السبت , يناير 23 2021

محاولة فاشلة لتحويل وجهة النّصيب….نص أدبي للكاتبه هدى الشّابي

في ركن بارد لا تصله الشّمس ، منذ الفجر و الناس نيام _ ينعمون بالدفء و يستهلكون بقايا أحلام لذيذة _ انطلقت في رحلة انتظار بشغف طفولي.

شغف أتدثّر به ، أتقي قساوة موسم بارد طال أكثر من العادة . أفركُ يداي و أحرّكُ ساقاي لأحافظ على سريان الدم فيهما ، تعزّيني رائحة القهوة السّاخنة و اللذيذة الآتية من المقهى القريب تُنعش شاربيها و تُؤنسُ بؤسهم في الصّباحات الحزينة و التى لا قدرة لي على اقتناء كأس منها أرتشفه ببطء ، أتلذذ مرارته و أهضم به ثقل الانتظار وحيدة _المال يخذلني كغيره من كل جميل في هذه الحياة و التي بدورها بالغت في كرمها معي ، فاغدقت علي من المنغّصات أشكال و أنواع.

بدأت الحياة تدبّ في الشّوارع ، و بدأ الناس يتسلّلون من مخابئهم لنيل نصيب منها … ازدحمت المحلات و اكتضّت الشّوارع بأنفاسهم ، تراها تغادر صدورهم و تتشكّلُ رسومات في الجو بفعل البرد …

سافر خيالي مع أنفاسهم و شغلت نفسي في التّفكُّر في معانيها و ألهيتها قليلا عن ما أنا فيه من بؤس.

و خطر في بالي أن أتأمّل ما تشكّله أنفاسي من رسومات. لا أرى شيئا سوى الفراغ .. ربما غيري يرى ذلك أو ربما الأشكال المنبثقة عن أنفاسي بشعة كمنبعها. ارتحت للظّنّ الأخير و اكتفيت بمراقبة المارّة.

خفَّت الحركة ثم عادت فانتعشت ثم سكنت ثم عاودت نشاطها .. و أنا لا زلت أنتظر … حتى ذلك الهاتف البائس أسلم أنفاسه لسباتٍ عميق ، خاو هو من أي رصيد و باردة أوصاله ، خالية من أي نبض.

بدأ شغفي يخفُت و سكنني إحساس بعدم الأهميّة. في الحقيقة الشعور بأنك لست على الأهميّة من شيء يقلّلُ من حماسك لأي شيء فيخفُّ توترك ..

خفّ التوتر و عاد فارتفع منسوبه من جديد ينبع من روحي و يصبُّ في قلبي ، يتدفّق بغزارة و بلا ملل. نال مني كل النّيل ، الى أن أنهكني … و لا أخبار بعد.

البرد يشتدّ . رياح باردة تعبث بالمارّين على رصيف الحياة و نالت مني و لم تستثنيني . تجمّدت أطرافي و تسرّب البرد الى شراييني و غزا كل جسمي و اقتحم قلبي بلا شفقة. المقاومة تضعف تحت وطأة البرد و أميل الى الاستسلام.

طال انتظاري و تسللّ إلى نفسي اليأس و أخذ مني الصّقيع نصيبا … و بدأ الناس ينتبهون لوجودي هناك بلا حراك و يستغربونه ، يرمقونني بنظرات إتّهام و إستهجان ، تساؤل و كثير من التّطفل … نظرت الى نفسي من بعيد ، متّخذة مواقعهم في التّعامل مع الآخر ، فوجدت لهم بعض العذر ..

كانت حالتي رثّة و مزرية… بدأت أثار التّعب تلوح جليّة على وجهي الذي اكتسى اصفرارا على البياض فلاَحَ كأرض بور في أيّام القحط ..

بردَّة فعل سريعة لا أدري من أين منبعها ، انتفضتُّ واقفة و تنفّستُ بعمق ، اندفعت من اعماقي آه طويلة ، كأنها تحررّت من كبتٍ تعسّفي. 
” لازال فيّ بعض القوة” .
كلمات نثرتها بصوت خافت لأعزّي نفسي و أشحنها ببعض التمرّد.

لملمتُ ما تبقى من هدوئي الذي أنفقته على جمر الانتظار … سحبتُ نفسي الثقيلة و عدتُّ أجرّ أذيال الخيبة.

يهاتفني فاعل خير ، مُعلنا أني لو صبرت دقيقتين إضافيتين لا سمعت خبرا يسُرُّ.

كنت منهكة و استهلكني الشكّ و الخذلان ، لم أتمكن من الفرح أو حتى الابتسام … و احترت هل أبكي ام أحزن أم أندم أم أصرخ من الوجع أم كلهم مع بعض …

كالعادة ألقيت بنفسي في دوّامة جلد الذّات … 
و ملقاة أنا الأن ، لا طاقة لي حتى على ذرف بعض قطرات الرّحمة لتخفيف المصاب. 
هامش/
حتى الاخبار الحلوة تصلنا متأخرة ، بعد ان اعتزلنا الفرح.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: