السبت , يناير 23 2021

هاني عزت بسيوني يكتب ….القوى الناعمة للدول .. الثقافة ..

بمناسبة مرور 400 عام على وفاة شكسبير أشهر شاعر وكاتب مسرحي متحدثا ” باللغة الانكليزية ” … يرى البعض – وانا منهم – أن شعبيته اليوم أكبر منها في أي وقت مضى ومنذ تاريخ رحيله عام 1616… فهو احد أهم القوى الناعمة للثقافة البريطانية ..
فاليوم نجد شكسبير جالسًا على رفوف متاجر بيع الكتب في أفريقيا ، وبصفحات ال “lab tops” بالبلدان الاسكندنافية ، وعلى خشبة المسرح وسط الأدغال ، وتُسمع كلماته في اغاني موسيقى البوب وتُقتبس في الأفلام وتُقال في الشوارع .. فقط قل عبارة ” الدنيا مسرح كبير ” او عبارة ” تكون أو لاتكون – To be or not to be – ” بأي لغة .. في أي بلد .. وسيعرف أهله انك تنقل كلام شكسبير …
ومن اهم الأسباب التي تُساق لتفسير أممية شكسبير ونجاحه خارج وطنه أن كلماته الشعرية تسافر بالدرجة الأولى على اجنحة الامبراطورية البريطانية .. فمسرحيات شكسبير تنتشر بمساحة توسع الامبراطورية البريطانية في انحاء العالم كأهم أداة لغسل العقول وللإخضاع ، فقد تم فرضه على الأطفال الهنود لغرس الثقافة والقيم البريطانية وكانت الفكرة الكولونيالية الاستعمارية تقول .. “علموهم شكسبير وسيصبحون مثلكم” .. !!
كما كان من شروط التوظيف بالخدمة المدنية الهندية أن يستطيع المتقدم اقتباس مقاطع طويلة من اعمال شكسبير وحفظها على ظهر قلب ، وقد كان هذا كان اختباراً معتمدًا حتى عشرينيات القرن العشرين ! ..
وسرعان ما رأى الهنود منافع هذه السلعة الأدبية المصدرة اليهم من انكلترا فهم احبوا قصصه ، ولذلك اعادوا كتابتها بلغاتهم المحلية مع تصوير البريطانيين المتسلطين بما يناسب صفتهم الاستعمارية ..
وكانت طبيعة مسرحيات شكسبير تجعل مثل هذه التعديلات سهلة ، فالعديد منها قصص تجري احداثها في اماكن مجردة بحبكات تصلح للكثير من الثقافات والحالات الانسانية … هاملت عن روح الثأر وشاب حائر ، وعُطيل عن عاطفة الغيرة ، والليلة الثانية عشرة كوميديا قديمة تقوم على خطأ في الهوية … هذا هو الجانب العالمي لأعماله الذي يجعلها بلا زمن وصالحة لكل زمن هذا عن الهند ، اما بقية المناطق في العالم فيرى بعض الاوروبيون ان هاملت قصة انتقام … ففي حين أن بعض رواد المسرح الاميركيين يعقدون اليوم بالتشابه بين الملك لير “King Lear” وافول قوة الولايات المتحدة !.. .. كما يبدي الصينيون اهتمامًا بالغًا بمسرحية “تاجر البندقية” لأسباب تعود الى ايام حربهم مع اليابان وشعورهم بتفوقها عليهم … واعتبر الالمان ان في مسرحية حلم ليلة صيف معنى عميقًا يرتبط بالحرب الباردة بسبب الجدار الفاصل في احد مشاهدها الذي يذكرهم بجدار برلين … وغير ذلك من الامثلة ..
الأمر إذن يتعلق في نهاية المطاف بالثقافة واهميتها لكتابة النصوص ..
فبرغم ان كتابات شكسبير تتغير حين تسافر حول العالم وان الكثير من جودتها الادبية يمكن ان يضيع في الترجمة ، لكن تأثير اعماله تبقى مفعمة بألمعيته وتألقه على تركيبة افكار تلك المجتمعات ، فحتى إذا تغيّرت الكلمات يبقى صدى المعنى وايقاعه ذو تأثير كبير لان من اهم سمات كتابات شكسبير اتصافه بالرصد والموهبة الراقية للواقع البشري ، فقد كان يتمتع بمهارات ادبية لصوغ ما يرصده بكلمات ترددت اصداؤها في انكلترا الاليزابيثية اولاً ثم بصداها في ارجاء العالم ..
وكما كانت السينما المصرية احد اهم القوى الناعمة لمصر خلال القرن العشرين وللاسف ضعُفت وبدأت في التلاشي ، فقد كان ولايزال ادب شكسبير هو احد اهم عناصر القوى الناعمة لبريطانيا في العالم ….

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: