السبت , أكتوبر 24 2020

البرتقالة….قصه قصيره للكاتب بشار حبال

  • أغلق الباب خلفه وجلاً ثم ألقى التحية، جلس بوجه أصفر قبالتي على المكتب ودون أن ينظر إلي وقبل أن يسمع ردي محدثاً نفسه قال مرتبكاً : أرجوك أن تمنحيني خمسة دقائق فقط وسأغادر بعدها مباشرة، أرجوك أن تسمعي فقط ما أريد أن أقوله، لقد أخطأت بحقك مرتين. مندهشة قلت: 
  • مرتين أنا أعرف واحدة، لكن الأخرى لا علم لي بها، أو نسيتها، هل ترغب بتذكري بها الآن.
    قال: نعم المرة الأولى عندما احتضنتك بقسوة وأنت طفلة تحت شجرة الزيتون…، وهذه تعرفينها جيداً، والمرة الثانية وهذا ( مقصدي ) أنني لم اغتصبك فعلاً فتكوني لي وللأبد كما تقول أعراف الضيعة.
    لم أصدق ما يقوله، أو لم أستوعب ما قيل لغرابته، حدقت به وعلى وجهي ابتسامة باهتة وقلت:
    هل انتهيت من هذه الثرثرة الفارغة أم مازال لديك ما تريد أن تقول أيضاً ؟.
    قال : أخجل جداً من فعلتي الأولى، لكني أشعر بالخيبة وهو الأهم من عدم فعلتي الثانية، لأن كل شيء فيك كان يدفعني للجنون، صحيح انك كنت طفلة ولم تتجاوزي الرابعة عشر وإنا تخرجت حديثاً من دار المعلمين ، لكن جمال صباك كان اكبر من عمرك كثيرا، كنت أميرة دون أن تدرين، لون الشمس على شعرك وقدك الجميل لم يترك لي أي خيارات عاقلة، لقد أحببتك من ذلك الصيف الأغبر ولا زلت احبك، وأتذكر كيف رميت على وجهي برتقاله ممزقة وهربت بعيدا عني تطاردك جلافتي وسوء تصرفي، والخوف الذي اعتراني من وقع الفضيحة بالضيعة.
    ما زالت صورتك برأسي حتى اليوم، حتى أنني احتفظ بصورة لك، ومد يده إلى محفظته واخرج بعض الصور لأولاده ومن بينهم صورة لي وقال:
    هل تذكرين هذه الصورة ودفعها إلي ( صورة لي بالأسود والأبيض لطفلة أنا نسيت ملامحها) احتفظ بها مع صور أولادي منذ خمسٍ وثلاثين عاما، وهي لم تفارقني في أي يوم، منتظراً الفرصة لأقول لك ما أقوله الآن، ربما تعذريني وأرجو ذلك، أحاول منذ أن التقيتك صدفة أن اعتذر لك، ولكن في كل مرة كنت المح الكره في عينيك، أنت محقة في ذلك ، ولكن من حقك علي أن اعتذر عن ذاك اليوم الأسود بالنسبة لك واليوم الخائب بالنسبة لي.
    لقد سافرت بعيداً ليس هرباً منك ولكن من أجل العمل وقد عدت منذ عامين، لكن صورتك لم تفارقني وفعلتي تقتلني كلما شاهدتك، كان يمكنني أن أطلبك للزواج لأصلح غلطتي الأولى ولكني لم افعل ولا اعرف لماذا، ربما خجلاً منك ومن نفسي، كنت تستحقين سلوكاً أفضل، لكن شهوتي غلبتني بلحظة طيش، هل ابرر ما فعلت، لا.ما فعلته كان مشيناً وأنا اعرف ذلك ، لكنك مازلت في بالي وكأنني أشاهدك أول مرة. لقد قلت كل ما عندي ولك الخيار بقبول اعتذاري أو رفضه، أنا أمامك الآن تستطيعين أن تفعلي ما تشائين وسأكون سعيداً أن تأخذي حقك بالطريقة التي تعجبك.
    نظرت إليه ملياً لا أعرف بماذا أجيب، كنت في قمة حقدي عليه الذي استفاق من غفوته مرة واحدة، واستعدادي لأن أدوسه بأقدامي لنبشه هذه الذكرى المقيتة التي غيبها الزمان.
    لكن ما حصل أنني شعرت بالشفقة عليه، رأسه بالأرض يداري ارباكة وخجله، لقد مضى زمن طويل على هذا الأمر، لكني ما زلت اذكر ذلك اليوم المشمس حين استوقفني على أطراف الضيعة وتحت أشجار الزيتون في طريقي لزيارة أختي في الضيعة القريبة، ثم ضمني إلى صدره بقوة وبدأ يلهث ويرتجف حتى أن البرتقالة التي كانت بيدي سال عصيرها على ثيابنا، فشعرت بالوجع يطبق على صدري والخوف يمسك بجسدي وهو مازال يشد ويهمهم، أبعدته بكل القوة التي منحني إياها الرعب المفاجئ ولقرفي الناشئ من عصير البرتقال وهو يسيل على يدي وثوبي مثل دم الجريمة، ودون أن أدري قذفته بالبرتقالة على وجهه ثم هربت بعيدا، ولكني ( ولدهشتي الآن ) لم أبكي كنت أتألم فقط، كانت لحظة خاطفة لم اعرف لماذا عانقني بتلك القوة والشدة وهذا الإرباك الذي أصابه.
    اعرفه جيدا وكنت أحبه مثل أي شاب كبير أمام فتاة دخلت مرحلة المراهقة، خاصة حينما كان يغني بصوته الجميل لعبد الحليم حافظ أغاني الحب والغرام حين تجمعنا أماسي الضيعة، وكيف كان يطير بنا على أجنحة الحب بعيدا، كان غناءه سحر يحملنا على بساط الريح نحن والحبيب، فحاول اقتناصي ( لا ليست هي الكلمة المناسبة ) حاول أن يعبر عن حبه بطريقة الفلاح التي تحكمه إسرار الطبيعة البدائية في خلوة عابره ودون إعداد مسبق، هكذا مثلما تفيق الشهوة على عجل فتحطم كل الأحاسيس الجميلة التي نبنيها في ليالي السهر. لم يكن سيئاً خلال معرفتي به خلال سهراتنا مع أهل الضيعة، كان جميلا ومدهشا حين يغني وينتزع أهات الصبايا والمراهقين شبابا وبنات.
    خمس وثلاثين عاماً مرت وها هو الآن أمامي يستجدي الصفح عنه، لماذا ، هل مازال يحبني أجل، أشعر بذلك من بريق عينيه، لقد نسيته نهائيا لكني مازلت أكره البرتقال وعصيره، لقد أحببت لاحقاً، وعشت كل تفاصيل العشق الجميلة والمؤلمة وأدركت من تجربتي مآسي الحب وشجن الأيام، ورعونة العاشقين ومراهقتهم.
    كنت أنظر إليه وهو يتحدث وكيف كان يحاول إخفاء حبه المرتبك، اعترافه واعتذاره، لم يكن هشا ومهزوماً، كان يدافع عن حبه بطريقة التعري من الأخطاء. اعتراني شعور جديد بالشفقة عليه جفف الألم بداخلي ومثلما غيبت الأيام أهات وأهات، هو الزمن يرعى الإنسان فينا لنعبر جسور الخيبات والأسى لأجد نفسي أسمع قصة عن فتاة اسمها سلمى، دخلت أول تجربة للحب دون أن تدري على أنغام وصوت عبد الحليم حافظ، ثم خذلها هذا الحبيب ورحل بعيد كما هي في الأغاني.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: