الثلاثاء , يناير 19 2021

محمود رزق يكتب : في حق الآله..


أعلن الكاتب والروائي الكبير (أشرف الخمايسي)؛ عن جديد أعماله رواية “صوفيـَّا هارون” والتي من المنتظر أن تظهر للنور قريباً إن شاء الله. في هذه السطور سنتناول الروائي الفذ، والكاتب الجدليْ، والفنان السابح في بِحار عالم الخلود الأبدي.

قد يعرفه الكثيرين بـ “إله السرد” وهنا لا يمكن القول بأن هذا تكفيراً أو شركاً بالله ـ حاشة لله ـ وإنما هذا اللقب ما هو إلا وصفاً لما يمتلكه الخمايسي من أدوات سردية كبيرة، تلك الأدوات هي ما تُميز الروائي (أشرف الخمايسي) عن غيره من الروائيين الكبار والذي لهم كل الإحترام، إلا أن الخمايسي في مكان ومنطقة سردية لا أجد كاتب عربي يقترب منها، ولكي يتمكن المتربصين من إيجاد ما يكتبوا عنه حول هذا المقال، فلن أبالغ إن قولت: الخمايسي فاق سرده، عمالقة الأدب العالمي أمثال “دستوفيسكي، باولو كوليو” وغيرهم، وهذا من وجهة نظري التي لها قيمة كبيرة، ولن أقلل من شأنها.

** الأديب (أشرف الخمايسي). 
عل عالمنا الأدبي ـ العربي ـ الآن يفتقد إلى الأدب، محتوى وإخراج. فنجد أن الساحة الأدبية تعج بالكُتَّاب، والقصصَّة، والكثيرين ممن يكتبون هري لا يثمن ولا يغني من فِكر، وأدب. بل؛ لا يندرج حتى تحت مسمى أدب رَديئ، وهنا يأتي الخمايسي متربعاً على قمة الأدب ـ من وجهة نظري ـ أستشهد بتلك الرؤية الخاصة من خلال رواياته، وتحديداً الثلاثية الأفضل “الصنم، منافي الرب، إنحراف حاد” فما زخرت به تلك الأعمال من سياق أدبي، بتناسق فكري وبنائي قوي، وتفكيك لغوي يعج بالمفردات الفريدة، وسلاسة سردية، وإعداد حواري لا مثيل له؛ مَكَّنت الخمايسي من فرد عضلاته الأدبية على الساحة العربية، ولو كنت أمتلك القرار لمنحت تلك الثلاثية كافة الجوائز التي رُشِحَّت لها. 
ورياقاً في العم أشرف، أو كما يحب ” إله السرد” فقد زخرت رواياته أدبياً بالآتي:

ـ اللغة: حقيقة في بادئ الأمر؛ عندما قرأت أحدى أعمال (أشرف الخمايسي) لم أكن متمكننا من الكم الكاف في النقد، كي أعرف إن كانت تلك اللغة قوية أو لا، لكني بعدما قرأت الكثير من الكتب النقدية، القديمة والحديثة وجدت أن العم أشرف كتب في رواية “الصنم” باللغة القديمة أدبياً، ثم تدرج بعد ذلك في “منافي الرب” إلى اللغة الأكثر حداثة، ثم في رائعته “إنحراف حاد”؛ أكمل الثالوث اللغوي بكتابته للرواية بالطريقة الحديثة. وهنا تأتي قدرة الخمايسي اللغوية، والتي لم تفلت منه الكلمات أو التفاصيل في السرد الطويل الذي زخرت به الرواية، بسبب شخصياتها المتعددة والمنفصلة، حتى إتصالها.

ـ السرد: لا أن يختلِف عاقلين في الأدب حول سرد الخمايسي في رواياته الثلاث، حيث أنه بلغ سدرة منتهى السرد بطريقةٍ سلسةٍ، تُدخل القارئ في بهو التفاصيل التي لا يمل منها أبداً مهما طالت، فحقاً هو إله السرد، عن صدق.

ـ البناء: يجيد الروائي (أشرف الخمايسي)، البناء والتحضير الجيد لأبطاله داخل رواياته، فلا تجد شخص ظهر فجأة، بالدخول إلى الأحداث دون تمهيد ممنهج لظهوره، وعند ظهوره لا تشعر بالفصلان عن المشهد، بل تشعر باكتمال الصورة بظهور تلك الشخصية، والتي بدورها هي الأخرى تقودك إلى نقص جديد، تكمله شخصية أخرى، وهكذا حتى تستسلم الشخصيات في نهاية الرواية لتكتمل اللوحة الفنية، ويخرج القارئ من الرواية راضٍ، أو ممتعض. لكن؛ لا شيء ينقص العمل.

ـ التفكيك: يمكن القول هنا بأن الخمايسي هو الكاتب الوحيد الذي يضع نصب عينه الإتجاه التفكيكي في النقد الأدبي؛ حينما يخط أعماله، لذلك إذا تناولت أي عمل لذلك الروائي الفذ، وقمت بنقده تفكيكياً ستجد أن الكاتب يعي تماماً ما يكتب، إنها ليست مجرد كلمات أو سطور، أو جمل متتالية، إنها منظومة متكاملة من الكلمات والجُمل، تعمل في خدمة النص. ومنظومة نصوص تعمل؛ في خدمة المشهد. ومجموعة مشاهد تعمل في خدمة العمل ككل. وأعمال كاملة؛ تدور في مجرة الخمايسي الأدبية. لتخرج لنا أعماله السامية في أدبها، والمتألقة في فنها المتفرد.

** الفنان (أشرف الخمايسي). 
إن الأدب يعد جزءً من الفن وليس العكس، وأعلم يقيناً بأن العم أشرف يَعِّي ذلك أيضاً عن ظهر قلب، وذلك ليس بمعرفة شخصية به، لكن ذلك ما يظهر كالشمس في أعماله، وأفكاره الجنونية، والتي يحتاجها الفن أكثر من إحتياجه للعقلانيين، فنجد في كتابات الخمايسي ما يكفي لصناعة أفلام وأفلام، داخل عمل واحد فقط، ولا أنكر بأن أحد أعمال الخمايسي ولَّدت عندي أفكاراً كثيرة لأكتب عنها. وهنا يأتي دور الفنان، وليس الأديب، فالفنان هنا لابد وأن يكون أديباً، ومبدعاً، وموهوباً، ومتمكن أكاديمياً مما يقدمه. حيث التالي:

ـ الذوق الفني: إن القلائل في هذا العالم من يمتلكون فكرة ويحاربوا مقاتلين من أجلها، حتى وإن كانت تلك الفكرة غريبة كل الغرابة، أو جديدة كل الجدة، عن عالمنا الذي نحياة. هذا ما يبرع فيه الخمايسي من خلال فكرة الخلود، وخلافة الإنسان لله في أرضه، حيث تُعد تلك الفكرة جنوناً يهوس الخمايسي به قُراءه في أعماله، ويُتحف به النقاد في رواياته. ويتجلى ذلك في قول “إن الجنون فن، فإن كنت مجنوناً بفطرتك، ستكون مجنوناً حتى في قولك صباح الخير كل يوم” وهذا ما يبرع فيه الخمايسي عن غيره من الكُتَّاب. إنه الجنون العقلاني الحكيم!!

ـ الفِكْر الشخصي: لا يمكن لقارئ أن يستشف من كتابات العم أشرف ماهية شخصيته، أو أفكاره وتوجهاته، وهذا ما يعجز عنه الكثير من الروائيين حالياً، حيث أجد في كتابات الخمايسي، تناقضات كثيرة لما هو عليه عبر الفيس بوك، وأراهن بأن ما هو عليه عبر الفيس بوك غير ما هو عليه في حياته ومعاملاته، وذلك ليس تقلباً، أو تعدد وجوه، وإنما هو تفرد في كل شيء بما يخصه من معاملات، وحقوق. هذا لا ينتقص منه بل يفيده أكثر في جانب تنوع أعماله، وفصل النص عن الحالات المزاجية، والأفكار الشخصية، والمعتقدات الدينية. أرى هنا أن العم أشرف يقف كالمصور الذي يخرج صورة كاملة، بلا أي برامج فوتوشوب، الصورة الكاملة في ثوب أدبي لا يخرج عن إطار الحقيقة في شيء، حتى وإن كان الخيال فيه طاغٍ على النص. فإن كانت الحقيقة في زي راقصة، ما العيب مادامت هي الحقيقة!!

ـ محتوى الفن: قبل كتابة تلك السطور كنت أتحدث مع صديق لي عن أعمال الخمايسي، وكما في السطور السابقة كانت كل كلماتي مديح في ذلك الرجل، إلا إنه إختلف معي حول نقطة “الجنس” في أعمال الخمايسي، وكان رأيه مدعماً بأن الخمايسي أحياناً يستخدم الجنس الغير موظف، والغير مُعد له داخل المشاهد. وهذا أيضا كان تحفظاً مني على بعض المشاهد. والتي أحتاج من الخمايسي النظر فيها. لكن؛ كلانا اتفق على أن الخمايسي لا يستخدم الجنس الكامل، في المشاهد، أو ان صح القول الجنس الإباحي. وهذا ما يغفر النقطة السلبية تلك.

في نهاية هذا الحديث الطويل، لا يسعني إلا أن أبارك بشكل رسمي ككاتب إلى العم أشرف على أعماله السابقة التي أتشرف بقتنائها في مكتبتي الخاصة، ولا يسعني أيضاً مباركته بشكل شخصي عن اقتراب صدور أحدث أعماله رواية “صوفيـَّا هارون”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: