الأربعاء , يناير 20 2021

كه يلان مُحَمَد ، يكتب: الموت السعيد أو عدم إرتهان الحياة للخوف

سؤال السعادة هو من بين الموضوعات الأساسية التي شغلت المباحث والأطروحات الفلسفية إذ إحتل هذا الموضوع حيزاً واسعاً في الإشتغالات الفكرية كما أدلت الأديان بدلوها في هذا المجال،وتفتح مسألة السعادة الباب لموضوع أخر وهو محدودية حياة الإنسان،إضافة إلى إدراك هذا الكائن لجملة من الشروط التي تحد من حريته ورغباته في الحياة ،غير أنَّ هذه التعقيدات لم تُثنِ الإنسان عن البحث والتجريب لأنَّه محكوم بالحياة على حدقول (البير كامو) وهو  يتوقف في روايته (الموت السعيد) عند  ثنائية الموت والحياة .

 

ومايُبررُ حالة السعادة واليأس لدي الإنسان كما يقدم رؤيته حول ضرورة الإندماج في الحياة والتناغم  مع إيقاعات الزمن بدلاً من الإقتناع بتصورات معينة حول السعادة، كأن بصاحب (الغريب) يقتفي أثر نيتشة،فالأخير قد رأى بأن ما أضر بالأنسان هو تضحيته بالحياة من أجل مفاهيم مُجَرَدةَ  هنا يحاول كامو معالجة مسألة السعادة بربطها مع مفهوم البساطة وعدم التعقيد.كما أنَّ الموتَ برأي كامو لايُعيقُ ممارسة الحياة بالعنفوان والرغبة الملتهبة.

الفيلسوف الروائي:

بخلاف كل الفلاسفة الأخرين آثر كامو الإبتعاد عن صوغ أفكاره وتصوراته في قوالب نظرية وفلسفية بل بثَّ فلسفته في حنايا أعماله الروائية وهو يقول إذا اردت ان تكون فيلسوفاً فأكتب الروايات.ومن ثمة يرسمُ صاحب (الملكوت والمنفى) الحياة كوحدة مترابطة في أعماله.كماتجد ذلك في الموت السعيد حيثُ لاتنفصِلُ حياة الإنسان عن دورة الطبيعة .

ويصورُ الكاتب بطل روايته (باتريس) في طقوس مختلفة ورودود أفعاله لمايعيش فيه من أوضاع مُتباينة .يشتغل باتريس موظفاً في غرفة التجارة يقضي أوقات فراغه بالمقاهي ومشاهدة الأفلام السينمائية ،لايوجد فرق كبير بين بطل الغريب وبطل رواية (الموت السعيد) إضافة إلى التشابه في الإسم فإن تصرفاتهما مُتقاربة ميرسو باتريس عبثي أيضاً مثل ميرسو في رواية الغريب كما يتورط الإثنان في جريمة القتل .ويعيشان وحيداً بعد رحيل الأُم. وبيوم واحد عقب موت الأًم يعلق بياتريس إعلاناً لإيجار جزء من شقته غير أنَّ الراوي يَنقلُ لك صورة أخرى لباتريس مغايرة لسلكوكه العبثي إذ يُشخص ما يعتمل من الشعور بالفراغ وإختلال في الحياة اليومية لدى باتريس إذ يقارنُ بين حالة الفقر عندما يعيشها مع أمه وحالة الفقر بعد غياب الأم.في الأولى كانت للفقر نكهة عذوبة أما في الثانية فيصبح الفقر اشدُ بؤساً كأنه ينفرد بفريسته.

 

هنا يستعيد الراوي تفاصيل الحياة اليومية ويكشف مايضفيه وجود الأم من الحميمية إلى أشياء بسيطة.يفتتح الكاتبُ العمل بحادث مقتل زغرو على يد مرسو دون أن يتم كشف عن ملابسات هذا الأمر .زد على ذلك فإن الظروف والخلفية التي تجمع الإثنين زغرو ومرسو تظلُ مجهولةً وتتخلل أحداث أخرى في بناء الرواية ويتعرف المتلقي على شخصيات جديدة إلى ان تظهر مارت وهي صديقة مرسو.يتمثل دور مارت كحلقة الوصل بين شخصيتين حيث تعترفُ لميرسو بأنَّها كانت عشيقة لزغرو من هنا تتحول جملة من المسائل الحياتية والوجودية مثل السعادة والحياة والموت والإنتحار إلى ثيمات أساسية في الرواية .

إرادة السعادة:

ينطلق كامو من مفهوم جديد لشرح العلاقة القائمة بين الإنسان والحياة .ويورد ذكر مفهوم إرادة السعادة على لسان شخصية زغرو حيث يتنبى الكاتب تقنية الحوار المطول لعرض رأيين متقابلين .الأول يمثله زغرو الذي صار كسيحا وملازما للفراش واضعا مسدساً.لأن الإنتحار بالنسبة إليه إحدىخياراته .والثاني هو مايعبر عنه مرسو بسلوكياته العبثية .إذ يتفهم المتلقي بأنَّ زغرو شخصية واقعية ولايعيش  في اوهام كما لاينكر دور المال في توفير حياة سعيدة للإنسان لكن لايجد علاقة سببية بين الحالتين إمتلاك المال والسعادة .ويعتقدُ بأن العنصر الأساسى في معادلة السعادة هو إكتساب الوقت .ويجب أن يخدم المال أيضا هذا التوجه .زيادة على ذلك يصرح زغرو بأنه لايريد إختصار حياتهِ ولو حرم من البصر ويديه أيضاً وهذا لايمنعه من التفكير بالإنتحار كأن الحياة والموت متجاوران.وتتخلص فلسفة زغرو للحياة في ثلاث كلمات العمل والألم والحب.هذه الأفكار تأتى متسقة مع مايُسرده الراوى عن إنطباع ميرسو لشخصية زغرو إذ يجده محاطاً بالكتب فهو لايتكلم إلابعد التفكير،أيضاً تعطي مارت تصوراً عن عشيقه السابق تصف إياه بالمرح والقارىء.وينتهي اللقاء المغلف بغلالة فكرية وفلسفية بين الأثنين ومن ثُم يعود بنا الراوي إلى شقة مرسو حيثُ يأخذ البراميلى بإهتمام السارد إذ يصف الأخير بأنّه أصم ونصف أخرس تتركه أُخته وحيدأً عندما يعارض وجود صديقها في الشقة.ومن جديد ينصرف الراوي إلى مرسو وينقلُ خبر قتله لزغرو ومن هنا تتخذ الأحداث منحى جديداً كما تتغير البنية المكانية حيث ينتقل مرسو إلى براغ.غير أن مرسو لايتخلى عن سلوكه العبثي .

بل يصوره الراوي في أشد حالاته عدميةً.ومايشعر به هو الحنين إلى مدن مليئة بالشمس والنساء.لذلك يعود إلى الجزائر إذ يبدأُ فصل جديد من حياة مرسو.وهو يستعيد مضامين كلام زغرو عن إرادة السعادة.

 

الموت في الصومعة:

بعد عودته إلى الجزائر يؤسس لحياة خاصة به ويختار منزله في الطبيعة بين الأشجار تشاركه في (البيت أمام العالم) مجموعة من صديقاته لكن لاتطول إقامته في هذا المكان بل يتجه إلى قرية في الضواحي ويصبح وحيداً.وهو عندما يصاب بالمرض يتصور بأن الحياة لاتتغير بغيابه كما أن لوسيان حبيبته ستكون مصممة على التمتع بأيامها بل تُعطى حنانها ومشاعرها الدافئة لشخص أخر.

 

لاتنظم حبكة متماسكة بناء هذا العمل الروائي حتى الجريمة التي يرتكبها مرسو لايتحول إلى خيط يجمع أجزاء الرواية .ولعل تجد تفسير ذلك الأمر في الموضوع الذي تدور عليه الرواية إذ تهيمن أسئلة وجودية على مساحة هذا العمل .فالرسالة التي أراد الكاتب أن يوصلها هي أن الموت لايبرر الهروب من الحياة فبذلك يخالف كامو أفلاطون فالأخير يقول بأن الحياة تأمل في الموت بينما الحياة لدى بطل كامو هي بحث عن السعادة في اليقظات الصباحية حتى لو تكرر هذا البحث بصورته السيزيفية فعليك ان لاتتوقف هذا ماتفهمه من رواية الموت السعيد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: