الأحد , أكتوبر 25 2020

ليلى و المنفى الجديد ….نص أدبي للكاتبه هدى الشابي

  • عادت ليلى منهكة من رحلة العمر الاولى , محبطة يتملّكها شعور ثقيل بالخيبة و الخذلان و العجز.
  • كانت رحلة طويلة ، باردة و كئيبة. تعلّمت فيها أصول الحزن و تقاليده و مارستها باتقان. لم تكن وحيدة بل كان البؤس رفيقا ثقيلا ، لازمها بلا ملل.
  • في رحلتها تلك ، شاخت روحها الشابة و تناسلت بسرعة على جدرانها تجاعيد كريهة. انطفأت جذوة الحماس بداخلها. مات الطموح و ذبُلت المواهب و اختفت تلك اللّمعة من عينيها و بهت بريق نظراتها و اعتراها ذبول و شحوب في روحها و سائر جسدها.
  • فجأة أعلنت ليلى العصيان. تمرّدت على قيود خالتها مخملية، دافئة ، عطرة و ندية. استندت الى حائط ، تحاملت على نفسها و انتصبت واقفة تتأمل سجنها و الخيبات تحيطها من كل جانب. ألقت نظرة الى الخندق المحيط بها يبدو مخيف. خندق مرعب ، ترتع فيه الأفاعي و الثعابين متلهفة تنتظرها فريسة تلوكها الافواه و تطحنها الأضراس. تستطيب نهشها و مضغ لحمها و تهشيم عظامها اللينة.
  • التفتت تتفحص ما ستترك خلفها ، أكداس خيبات ، اختناق و اشمئزاز ، خذلان و انفاس كريهة ، تبلّد ثقيل يجثم فوق صدرها يخنقها حد الغثيان ..
  • البشاعة اكثر و أشد. هذه القناعة كانت تكفي لشحنها بقوة خفية و اصرار كبير على فعل شيء ما يغير وجهة حياتها الكئيبة.
  • سكنتها روح التمرد و قررت أن تخترق الخندق و ليكن ما يكن ، ما ستخسره لن يكون بأهمية ما ستكسبه … حرية و كرامة ، كنزان لا طعم للحياة بدونهما.
  • بعد رحلة مريرة تجاوزت فيها ظلمات و كهوف ، لم تجد نصيرا غير رغبتها الجامحة في الهروب و النجاة و لن تنسى ابدا تلك الايادي التى امتدّت لها بخناجر الغدر تطعن ظهرها في ما هي منهمكة تعاني ألام المخاض و قد انهكها الضعف. أيادٍ خالتها فيما مضى السّند و الحماية، فكشّرت عن انيابها الزرقاء تنهشها بلا شفقة و بان الحقد الدفين و حان موعد نثره في وجهها …
    لم تأبه و إن صُدمت و تألّمت وإن أحسّت بالضعف و أنهكتها الخيانة.
  • الرحلة كانت مضنية ، لكنها خاضتها باصرار كبير. افاقت من غيبوبة الوجع ، تنفض غبار الصراعات و ما خلفته من ألم. اليوم تجد نفسها بلا قيود .. لكنها متعبة و ضعيفة.
  • تنفّست ليلىِ الصّعداء, ألقت ما بين يديها من أحلام العمر و شغفِ الشّباب … اقتلعت ضحكتها العذبة وضعتها جانبا … نظرت اليها مطولاً ثم أشاحت بوجهها بعيدا _ كانت لها ضحكة خلاّبة وساحرة ,الكلّ كان يبدي اعجابه بضحكاتها التى تبثّها أينما حلّت فتحصٌد الاعجاب و تنثرُ الدفء .. كانت كغجرية تتمرّد على القوالب الركيكة, صبيّة عاشقة للحياة, تفيض حيويّة و تشعُّ بهجة _ تحسّست وجهها و سائر جسدها … أدركت أن الزّمان اغتال فيها الانثى و رائحة الجمال … خنق فيها النّبض و اللّهفة و الحياة و زرع في داخلها صحراء قاحلة و باردة … ارتعدت فرائصها وشحُب لونها لهولِ ما سكنَها من أحاسيس …
  • لتُلهي نفسها انهمَكت تُهيّئُ المكان , تُنقّيه من الذّكريات و من بقايا حياة , ليتلاءم اكثر مع ما هي عليه من بؤسٍ … كسرت كل قوارير العطر و تخلّصت من كل ادوات الزّينة و أحمر الشّفاه , خبّأت فساتينها ذات الالوان الزّاهية في مكان عال حتى لا تطالُها يداها في حال حنّت اليها , حطّمت المزهريات فلا ورود تضعها فيها …
  • أصبح المكان مُهيَّأ لاحتوائها في رحلتها الجديدة التي ستطول و ان قصُرت … لا ينقص منفاها الاختياري سوى بعض الظّلال الكئيبة لتزيد من ثقل الايّام , فأطفئت كل الانوار و اغلقت جميع النوافذ و الابواب , أسدلت الستائر و لم تنسى ان تشغّل موسيقى بنكهة هديل الحمام …
  • انزوت في ركنٍ مظلم … انكمشت على نفسها تبحثُ عن بقايا دفءٍ لم تجدها …التحفت بدثارٍ من الخوف بلون ليالي الشتاء وآخر من اليأس صنعته بيديها وظلّت ترتعش من البرد , لكن بمرور الوقت بدأت تعتاده وتعتادُ غربتها الجديدة … 
    و نسيت ليلى ان في الخارج حياة و شمسا دافئة تشرقُ كل يوم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: