الإثنين , يناير 18 2021

مصطفي السعيد يكتب ……العنف السياسي

لماذا يتحول أي خلاف سياسي مهما كان بسيطا إلى صراع، يستخدم فيه كل طرف كل ما لديه من قدرات لتشويه الآخر؟
أهم أسباب هذه الظاهرة أن السلطات المصرية طوال عقود طويلة لا تؤمن في قرارة نفسها بحق أي معارضة في الوجود، ولم تسمح بتواجد الأحزاب إلا لتصبح ديكورا ديمقراطيا خاليا من المضمون، وهي تحدد الإطار الضيق الذي تتحرك فيه المعارضة، سواء بحصارها والتضييق عليها من الخارج، أو باختراقها والسيطرة عليها أو تدميرها من الداخل، والنتيجة أن لدينا أطلالا حزبية مهجورة، وهو ما جعل مراكز ثقل المعارضة تنتقل إلى الجماعات والتنظيمات الدينية، أو المراكز والمنظمات الحقوفية وأحيانا النقابات المهنية. 
وهكذا نجد أن نظامنا السياسي يعتمد على استئصال أي قوة سياسية يمكن أن تنافسه، لأنه يراها إما طامعة في إزاحته عن الحكم، أو مغذية لحركة الإحتجاجات ضده.
وبالفعل نجد أن المعارضة المنبوذة والمهمشة تلجأ إلى التصعيد، ورفع الصوت والتشهير عندما تحين لها الفرصة، ولهذا نجد الاحتجاجات لها طابع فجائي وشديد اللهجة، نتيجة الضغوط المستمرة بالحصار والتهميش والاستئصال، ليكون العنف اللفظي والسلوكي هو المميز لممارستنا السياسية، فلا حوار هادئ وموضوعي للقضايا المطروحة، فلا الحكومة تشرك المعارضة في مناقشة القضايا الوطنية الكبيرة، بل حتى تخفي عنها المعلومات، وإذا استمعت إليها في حوار شكلي، فإنها تسمع بالأذن الصماء، ولا تأخذ بأي من آرائها.
انعكس هذا الاحتقان السياسي على مفردات الخطاب السياسي، فلا نجد إلا نادرا أي صوت هادئ، أما الخصمان فيستخدم أحدهما مفردات “المدح” لكل ما تقوله أو تفعله السلطة، مقابل مفردات “الردح” في الطرف الآخر.
لم نشاهد أي حزب حاكم لم يستخدم أجهزة الدولة في قمع معارضيه أو إضعافهم، والانتخابات بأنواعها لا تجري في صورة صحية سليمة، بل لتأكيد الهيمنة السياسية من طرف على مجمل المجتمع، ولم يسمح بمجرد أن يكون تداول السلطة ممكنا، بل تتوجس من تنامي قوة أي طرف منافس، حتى لو كان متفقا مع الحزب أو السلطة الحاكمة في الكثير من السياسات، فحزب الوفد مثلا يتبنى السياسات الإجتماعية والاقتصادية للطبقة الرأسمالية التي كان يمثلها الحزب الوطني الديمقراطي، ومع ذلك لم نشهد أي تقارب بين الحزبين، سواء في حدوده الدنيا بالتنسيق أو بتشكيل جبهة أو ائتلاف، فهذا من المحرمات، فالسلوك الوحيد السائد هو الاستئصال والتضييق والتهميش.
حتى داخل الحزب الحاكم نفسه لا نجد السماح بوجود آراء مختلفة، أو انتخابات داخلية حقيقية، أو وجود أكثر من نجم أو منافس بين قيادات الحزب، فهو جزب الرجل الواحد والمحيطين به فقط، وممنوع ظهور أي شخصية لها حضورها وتأثيرها داخل الحزب الحاكم نفسه، ولا يرضى حكم الفرد إلا بوجود الطائعين من أنصاف الموهوبين أو محدودي الكفاءة، وهم أقرب للموظفين الذين لا يجتهدون إلا في حدود ضيقة، ولا يظهرون إلا في الهامش.
هذا الوضع البائس للمشهد السياسي في مصر هو السبب الرئيسي لحالات التخبط وعدم الاستقرار، والميل إلى استخدام العنف السياسي بكل درجاته ومفرداته، من السب والتخوين إلى استخدام هراوة الأمن في العمل السياسي، فيتم القبض على من يتجاوزون القانون، الذي تنفرد السلطة الحاكمة وحدها بصياغته وفق رغبتها، حتى أن الحق الدستوري في التظاهر مثلا جرى الغاؤه عمليا بقانون يقيده، ليسمح به وفق شروط، لكن لا يتم السماح بالتظاهر إلا للمؤيدين فقط، لهذا نجد أن التظاهر يأخذ الطابع العنيف، فالشرطة تلاحق من يحاول أو يدعو إلى التظاهر، وفي المقابل عندما ينجح المحتجون في التجمع فإن مطالبهم تكون متطرفة وعنيفة، وتنادي بإسقاط النظام، لنستمر في دائرة عنف لا وجود فيها لمساحة للحوار أو الموضوعية أو التعددية والشراكة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: