الأربعاء , يناير 20 2021

مصطفي السعيد يكتب …..استراتيجية “شيء من الخوف” تتحطم على سلالم نقابة الصحفيين

الشرطة تقول لكل مواطن أنت تحت المراقبة والمساءلة في كل لحظة 
الرعب أداة الحكم .. أم العدالة والرضا؟؟
تصوب أجهزة الأمن كل أسلحتها تجاه مقر نقابة الصحفيين في 4 عبد الخالق ثروت، لاعتقاد قادتها أنها الخطر الأكبر الذي يهدد كيان وزارة الداخلية، فالعداء بين الصحافة والأمن بلغ ذروته، بعد التعثرات المتوالية للأمن في الكثير من القضايا والأحداث، بدءا من ارتفاع وتيرة الاحتجاجات العمالية والفئوية، إلى قضية مقتل الباحث الإيطالي ريجيني، وحتى قضية التنازل عن جزيرتي تيران وصنافير، مرورا بحوادث الاعتداءات الفردية المتكررة من الشرطة على المواطنين.
لا ترى الشرطة أن العيب بها، أو أنها مقصرة، بل تلعب على توسيع نطاق التخويف كأداة مضمونة للسيطرة، فالخوف هو المحرك الأول للسلوك، وإذا ما نجحت في إشاعة الخوف على نطاق واسع، فيمكنها أن تسيطر على كل الفئات، وتعتقد الشرطة أنها كان يمكن أن تسيطر على الأطباء بعد حادث المطرية، لكن نقابة الأطباء وجدت دعما من الصحافة، وهو ما أفشل قدرتها على توسيع نطاق الخوف، ورأت أن تبدأ بالمعركة الأهم والأكثر حسما، وهي استهداف نقابة الرأي، ومقر النقابة الذي أصبح رمزا للتعبير عن هموم الشعب بمختلف فئاته.
وعندما نجحت مظاهرة 15 ابريل التي تجمعت حول سلم النقابة، لكن أعدادها بلغت الآلاف رأت الشرطة أن الوقت المناسب للإنقضاض على الصحفيين ونقابتهم قد حان، وبدأت في الترويج لمخاطر الصحافة على الدولة والاستقرار المنشود، ولهذا لم تكتف الشرطة بفرض الحصار المشدد
على محيط نقابة الصحفيين يوم 25 أبريل لمنع المحتجين على التنازل عن تيران وصنافير من الوصول إلى مكان التجمع أمام مقر النقابة، بل قررت التنكيل برمزية “سلم نقابة الصحفيين”، وأدخلت عدة سيارات تحمل مكبرات للصوت وعدد يبدو أنهم من المشتبه بهم المحتجزين في أقسام الشرطة، أو من كتيبة “العمليات القذرة” وارتدى بعضهم زي الجيش المصري، وحمل آخرون صورة الرئيس السيسي، وأخذوا يرقصون على سلم النقابة وهم يرددون الشتائم، بينما كان الشارع خاويا والنقابة مغلقة، وحرصوا على تسريب صور وفيديوهات لهذا الطقس الهستيري شديد التقزز، وكأنهم يعلنون انتصار كتيبة العمليات القذرة على صرح نقابة الصحفيين، في رسالة تقول “سنواجهكم بمثل هؤلاء”، علاوة على بث صور إباحية لأحد الإعلاميين للتأكيد على رسالة أن الشرطة سوف تستخدم كل أساليب التشهير والقمع.
لكن يبدو أن الشرطة رأت أن الرسالة لم تكن كافية، ولم تحقق غرضها، خاصة عندما تصدى مجلس النقابة لهذه الهجمة، وأعرب عن استعداده للزود عن النقابة، فجاء استدعاء أحد أعضاء مجلس النقابة في اتهامات بنشر أخبار كاذبة وغيرها من التهم الجاهزة والمعروفة، ولم تفلح أيضا، فقررت الشرطة المضي قدما، وجهزت تجريدة جديدة لغزوة “الأحد الأسود”، بأن تقتحم مقر النقابة، وتلقي القبض على اثنين من الصحفيين في حادث هو الأول من نوعه منذ إنشاء النقابة قبل 75 عاما، وأثناء الاحتفال باليوبيل الماسي لأعرق نقابة للصحفيين في المنطقة، وقبل يومين فقط من الإحتفال باليوم العالمي للصحفيين، واجتماع المجلس الدولي للصحفيين، في لفتة تؤكد إما أنها تريد “تجريس” الدولة في المحافل الدولية، وتؤكد الشبهات حول انتهاكات الداخلية، أو أنها خلعت “برقع الحياء” فلم يعد يهمها فضائح أو تجريس، وليحدث ما يحدث.
عملية الهجوم كانت بالقطع لحساب الشرطة بالأساس، فهي ترى أن معظم مشاكلها سببها الصحافة والفيس بوك، وتخطط للتخلص منهما، ليسهل عليها بث الخوف في أوصال النقابات والأحزاب وجميع منظمات المجتمع المدني تباعا.
تعتقد الشرطة أن الصخافة هي من بث الكراخية بين المواطنين والشرطة بكشفها عما يحدث من انتهاكات في أقسام الشرطة والكمائن وغيرها من أماكن التحقيق والاحتجاز، وما يفعله أمناء وضباط الشرطة، وما شاعت قصة مقتل بائع الشاي قرب الرحاب، برصاصة من أمين شرطة رفض دفع ثمن كوب الشاي، ولا قصة سائق الدرب الأحمر الذي تلقى رصاصة في الرأس بدل الأجرة من أمين شرطة، ولا مئات بل آلاف الإنتهاكات “الفردية” اليومية
ومازالت الشرطة تعتقد أن الصحافة المصرية هي المسئولة عن الضجة حول مقتل الباحث الإيطالي ريجيني، وشنت حملة من خلال لجانها الألكترونية على الصحافة، وقالت إنها من تزود الصحف الإيطالية والأجنبية بالمعلومات، وتنشر الأكاذيب ثم تنقلها عن الصحف الأجنبية، ولهذا فإنها تشكل خطرا على المصالح المصرية.
كما ترى أن نشر الصحف لوثائق تثبت ملكية مصر لجزيرتي تيران وصنافير عمل عدواني هدفه إثارة الجماهير، وليس دورا وطنيا للدفاع عن تراب مصر، وترى أن حملة الصحافة متواصلة حول الجزيرتين، بهرضها آراء لقانونيين وخبراء تنتقد التنازل عن الجزيرتين، وتشكل رأيا عاما رافضا للتنازل، وهو ما يسيء إلى القيادة السياسية، ويشكك في وطنيتها.
لكل هذه الأسباب وغيرها كانت الشرطة ترى أن تلطيخ نقابة الصحفيين وتشويه سمعتها وتخويف أعضائها ومن يتعاطف معهم مهمة وطنية
ولهذا بدأت تهيئة الأجواء بتكثيف الحملات الدعائية ضد الصحافة المكتوبة والألكترونية والقنوات الفضائية والفي بوك للسيطرة الإعلامية الكاملة على كل أدوات التواصل، حتى نشر تسجيلات التنصت على بعض الشخصيات كان الهدف منه إثارة خوف الجميع عندما يتحدث في الموبايل أو يبرسل رسالة، وإشعاره بأنه مراقب حتى في غرفة نومه.
ولم يكن الإعلان عن أن صفحات الفيس بةك تحت الرقابة، واستدعاء أشخاص لمساءلتهم عما كتبوه على صفحاتهم على الفيس بوك وتويتر إلا سيرا في اتجاه ترويع المجتمع، ونشر ثقافة الخوف، وترى أن ترك المواطنين يكتبون بحرية وجرأة سوف تكون له عةاقب وخيمة، وسيفاجأون بثورة جديدة مشابهة لما حدث في 25 يناير، التي مازالت تشكل عقدة نفسية للشرطة، لم تستطع تجاوزها، وجعلتها أكثر ميلا للشراسة وعدم التسامح في أبسط حقوق الحريات العامة والشخصية، وتكرر رسالة أن الجميع تحت المراقبة، وأن الجميع عرضة للمساءلة والحبس.
.
هذه النظرةشديدة الخطورة لمفهوم الأمن هي العقيدة الحقيقية لدى كبار ضباط الشرطة، لأنهم لا يستطيعون اتباع سياسة بديلة، أولا لأنهم اعتادوا هذه السياسة وإن كان على نطاق أضيق، وتمرسوا فيه واكتسبوا مهاراته، بينما السياسة البديلة التي تقوم على جسر الهوة بين الشرطة والمجتمع تحتاج جهد وكفاءات غير متوفرة وغير ممكنة.
وحتى يتم تهيئة المجتمع واقناع باقي أجهوة الدولة بتوسيع سياسة الترويع، يجري تضخيم فكرة وجود مؤامرات دولية على مصر، ومخططات لهدم الدولة، رغم أن معظم البلدان وطوال التاريخ هناك مؤامرات، لكن يتم وضعها في حجمها وإططارها ووضع سبل تجنبها ومواجهتها، لكن المؤامرات التي يتم الترويج الواسع لها والتهويل من خطرها تقوم بها جهات مجهولة، أو جهات كثيرة متنوعة، وبتم نشر مخططات بها الكثير من المبالغات لنشر ثقافة الخوف.

قد يكون لنشر ثقافة الترويع بعض النتائج الطيبة والسريعة للشرطة، لكن الضربات الاستباقية وكثرة الانتهاكات، وتوسيع دائرة الأعداء من شأنها أن تجر المجتمع إلى مخاطر أكبر، وأهمها فقدان الشعب لليقة في قدراته وقادته، كما أن سد الخوف قد ينهار في أية لحظة بتراكم عمليات القمع والتخويف، وعندها سيندفع طوفان من الغضب والكراهية والثأر، غالبا ما تكون عواقبه أكثر مأساوية.
إننا أمام مفترق خطير، إما السكوت على انتهاج سياسة الترويع التي سوف تتسع وتتعمق، بما لها من مخاطر، أو نقرر إعادة بناء عقيدة جديدة للشرطة، وهو ما يتطلب تغييرات واسعة في الشرطة وآليات الحكمن وإعادة بناء مجتمع مدني ومتطور بحق، قادر على استيعاب مفهوم الشراكة وتداول السلطة، وحكم دولة المؤسسات.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: