الخميس , أكتوبر 29 2020

ياسر حجاج يكتب : مؤرخون .. لكن ظرفاء !

 التاريخ .. ما التاريخ !! سفر يُعنى غاية العناية بأن يقول لك ، ماذا حدث ، ومتى حدث ، وكيف حدث ، ولماذا حدث . ليس الأمر دائماً على هذه الشاكلة السلسة ، فأحياناً كثيرة ، لا حدث قد وقع إبتداءاً ، ومع ذلك فإن شرذمة من المؤرخين الظرفاء ، يُصرون على أن يصفوا لك (أن هذا الذي لم يحدث) متى حدث ، وكيف حدث ، ولماذا حدث ! ومطلوب منك كقارئ ، أن تصدق هذا الذي حدث ، وذاك الذي لم يحدث أيضاً ! . ورغم ذلك ، ولأنني إمرؤ لا يكاد يتعلم من أخطائه ، فإن كتب التاريخ مازالت تحتل المرتبة الأولى في قائمة مشترياتي ، لا أدري لماذا تحديداً ، لعل أحد المبررات هو حبي اللافت للحكايا وسمر الليالي ، والتلذذ بتلك الأنخاب الدائرة على شرف كل من قد سلف أو تلف ، والتفكه بتتبع خبر كل من قُبر أو غبر .  والتاريخ من قبل ومن بعد لا يخيب رجاء المحبين ، فأيا ما كان الهوى الذي ترنو ، أو الفن الذي ترجوا ، ستجد أن هناك دائماً طرفاً من خيط يُغريك بلمسه ، من المهم جداً أن تُدرك إلى أين يأخذك هذا الطرف ، ذلك أن تجاهل الأمر ، أو التعامل معه بخفة ، قد يقودك من حيث لا تحتسب إلى (مشنقة تاريخية) ، كان هذا الطرف الناعم الذي إستهنت به ، جزءاً من نسيجها ، وكنت أنت لسوء طالعك أحد ضحاياه . ولأنه في جزء منه سئ السمعة ، عمد المؤرخون حديثاً إلى وضع قواعد منهجية ، وأصول علمية ، يقولون أنك من خلالها تستطيع كباحث متخصص أو حتى كقارئ متلصص ، التثبت – إلى حد ما – من صدقية ما كان من أمر أخبار الأمصار، هم يقولون ذلك ! من جانبي .. لا تتوقع مني أن أقول لك كيف تقرأ التاريخ ، فأنا حتى لا أعرف على وجه اليقين . لكن ما أعرفه ، ولعلي أود منك أن تعرفه ، أن لا تجعل من عقلك مستودعاً لمتاع المؤرخين ، وقصاصي الأثر عبر السنين ، يتطلب الأمر منك بالتأكيد ، وعياً وضميراً وحياداً ، بالمناسبة ومن واقع التجربة ، ليس من اليسير عليك في بادئ الأمر ، أن تأتي بها جميعا ، ولكنها فيما أظن ، لافتات إرشادية يجب أن تكون حريصاً على أن تُبقيها مضيئة – قدر إستطاعتك – في كل الصفحات التي تمر من تحت عينيك ، يستوي في ذلك عندي وعندك ، بيتاً في ديوان شعر ، أو أثراً في كتاب فقه . التاريخ على حبي له ، قد يُشكل أحياناً حقل ألغام ، ومن أسفٍ أنه لا توجد خرائط واضحة ، تشير إلى موضع الخطر ، أو موطن العطن ، ليس مستغرباً أن أتورط أحياناً ، وأبدي ندمي – من بعد ذلك – في كثير من الأحيان ، من منا لم يتورط بشكل أو بآخر ؟ لكن .. لن يكون منصفاً دائماً أن أُلقي بالتبعة على الآخرين ، أو أُلصق التهمة بأقرب مؤرخ رأيت إسمه على مجلد أنيق ، فالمؤرخون أحياناً يتورطون ، أليس كذلك ! فأنا من أنصار المدرسة التي تقول : إن زعم أحدهم وصلاً بليلى ، فلا تصدقه حتى تقر له ليلى بذاكَ ، مع خالص إعتذاري لمجنون بني عامر .


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: