمل هذه المجموعة القصصية لعدة قراءات ، في ضوء الرؤية الأيديولوجية التي ينطلق منها القارئ/الناقد.
فاللغة فيها لغة انفجارية تخرج عن المعتاد ، والقارئ بذلك يعطي للكلمة الواحدة عدة دلالات ، حسب رؤيته النقدية .

……………………………………………………

*أستاذ الأدب والنقد المساعد / جامعة تبوك

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: