السبت , أكتوبر 31 2020

د . رضا محمد طه يكتب : الركوب المجاني

 

  • الراكب المجاني free-rider يمثل معضلة إجتماعية والتي تحدث عندما يسهم كل فرد في مجتمع أو مجموعة ببعض الموارد من أجل مشروع أو عمل مشترك، ثم ينتهز البعض الفرصة ويركبون مجاناً بداخله بحيث يستفيدون من السلع المشتركة دون أن يشاركوا في التكاليف أي أنهم يأخذون بشكل يفوق ما يعطونه للمجتمع.
  • صورة أخري لما سبق تتمثل في الذين يستغلون مجهود الآخرين لصالحهم أؤلئك تَجِدُهم في كل مكان وزمان، في المؤسسات وفي المجتمع بيننا هؤلاء ينتظرون في المساحات الخلفية لحين تحقيق الهدف بأيدي غيرهم ثم يظهرون فجأة في الواجهة ومن ثم يقفزون علي إنجازات ومجهود غيرهم.
  • في إحدي مؤلفاته شبه دكتور “محمد حسين هيكل” رحمه الله هؤلاء الناس بالرجل الذي ظهر له ثعبان كبير أثناء عمله بالحقل وما إن رأه حتي هرع مسرعاً وخوفاً منه قائلاً بأعلي صوته “ثعبان ثعبان” وهرول حتي إبتعد عنه، وكان يعمل بجواره فلاح آخر وعندما سمع ذلك أسرع الي مكان الثعبان وإنقض بشجاعة عليه بفأسه وقتله ثم تركه مكانه وعاد إلي عمله في التو، وبعد أن رأي ذلك من خاف أولاً إقترب من الثعبان ببطيء حتي تأكد من موته ثم حمله وأخذ يصيح مكرراً بين المارة من أهل البلدة قتلنا الثعبان فتجمع الناس حوله كي يتعجبوا من شجاعته المُزيفة.
  • الأعظم إثماً هم أؤلئك الذين يستغلون المجهود الفكري للآخرين-سواء بحكم وضعهم الوظيفي أو لحاجة المتضرر مادياً والذي قد يكون هزيلاً بالنظر للمكاسب التي تعود علي المستفيد. تحرص هذه النوعية من “المستغلين” علي إستمرار وضعهم هذا طيلة وجودهم لذلك يتحايلون بكل ما لديهم من مصادرقوة وألعيب  لتقزيم الآخرين “الصغار” فلا نتعجب من بخل الكبار علي الصغار بخبرتهم أو علمهم أو وضع قيود لا تتيح إطلاق الطاقات الإبداعية والأفكار الإبتكارية لهؤلاء الصغار، وهذا ما يفسر تكرار البعض في مجتمعنا أن مصر تعدم البدائل أو مضطرين  في للإختيار-في ببعض المواقف- بين السيء والأقل سوءاً.
  • يقول دكتور زكي نجيب محمود “من الإنصاف أن يكون الكبير كبيراً لأنه كبير، وأن يكون الصغير صغيراً لأنه صغير، وأما أن يزداد الصغير صِغراً ليزداد الكبر كُبراً، فذلك ما أسميه إجحافاً….حيث لا يصغر الكبير من أجل الصغير، ولا يكبر الصغير ليستوي مع الكبير”.
  • البعض  قد يتماهون ويذوبون في شخصية غيرهم ممن يكبرونهم  حتي لو أتيحت لهؤلاء الفرصة كي يبرزوا ويتفوقوا بعيداً عنهم الآخرين، إلا أنهم يصرون-بمحض إرادتهم- مستمرئين تبعيتهم ودورانهم في فلك غيرهم بما يعكس عبودية نفسية ورضوخ طوعي للآخرين.
  • يقول العقاد “لقد علمتني تجارب الحياة أن الناس تغيظهم المزايا التي ينفرد بها غيرهم ولا تغيظهم  النقائض التي تعيبنا ويكرهون منا ما يُصغرهم لا ما يصغرك، وقد يرضيهم النقض الذي فيك لأنه يُكبرهم في رأي أنفسهم ولكنهم يسخطون علي مزاياك لأنها تُصغرهم أو تُغطي علي مزاياهم…ويضيف عن أجمل الأيام بالنسبة له، إنه ذلك اليوم الذي تردد فيه بين ثناء الناس وبين عمل لا يُثني عليه أحد فألقي بالثناء عن ظهره وإرتضي العمل الذي يذكره ما دام حياً ولم يسمع به إنسان..
  • منذ إنفتاح السبيعنيات ونحن إكتسبنا منه كل سلبياته حيث تغيرت وإختلطت مفاهيم وقيم في مجتمعنا كانت إيجابية وإضطربت الموازين واصبحت السمة الغالبة في تقييم الناس هي مقدار ما يملكه من سلطة أو مال، وأصبح العلم والثقافة والفكر من أرخص الأشياء في نظر البعض مقابل الطحية والإبتذال فضلاً عن المغالاة في كل ما هو مادي، مما جعل أحد المفكرين الراحلين يكتب موجهاً كلامه للسادة الحكام قائلاً “….إنه لا تناسب يا سادتي بين المناصب وشاغليها، فصغيركم يملأ منصباً كبيراً، وكبير يشغل صغيراً، ولا تناسب بين المرتبات والعاملين، فعامل مُنتج ضئيل الكسب، وخامل لا يُنتج عظيم الكسب”  وذلك في إشارة منه لغياب العدل والعدالة الإجتماعية في أغلب بلدان العرب والتي تعد أساس إستقرار البلاد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: