السبت , يناير 23 2021

سيد الهادي يكتب ….شــم النســيم في الأصل مصـري

طعام العيد بمثل الأصابع الخمسة لكف عطاء الربيع

يحتفل جميع المصريين اليوم بأقدم أعياد العالم وهو عيد شم النسيم يوم مولد الربيع الذي ظل قائما منذ عهد الفراعنة حتي اليوم بمثابة عيد قومي يحتفل به المصريون علي اختلاف طبقاتهم وعقائدهم الدينية, وكما يقول د. سيد كريم استاذ التخطيط المدنى في رائعته موسوعة لغز الحضارة المصرية .. لما كانت اعياد قدماء المصريين ترتبط بالظواهر الفلكية وعلاقتها بالطبيعة ومظاهر الحياة فقد كان احتفالهم بعيد الربيع الذي حددوا ميعاده بالانقلاب الربيعي الذي يتساوي فيه الليل والنهار وقت حلول الشمس في برج الحمل, وكانوا يتصورون كما ورد في كتابهم المقدس ان ذلك اليوم هو أول الزمان أو بدء خلق العالم.
كانوا يحددون ذلك اليوم والاحتفال بإعلانه في ليلة الرؤية عند الهرم الأكبر.

وصفوها بقولهم عندما يجلس الألة علي عرشه فوق قمة الهرم وهي الساعة السادسة تماما من ذلك اليوم حين يجتمع الناس في احتفال رسمي أمام الواجهة الشمالية للهرم, حيث يظهر قرص الشمس قبل الغروب وخلال دقائق محدودة وكأنه يجلس فوق قمة الهرم وتظهر معجزة الرؤيا عندما يشطر ضوء الشمس وظلالها واجهة الهدم إلي شطرين لغز الهرم الأكبر واطلق قدماء المصريين علي ذلك العيد اسم عيد شمو أي بعث الحياة.
وحرف الاسم علي مر الزمن وخاصة في العصر القبطي إلي اسم شم واضافوا إليه كلمة النسيم نسبة إلي نسمة الربيع التي تعلن عن وصولها.

ويرجع المؤرخون احتفال قدماء المصريين بذلك العيد رسميا إلي عام2700 ق.م.اي في اواخر الأسرة الثالثة.
وقد نقل اليهود عن المصريين عيد شم النسيم عندما خرجوا من مصر في عهد النبي موسي عليه السلام, وقد اتفق يوم خروجهم مع موعد احتفال المصريين بعيدهم, كما ورد في التوراة و سفر الخروج وقد أشارت كثير من المراجع التاريخية إلي أن اليهود اختاروا ذلك اليوم بالذات للخروج حتي لا يلفت انشغال المصريين باعيادهم النظر اليهم في اثناء هروبهم مع ما حملوه معهم مما سلبوه من ذهب المصريين وثرواتهم.

واحتفال اليهود بالعيد بعد خروجهم ونجاتهم واطلقوا عليه اسم عيد الفصح والفصح كلمة عبرية معناها الخروج أو العبور, كما اعتبروا ذلك اليوم يوم بدء الخلق عند المصريين رأسا لسنتهم الدينية العبرية تيمنا بنجاتهم أو بدء حياتهم الجديدة.
وهكذا اتفق عيد الفصح العبري مع عيد شموا وعيد الخلق عند المصريين, ثم انتقل عيد الفصح بعد ذلك إلي المسيحية لموافقته مصادفة مع موعد قيامه السيد المسيح.

ولما دخلت المسيحية مصر اصبح عيدهم يلازم عيد المصريين القدماء ويقع دائما يوم الاثنين أي اليوم التالي لعيد القيامة, وعن مظاهر الاحتفال بعيد الربيع يستطرد د. سيد كريم حديثه قائلا كان قدماء المصريين يحتفلون بيعد شم النسيم.
كما نحتفل به اليوم حيث بعد الاحتفال به في ليلة الرؤيا يتحول مع شروق الشمس إلي عيد شعبي ضخم تشترك فيه جميع طبقات الشعب, كما كان فرعون وكبار رجال الدولة والعظماء يشاركون الشعب في أفراحه.

فهو العيد الذي تبعث فيه الحياة ويتجدد النبات وتنشط الكائنات لتجديد النوع, ففيه تزدهر الخضرة الخطرة وتفتتح الازهار وتهب نسمة الربيع وهي تحمل رسالة ميلاد الطبيعة بما تحمله البراعم النامية رمز بعث الحياة.
يخرج الناس جماعات إلي الحدائق والحقول ليكونوا في استقبال الشمس عند شروقها, وقد اعتادوا ان يحملوا معهم طعامهم وشرابهم ويقضوا يومهم في الاحتفال بالعيد ابتداء من شروق الشمس حتي غروبها.

وكانوا يحملون معهم ادوات لعبهم والآت عزف موسيقاهم وتتزين الفتيات بعقود الياسمين زهر الربيع.
ويحمل الاطفال زعف النخيل المزين بالألوان والزهور وتقام حفلات الرقص الشعبي علي انغام النادي والزمار ودقات الدفوف تصاحبها الاغاني والاناشيد الخاصة بعيد الربيع.

كانت صفحة لنيل تمتليء بالقوارب التي تزينها الزهور وغصون الاشجار المثمرة ونقشت علي اشرعتها كلمات الترحيب والتهنئة بعيد الربيع.
كما كان لشم النسيم اطعمته الخاصة المفضلة وما ارتبط بها من عادات وتقاليد اصبحت جزءا لايتجزا من الاحتفال بالعيد نفسه والطابع المميز له والتي انتقلت من المصريين القدماء عبر العصور الطويلة لتفرض نفسها علي اعياد الربيع في انحاء العالم القديم منه والحديث.

ومختلف اعياد الربيع في العالم واصطلح الغربيون علي تسميه البيض علي موائد اعياد الربيع باسم بيض الشرق وبدأ ظهور البيض علي مائدة اعياد الربيع مع بداية احتفال المصريين بعيد شموا وعيد بداية الخلق.
حيث كان البيض يرمز إلي خلق الحياة, كما ورد في متون كتاب الموتي واناشيد اخناتون.
الله وحده ولاشريك له خلق الحياة من الجماد فاخرج الفرخ من البيضة.

وهو يخلق الارض ويكونها علي شكل البيضة التي شكلها من الجماد الصلصال ونفخ فيها الروح فدبت فيها الحياة.
وهكذا تصدر البيض مائدة شم النسيم كإحدي الشعائر المقدسة التي تركز لعيد الخلق.

اما فكرة نقش البيض وزخرفته فقد ارتبطت بدورها بعقيدة قديمة ايضا وهي اعتبارهم ان ليلة العيد هي ليلة القدر التي يستجيب فيها الاله لدعاء من يرجوه فكانوا ينقشون علي البيض الدعوات والامنيات ويجمعونه في سلال من زعف النخيل الاخضر ويتركون في شرفات المنازل أو تعليقها علي فروع الاشجار بالحدائق حتي تتلقي بركات نور الالة عند شروقه فيحقق دعواتهم فيبدأون العيد بتبادل التحية بدقة البيض وكان البعض يعتقد أن البيضة التي لاتنكسر هي التي استجاب الالة لدعوات صاحبها.
كما اعتاد المسيحيون بعد ذلك ان يصبغوا البيض باللون الأحمر ليذكرهم دائما بدم المسيح الذي سفكه اليهود, وقد تباري فيما بعد فنانو الشعوب في ابتكار مختلف وسائل تلوين البيض وزخرته ونقشه تعبيرا عن فرحة الشعوب بعيد الربيع.

اما الفسيخ: وكما ظهر البيض مع بدء الاحتفال بعيد الخلق كاحد ي الشعائر المرتبطة بالعقيدة, كذلك ظهر الفسيح أو السمك المملح من بين الاطعمة التقليدية في عيد شم النسيم في الأسرة الخامسة عندما بدأ الاهتمام بتقديس النيل نهر الحياة الذي كان ماؤه الذي ينبع من الجنة هو مصدر الحياة لارض مصر وشعبها, كما ورد في كتاب التوحيد ان الاله الواحد خلق نفسه بنفسه وخرج من ماء المحيط الازلي فكان عرشه علي الماء.. ومن الماء خلق كل كائن حي.
فالحياة في الارض بدأت في الماء ويعبر عنها بالسمك الذي تحمله مياه النيل من الجنة, حيث ينبع.

هكذا احتل السمك مكانة مقدسة بجانب البيض علي مائدة شم النسيم, حيث يعبر كل منهما عن سر الوجود اي الخلق والحياة.
وقد برع المصريون القدماء في مختلف عمليات صيد الاسماك وتجفيفها وتمليحها وصناعة الفسيخ والملوحة, كما ذكر هيرودوت انهم كانوا يأكلون السمك المملح في هذا الوقت من السنة لانهم يرون أن اكله مفيد في الوقاية من تقلبات الجو في فصل الربيع.

وكذلك وظهر البصل ضمن اطعمة العيد المميزة في أواسط الأسرة السادسة وقد ارتبط ظهوره, كما ورد في احدي برديات اساطير منف القديمة التي تروي ان احد ملوك الفراعنة كان له طفل وحيد وكان محبوبا من الشعب وقد اصيب الأمير الصغير بمرض غامض عجز الاطباء والكهنة السحرة في معبد منف عن علاجه واقعد الأمير الصغير عن الحركة واضطر إلي ملازمة الفراش لعدة سنوات امتنع الشعب خلالها عن اقامة الافراح مشاركة للملك في احزانه.
فاستدعي الملك الكاهن الأكبر لمعبد أون معبد اله الشمس الذي نسب مرض الأمير الصغير إلي وجود ارواح شريرة تسيطر عليه وتشل حركته بفعل السحر الاسود, وأمر الكاهن باحضار ثمرة ناضجة من ثمار بصل الربيع الذي حان موسمه ووضعها تحت رأس الأمير في فراش نومه عند غروب الشمس بعد ان قرأ عليها بعض التعاويذ, ثم قام بشقها عند شروق الشمس ووضعها فوق انفه لينشق عصيرها, كما طلب منهم تعليق حزم من اعواد البصل الاخضر الطازج فوق السرير وعلي ابواب الغرفة وابواب القصر لطرد الارواح الشريرة.

وتشرح الاسطورة كيف تمت المعجزة وغادر الطفل فراشه وذهب ليلعب في الحديقة وقد شفي من مرضه الذي يئس الطب في علاجه.
فاقام الملك الافراح في القصر وتصادف حلول عيد الربيع مع هذا الاحتفال فاقام الشعب اعلانا منهم للتهنئة بشفاء الامير بتعليق حزم البصل علي ابواب منازلهم, واحتل البصل مكانه علي مائدة شم النسيم بجوار البيض والفسيخ واعتبره الفراعنة من النباتات المقدسة.

والخس: من النباتات المفضلة التي تعلن عن حلول الربيع باكتمال نموها ونضجها وقد عرف ابتداء من الأسرة الرابعة, حيث ظهرت صوره في سلال القرابين بورقه الأخضر الطويل وعلي موائد الاحتفال بالعيد.
واعتبره المصريون القدماء من النباتات المقدسة الخاصة بالمعبود من اله التناسل والذي كان يزدهر نموه في موعد عيد شم النسيم وكان يصدر من مدينة أخميم إلي جميع انحاء البلاد في موسم عيد شم النسيم, وقد اثبت العالم الحديث أن التركيبة الطبية الخاصة بالخس ومركباته وزيوته وزيوت بذوره التي تحوي بجانب فيتامين هـ نسبة عالية من فيتامين ج واملاح الكالسيوم والفسفور والحديد ووصفوا أثرها في علاج امراض الجهاز الهضمي والعصبي وقرحة المعدة والامراض الروماتيزمية بجانب أثرها الفعال في مقاومة وعلاج امراض الربيع اسوة بما تقدمه مائدة شم النسيم من الاطعمة المميزة الأخري اومة امراض الربيع.

اما ثمرة الحمص الأخضر ويطلق عليها قدماء المصريين اسم حور ـ بيك أي رأس الصقر شكل الثمرة التي تشبه رأس حور الصقر المقدس.
كانوا يعتبرون نضج الثمرة وامتلاها اعلانا عن ميلاد الربيع وهو ما أخذ منه اسم الملانة أي الملآنة, كما وصفوا الملآنة بانها الاجراس التي تعلن عن قدوم الربيع عندما يهزها نسيم الصباح فسيمع صوت حبات الحمص وهي تتراقص داخل قشرة الملانة عند نضوجها وتدعو الناس لاقتطافها وحملها إلي موائد العيد.

وهكذا تكتمل مائدة شم النسيم التي توصف بانها كف عطاء الربيع باصابعه الخمسة, حيث تمثل اصناف الطعام الخمسة التي لايمكن فصلها عن بعضها.
ويظل عيد شم النسيم عيدا للطبيعة ومولدا للربيع قائما من عهد الفراعنة حتي اليوم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: