الثلاثاء , أكتوبر 27 2020

ارتياد تخوم الممنوع في مجموعة “قانون صاحبة العطر” للأديب فرحات جنيدي .. قراءة نقدية لـ الغربي عمران

ارتياد تخوم الممنوع في مجموعة “قانون صاحبة العطر” الغربي عمران عن دار يسطرون في القاهرة .. صدرت المجموعة القصصية الأولى للأديب المصري فرحات جنيدي 2015 , وتضم المجموعة سبعة وعشرين نصًا تنوعت بين القصة القصيرة والقصيرة جدًا . تعالج نصوص المجموعة هموم وقضايا اجتماعية شائكة تتقاطع بين الديني .. والثأر في البيئة الريفية .. كما تعالج قضايا الثورة المصرية.. إضافة إلى التطرف وفساد السلطة.. وتسلط العسكر على الحياة السياسية. وما يعانيه المجتمع من فساد متجدد .. وفساد مستوطن يتعدى السلطة ليستشري في أوساط المجتمع .. لنجد جميع تلك النصوص تصرخ من اختلال القوانين ضد حقوق المرأة .. ومن انحلال القيم .. وظواهر جديدة على المجتمع تتحول مع مرور الأيام إلى عادات مترسبة تزيد المستقبل قتامة.. وتزيد ترسخ الفساد كتعامل وحياة يتعاطاها المجتمع . في مقاربتي هذه سأكتفي بمس بعض نصوص المجموعة.. بداية بـ ” إمبابة تحرير” ذلك النص اللفات ..الذي تسير أحداثه بإيقاع سريع ومضحك. وبأسلوب الكاتب في هذا النص المختلف ابتعد القارئ عن رتابة الوصف في بعض نصوص المجموعة.. ليجد المتلقي نفسه يتنفس سخرية لاذعة.. بداية بالعنوان الذي يشير إلى مكانين متناقضين من مدينة واحدة.. فإمبابة وما يمثله مجتمعها الشعبي حد النخاع .. الذي يطلق عليه البعض الصين الشعبية.. بزحامها وكتلة الفقر التي تنتج شبكات الممنوع من المخدرات إلى الدعارة إلى عصابات السرقة والسطو … الخ ما يتخيله القارئ لحي شعبي مهمل يديره المجتمع كي يعيش في ظل غياب رعاية الدولة . والتحرير وما يرمز إليه ماضيًا وحاضرًا.. ذلك الميدان الفسيح النظيف الذي تحيطه المباني الشاهقة والجميلة بأطرزتها المختلفة .. التحرير فيه تلتقي أهم شوارع القاهرة التجارية والاقتصادية والثقافية.. وتحيط به أهم مؤسسات الدولة .. وفوق ذلك هو رمز من رموز ثورة الشعب .. بل منطلق للثورات التي أدهشت العالم . ومنطلق للأمل بغد أكثر عدالة وحرية ورخاء . الكاتب في نصه نجح في اختياره لرمزين يعبران بشكل مدهش لروح الشعب وما يعانيه ويتطلع إليه . رغم إيحاء المفارقة بين المكانين .. وتلك الدلائل وما يستبطنه العنوان من معاني عديدة واختلاف بين مكانين في مدينة واحدة . ” علبة كريم وشبشب حمام وموس بربع في شنطة بلاستك سوده ضعيفة مجرد ما مشيت خطوتين كانت مقطوعة والحاجات كلها على الأرض ” تلك ممتلك شخصية القصة.. يصف لنا حالته في شوارع إمبابة .. يفكر في أي اتجاه يسلك وسط زحام وروائح وأصوات لا تطاق .. يهتدي لأن يركب أوتوبيس بعد أن سار كثيرًا على قدميه . وما يقرب القارئ أكثر إلى تلك البيئة الشعبية استخدام الكاتب للهجة الدارجة ما يدعو حواسنا إلى تلك اللوحات الحكائية المتخيلة كنتاج لوصف الكاتب .. وهكذا نرى المشاهد المتتالية ” لقيت أوتوبيس معدوم جربان مدهون أخضر في أبيض في أحمر … أوتوبيس من زمن إيزيس وفاروق وجمال ” في كلمات قليلة جمع السارد ثلاثة أزمنة محاولا تقريب حالة الأوتوبيس : زمن الفراعنة والملكية وما بعد ثورة 52 . مدللا على عبثية تلك الحياة .. ليصل بنا إلى أعلى درجات السخرية .. ولم يكتفي بذلك الوصف للحافلة بل أخذ يصف الشارع وصخب الناس وزحام الخلق وكأننا في مشهد ليوم الحشر . فجأة يقف عن الوصف .. بعد أن انشغلت حواسه بفتاة ظهرت وسط الزحام ملفوفة بعباءة تبين تضاريس قدها المتناسق مع نفور أجزاء من جسدها .. وقد حملت طفلا وإلى جوارها يسير شاب بملامح لينة وشعر يغطي نصف وجهه . ينشغل السارد عما حوله بتلك الفتاة شارحًا حالة الناس وقد يمم الجميع شطر أنوثتها .. الكل يمد يد المساعدة بطيب خاطر .. من يحمل طفلها وآخر شوال تسحبه بين يديها.. وذلك الشاب ذو الشعر يسير كالمخبول إلى جوارها . تصعد الأوتوبيس فتتزاحم الجموع خلفها .. والراوي يتابع المشهد .. وقف البعض يخلون مقاعدهم لتجلس .. لكنها ترفض مفضلة أن تظل واقفة وسط زحام لا يطاق بينما ذو الشعر يجلس . سار الأوتوبيس من محطة إلى أخرى .. وقد اشتركت في جدل حول الثورة والعسكر وأوضاع الناس .. بينما أطراف تتحرش بمؤخرتها وأخرى بصدرها وذلك ذو الشعر لا يحرك ساكنًا .. تنقل طفلها من حضن إلى آخر .. وتمتع شوالها برعاية آخر .. وهكذا يسير الأوتوبيس كسفينة نوح كلما وقف لا ينزل أحد .. الجميع منشغل بتلك الفتاة وبطفلها وشوالها .. وهي تقاوم الزحام وتلصص الأيدي والأعين إلى مفاتنها . الراوي يتساءل بعيون شبقه لماذا فضلت الوقوف ؟ ويلعن المتصابين من تتحمل تحرشاتهم البدنية . حينها اكتشف اختفاء أبو الشعر .. ولم تطل به الحيرة حين رفعت صوتها طالبة السائق أن يتوقف لتنزل . ” أبو شعر اختفى أزاي ما أعرفش ..أتاريه نزل قبلها بمحطة وأنا مش واخذ بالي .. فضل الكل يبص عليها لحد ما اختفت من قدام العيون .. ليكمل السواق رحلته إلى التحرير .. ما فيش دقيقة الكل فاق لنفسه.. وفجأة علت الأصوات : الساعة .. المحفظة .. المرتب .. المحصول بتاع اليوم … حمدت ربنا لم أفقد حاجة غير علبة الكريم …” وإذا كان نص ” إمبابة تحرير” قد عبر عن واقع مرير .. فلا الثورة أخرجت الناس إلى حياة كريمة .. ولا كف العسكر عن لعبهم بالسياسة .. ولا أقتنع المتأسلمين بعدم جدوى أفكارهم واستغلال أوضاع لا تطاق .. وكأن لا أمل ! نص مؤثث بالمفارقات .. والسخرية الواخزة لوصف البيئة الشعبية .. وأجزم لو أن الكاتب وظف تلك القدرات في كتابة سرد ساخر لوجد رواجًا كبيرًا . ضمن نصوص المجموعة .. ما يعالج برمزية أوضاع الثورة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: