الجمعة , أكتوبر 23 2020

د. وسام قبّاني تكتب …..قراءة في كتاب: ثمار القلوب في المضاف والمنسوب

* يُعدُّ كتاب ( ثمار القلوب ) لأبي منصور الثّعالبيّ ت ( 429 هـ ) أحد الكنوز الأدبيّة التي أغنت تراثنا العربيّ في مرحلةٍ متقدّمة. إذ يعود تأليف الكتاب إلى القرن الخامس الهجريّ / الحادي عشر الميلاديّ /.
ويناقش الثعالبيّ فيه موضوعاً طريفاً جديداً لم يُسبَق إليه، وهو ( المضاف والمنسوب ) بأسلوب يتّسم بجمال التأليف، وشرف الغاية. وقد بناه على ذكر أشياء مُضافة أو منسوبة كثُر التّمثّل بها في الشّعر والنّثر. مثل: حُسن يوسف – خدود الورد – صحيفة المتلمّس – ضرائر الحسناء – عيون النّرجس – ليلة النّابغة – وفاء السّموءل – واسطة العقد.
والثّعالبيّ ينتخب شواهد كتابه من فرائد الأدب، جوامع الكلم، وبدائع الحكم لذلك أطلق عليه اسم ( ثمار القلوب ). ونجده يقسم عمله في اتّجاهَين رئيسَين: هما: المضاف والمنسوب. فالكلمة تكتسبُ شهرةً إمّا بسبب إضافتها إلى كلمة ثانية ارتبطت بها. أو بسبب نسبتها إلى أمرٍ ما عُرِفَتْ به.
وقد جعل كتابه في واحدٍ وستين باباً، وكلّ بابٍ يشتملُ على عنواناتٍ عدّة، وتحتَ كلّ عنوان يستشهد الثّعالبيّ بما يحضرهُ من آياتٍ كريمة، وأحاديث شريفة، وأشعار بديعة، وحكم بليغة، وقصص ظريفة تُدلِّل على صحّة ما يذهب إليه.
* ثمار القلوب في المضاف والمنسوب – تأليف: الثعالبيّ ت ( 429 هـ ) إمام المصنّفين في زمانه. صدرَ هذا الكتاب بتحقيقين لا يقلّ أحدهما قيمة عن الآخر.
التّحقيق الأوّل: بقلم: د. محمّد أبو الفضل إبراهيم – دار المعارف – مصر – 1965م.
التّحقيق الثاني: بقلم: د. إبراهيم صالح – دار البشائر – دمشق – 1994م.
* منفعة الكتاب:
الكتاب وثيقةٌ فنيّة أدبيّة تاريخيّة قيّمة، فهو يضمّ بين أعطافه شطراً وفيراً من عيون الشّعر، وبدائع النّثر، وروائع القصص، ونوادر الأخبار، ولطيف الإشارات، وبليغ العبارات.
ومن ثمّ فالكتاب يُعدّ حديقةً غنّاء يتجوّل القارئ في رياضها النّضيرة، فيتنسّم عبير الإبداع، ويتفيّأ ظلال الفِكر الوضّاء، ويكتسب معارفَ شتّى في ميادين الأدب والبلاغة والحكمة.
* محتويات الكتاب: قسم المؤلّف كتابه إلى واحد وستين باباً، ومنها:

في ملوك الجاهلية وخلفاء الإسلام- في الكتّاب والوزراء في الدولة العباسية – في طبقات الشعراء – في البلدان والأماكن – في أهل الصناعات – في الجبال والحجارة – في المياه وما يضاف وينسب منها وإليها – في النّيران وما يضاف وينسب إليها – في الشّجر والنّبات – في اللباس والثياب – في الطعام وما يتصل به وما يذكر معه – في الشّراب وما يتّصل به ويذكر معه – في السّلاح وما يجانسه – في الحلي وما أشبهها – في الأزمان والأوقات.
* نماذج من ثمار القلوب:
( نفس عصام ): يُضرب مثلاً لمن يشرف بالاكتساب لا بالانتساب، ويسود بنفسه لا بقومه، وعصام هذا حاجب الملك النّعمان بن المنذر الذي يقول فيه النّابغة:
نفسُ عصامٍ سوّدتْ عصاماً وعلّمتْـهُ الكـرَّ والإقداما
وجعلتهُ مـلِكاً هُمـاما
( طمع أشعب ): كان أشعبُ من أهل المدينة، وكان صاحب نوادر.
وقال له أحدهم ما بلغ من طمعك قال: ما نظرت إلى اثنين في جنازة يتسارّان إلا قدّرتُ أنّ الميت أوصى لي بشيء، وما زُفَّتْ في جواري امرأة إلا كنستُ بيتي رجاءَ أنْ يُغلَط بها إلي.
( كذب مسيلمة ): هو أبو ثمامة مسيلمة بن حَبيب الحنفيّ، من أهل اليمامة، كان صاحب أسجاع ومخاريق وتمويهات، وادّعى النّبوةَ ورسول الله بمكّة قبل الهجرة، فما زال يخفى ويظهر ويقوى ويضعف، وأهل اليمامة فرقتان: إحداهما تعظّمه وتؤمن به، والأخرى تستخفّه وتضحك منه. وكان يقول: أنا شريك محمّد في النّبوة، وجبريل عليه السّلام ينزل عليّ كما ينزل عليه.
من أقاويله: والشّمس وضحاها في ضوئها ومنجلاها، والليل إذا عَداها، يطلبها ليغشاها، فأدركَها حتى إذا أتاها، وأطفأ نورَها فمحاها.
ومنها: سبّح اسمَ ربّكَ الأعلى الذي يسّر على الحبلى، فأخرجَ منها نسمة تسعى، من بين أحشاء ومِعى، فمنهم من يموت ويُدَسُّ في الثّرى، ومنهم من يعيش ويبقى إلى أجل ومنتهى، والله يعلمُ السّرّ وأخفى، ولا تخفى عليه الآخرة والأولى.
ومنها: اذكروا نعمةَ الله عليكم واشكروها، إذ جعلَ لكم الشّمسَ سراجاً، والغيثَ ثجّاجاً، وجعلَ لكم كباشاً ونعاجاً، وفضّةً وزجاجاً، وذهباً وديباجاً.
( تشبيهات ابن المعتز ): يضرب المثل بها في الحسن والجودة. ويقال: إذا رأيتَ كافَ التّشبيه في شعر ابن المعتزّ فقد جاءكَ الحسنُ والإحسان. ولمّا كان غَذِيَّ النّعمة، ورَبيبَ الخلافة، ومُنقطعَ القرين في البراعة، تهيّأ له من حسن التّشبيه مالم يتهيّأ لغيره؛ ممّن لم يرَوا ما رآه، ولم يستخدموا ما استخدمه من نفائس الأشياء، وطرائف الآلات، ولهذا المعنى اعتذر ابن الرّوميّ في قُصوره عن شأو ابن المعتزّ في الأوصاف والتّشبيهات؛ فمن أنموذج تشبيهاته الملوكيّة قوله في وصف الهلال:
وانظرْ إليه كزورقٍ من فضّةٍ قد أثقلَتْـهُ حُمولةٌ من عَنـبرِ

ومن تشبيهاته التي تفرّد بها قوله:
والرّيحُ تجذِبُ أطرافَ الرّداء كما أفضى الشّقيقُ إلى تنبيه وسنانِ
وقلائد تشبيهاته، ولطائف تمثيلاته أكثر من أن تحصى.
( أمّ الحروف ): سمّى النّحويّون حروفَ المدّ واللّين أمَّ الحروف.
( رأي النّساء ): يضرب به المثل في الوَهن والخطأ، ولذلك قال النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم: ( شاوروهنّ وخالفوهنّ ). وقال الشّاعر:
شيئان يعجزُ ذو الرّصانة عنهما رأيُ النّسـاء وإمرَةُ الصّبيانِ
أمّا النّساءُ فميلُهنّ إلى الهـوى وأخو الصِّبا يجري بغير عِنانِ
…………

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: