تقارير وتحقيقات

تغيير”العقيدة القتالية للجيش المصرى ” تحولة لقوة اقليمية كبرى

 

يعتبر الجيش المصري من أقدم الجيوش النظامية في العالم حيث يذكر التاريخ أن الجيش المصري يرجع تاريخه منذ الدولة القديمة وتوحيد الملك مينا القطرين عام‏3200‏ ق‏.‏ م بعد أن قضي علي الفتن وكان الجيش المصري في جميع أسر الدولة القديمة من أقوي الجيوش‏.‏

وفي الدولة الحديثة استطاع الملك رمسيس الثاني خوض العديد من الحروب التي انتصر فيها الجيش المصري علي الحيثيين والرومان والاغريق وكان من أهم قوة الجيش المصري أنه لم يكن يعتمد علي المرتزقة الاجانب بل كل أفراده من المصريين وذلك من خلال نظام الخدمة الالزامية والاستدعاء للخدمة أثناء الحرب

ثم جاء أحمس والذي يعتبر مؤسس الدولة الحديثة حيث هزم الهكسوس الذين غزوا مصر عام‏1789‏ ق‏.‏م وظلوا بها لمدة قرن كامل يحتلون البلاد حتي استطاع أحمس هزيمتهم وطردهم منها‏.‏

30

“الاطماع المستمرة فى الاراضى المصرية”

وبعد ذلك أيقن المصريون أن الشعوب الاخري من الجيران المحيطة بهم تطمع في احتلال أرضهم فتغيرت العقيدة القتالية المصرية من الدفاع إلي الهجوم وأصبح الجيش المصري أقوي جيش في العالم وبفضله ظهرت أول امبراطورية في العالم وهي الامبراطورية المصرية التي امتدت من تركيا شمالا إلي الصومال جنوبا ومن العراق شرقا إلي ليبيا غربا‏.‏

وقد قدمت العسكرية المصرية القديمة العديد من القواد العظماء ولكن يعتبر الامبراطور تحتمس الثالث هو أنبغهم حيث حقق الانتصارات في الكثير من المعارك التي خاضها ومن أشهر المعارك المسجلة باسمه معركة مجدو والتي مازالت تدرس حتي اليوم في جميع الأكاديمية العسكرية وظلت قوة المصريين واضحة في الجيش المصري حتي العصر الاسلامي حيث نقل عن رسول الله صلي الله عليه وسلم حديثه إذا فتح الله عليكم مصر فاتخذوا فيها جندا كثيرا فإنهم خير أجناد الأرض وهم في رباط الي يوم الدين ولاينسي التاريخ كيف حرر الجيش المصري مدينة القدس من أيدي الصليبيين بقيادة البطل صلاح الدين الأيوبي‏,‏ كما قامت القوات المصرية بدور كبير في الجيوش الاسلامية وكان لهم دور كبير في هزيمة المغول الذين دمروا الدولة الإسلامية العباسية

44

“العقيدة القتالية”

ويقصد بعقيدة الجيوش، من ناحية، التقاليد والقيم والخبرات المتراكمة التى تحكم سلوكيات ومواقف المؤسسة العسكرية فى الحياة العامة، ومن ناحية أخرى يقصد بها تحديد واضح للعدو وللتهديدات التى قد تتعرض لها دولة ما وكيفية استعداد الجيش لمواجهتها.

وتخضع “عقيدة الجيوش “دائماً  لمحددات الأمن القومي، ولكن ولعل تعريف روبرت ماكنمارا وزير الدفاع الأمريكي الأسبق إبان حرب فيتنام في كتابه “جوهر الأمن” حين يقول: “إن الأمن القومي هو كافة التدابير الواجب اتخاذها سياسيًا وعسكريًا واقتصاديًا واجتماعيًا وثقافيًا للحفاظ على كيان الدولة ووجودها”،

وتلك التدابير تنبع بالأساس مما تفترضه الأبعاد الجيواستراتيجية للدولة من تدابير لازمة للحفاظ على كيانها ووجودها، ومنه تتكون نظرية الأمن القومي الخاصة بالدولة، التي هي بالواقع ملاحظة واستنتاج لما اتخذته الدولة من تدابير للحفاظ على وجودها على امتداد تاريخها.

وتم تأسيس الجيش المصري الحديث كأول جيش نظامي حديث في عهد محمد علي باشا الذي تولي الحكم عام‏1805‏ والذي يعتبر مؤسس مصر الحديثة حيث كون جيشا من المصريين لأول مرة بعد أن ظل فترة الجيش حكراعلي غير المصريين خاصة المماليك

“محمد على وتغيير العقيدة القتالية”

وقام محمد علي بتغيير العقيدة القتالية وأنشأ أول مدرسة حربية تقوم بإعداد الجنود والضباط علي الطراز الحديث عام‏1820‏ بمدينة أسوان‏,‏ كما قام بإنشاء العديد من الترسانات لتمويل الجيش المصري بأحدث المعدات كالبنادق والمدافع والبارود وأنشأ الترسانة البحرية بالقاهرة والاسكندرية‏.‏

32

“التجنيد اجبارى”

وقد كان التجنيد إجباريا في عهد محمد علي وكان تعداد الجيش المصري‏520‏ ألف جندي تحت قيادة ابراهيم باشا ثم جاءت مرحلة الاحتلال الفرنسي ثم الانجليزي والتي عمل خلالها المحتلون علي إضعاف الجيش المصري حتي جاءت نكبة‏48‏ عقب قرار الحكومة البريطانية بإنهاء الانتداب البريطاني علي فلسطين ليفاجأ العرب ومعهم مصر بإعلان قيام دولة إسرائيل في فلسطين فتدفقت الجيوش العربية من مصر وسوريا والعراق وإمارة شرق الأردن علي فلسطين ونجحت في تحقيق انتصارات علي قوات الصهاينة فتدخل مجلس الأمن التابع للأم المتحدة

وفرض وقف إطلاق النار في‏10‏ يونيو‏1948‏ وهدنة لمدة‏4‏ أسابيع و في‏8‏ يوليو‏1948‏ قام الجيش الاسرائيلي باستئناف القتال مرة أخري وتعرضت القوات العربية لسلسلة من الهزائم ومنها مصر بعد أن أفسد عملاء الانجليز الجيش المصري بإمداده بأسلحة فاسدة واستطاعت اسرائيل فرض سيطرتها علي مساحات واسعة من فلسطين وتدخل مجلس الأمن مرة ثانية وفرض الهدنة الثانية بإنتهاء المعارك في‏21‏ يوليو‏1948‏ وكان قبول العرب للهدنة بعد تهديدات مجلس الأمن اعترافا بالهزيمة التي لعب الاستعمار دورا كبيرا فيها‏.‏

“نكبة 48”

وكانت نكبة‏1948‏ سببا في رفض الجيش المصري للأوضاع الفاسدة وقبول الهزيمة التي لاذنب له فيها ومن هنا ظهرت حركة الضباط الاحرار وكانت ثورة‏23‏ يوليو‏1952‏ والتي طالبت بعودة الجيش المصري لاشراف أبنائه عليه ورحيل الانجليز عن البلاد ونفي الملك إلي خارج مصر‏.‏

35

كان انتصار الضباط الاحرار هو أول طريق لعودة الجيش المصري إلي قوته وأمجاده السابقة ولهذا كانت أول خطوة قام بها الزعيم جمال عبد الناصر بعد توليه رئاسة البلاد هو رفع قوة الجيش وزيادة عدده وإدخال نظام التجنيد الاجباري وتزويده بالأسلحة الحديثة حيث اتجه إلي التحالف مع القوي الشرقية خاصة روسيا لاستيراد السلاح بعد أن رفضت العديد من الدول الغربية إمداد الجيش المصري بها وكانت هذه هي بداية إزدهار الجيش المصري واستعادة قوته‏.‏

و الجيش المصري جيش نظامي وطني ومحترف، مكون من جميع الطبقات والأطياف، مسلمين ومسيحيين. وان الادعاء بعدم مرونتة غير حقيقي، لأن الخبرات العسكرية ممتدة ومتجذرة، ويكفي القول إن الجيش المصري هو الوحيد الذي خاض خمس حروب كبيرة في القرن العشرين، بما فيها حرب الاستنزاف.

“الدولة الحديثة” الأمن المصري لا يتحقق إلا بالتكامل مع أمن الشام،

ويوضح مما سبق  ان الأمن القومي المصري لا يتحقق في وضعه الأمثل إلا بالتكامل التام مع الأمن السوري أو الشام عمومًا، وبكل المراحل التاريخية المصرية كان على الدوام هناك محاولة لتطبيق هذا الأمر بداية من حملات رمسيس الثاني على الحيثيين، والتي كانت ذروتها معركة قادش، ثم مرورًا بزحف صلاح الدين الأيوبي للسيطرة على الشام بعد أن استتب له الأمر بمصر ومات نور الدين زنكي سلطان حلب، ثم مرورًا إلى حملة نابليون على الشام بعدما استتب الأمر له بمصر، ثم حملتي إبراهيم باشا على الشام كذلك تحت حكم أبيه محمد علي،  ثم أخيرًا تجربة جمهورية الوحدة بين مصر وسوريا بالعهد الناصري.

كل هذا كان يمثل إدراكًا أن الأمن المصري لا يتحقق إلا بالتكامل مع أمن الشام، ومحاولة ترجمة هذا الإدراك إلى فعل بطريقة أو بأخرى، وإنه لن تستتب الدولة المصرية إلا أن يكون ارتباط الشام بها ارتباطًا مصيريًا، قبل أن يكون محاولة للاستجابة للأخطار والتهديدات بكل حالة ( الحيثيين – الصليبيين – العثمانيين – إسرائيل)

 

34

الاستقلال عن الدولة العثمانية

ومع دخول الدولة العربية بزمن الاستقلال سواء عن الخلافة العثمانية أو المستعمر الغربي، وأسئلة دولة الاستقلال الملحة، وصعود القومية العربية كأول إجابة على أسئلة دولة الاستقلال، وخاصة أطروحات “ساطع الحصري” الذي يمكن وصفه بماركس إيدولوجيا القومية العربية، وكذلك تزامن تلك الحقبة مع صعود عبد الناصر، فتم تطوير تلك الأطروحة السابقة لتكون أن الأمن القومي المصري لا يتحقق إلا بالتكامل مع كافة دول الهلال الخصيب أي (سوريا – العراق – الأردن – لبنان ) وأنه لا يمكن طرح مشروع جدي لمواجهة شاملة مع العدو الإسرائيلي إلا بعد تحقيق هذا التكامل، بل كان تلك هي الإجابة الناصرية على سؤال المواجهة مع إسرائيل، ولعل هذا هو المدخل لحركات التحررالتى دعمتها الدولة الناصرية، ومحاولات الوحدة المتكررة، وأبرزها مشروع الوحدة الثلاثي بين مصر وسوريا والعراق سنة 1963.

“السادات _مبارك”

وبالرغم من التغير الجذري بالسياسة الإقليمية والدولية المصرية وبوصلتها بالعهدين الساداتي والمباركي إلا أن تلك النظرة ظلت حاكمة، وهي المدخل لمشاركة مصر غير العلنية بجانب العراق في الحرب العراقية الإيرانية بالثمانينات، إلى الحد الذي جعل أمين هويدي – مدير المخابرات المصرية السابق – يرى أن هذا التكامل هو مدخل الأمن القومي العربي الشامل في كتابه “الحرب العراقية الإيرانية وأزمة الأمن القومي العربي”، وظلت تلك النظرية يُعمل بها حتى هبت رياح “عاصفة الصحراء” وشاركت مصر بها مشاركة رسمية  ثم شاركت مشاركة أخرى غير رسمية باحتلال العراق من خلال الدعم اللوجيستي والاستخباراتي، ويجدر التنويه هنا أن مشاركة مصر بعاصفة الصحراء قوبلت باعتراضات في الجيش المصري سواء من مستوى القيادات العليا أو مستوى الضباط والجنود المقاتلين بعمليات “حفر الباطن” بتلك الحرب، وقد تعاملت القيادة السياسية المتمثلة بمبارك مع تلك الاعتراضات بحسم

 

40

“تدمير الجيش العراقى”_ سوريا_ ما البديل ؟

تم تدمير الجيش العراقي بعاصفة الصحراء، ثم خروج سوريا الآن وإلى فترة ستطول وتمتد مستقبلًا من أي معادلة للأمن، لم يجد العقل الاستراتيجي المصري إجابة لسؤال ما البديل، إلا أن الصدمة الحاصلة بمشاركة مصر في عاصفة الصحراء داخل الجيش المصري والتعامل معها بحسم هي التي شكّلت عقلية وطريقة تفكير القيادة العسكرية المصرية الحالية، ولعلها هي التي تجيب على سؤال “ما الذي تغير في عقلية وعقيدة الجيش المصري”؟ أكثر من محطة كامب ديفيد والسلام مع إسرائيل التي سنتناولها لاحقًا.

“تأمين نبع الحياة”

نتيجة لأن نبع الحياة الأساسي بل الوحيد لكافة سكان مصر، وهو مياه النيل، ينبع من خارج الأرض المصرية، فكذلك كان من التدابير الواجب اتخاذها للحفاظ على وجود الدولة المصرية هو تأمين مصادر المياه لمصر أو تأمين تدفق مياه النيل لمصر، وأتخذ هذا أيضًا طرق عدة عبر التاريخ بداية من العلاقات التجارية والاقتصادية التي أقيمت بالعهد الفرعوني كعلاقة الملكة حتشبسوت مع القرن الإفريقي أو حملة الخديوي إسماعيل الفاشلة على الحبشة، والتي كان فشلها هو أحد الأسباب الرئيسية لاندلاع الثورة العرابية لاحقًا من الضباط المشاركين بتلك الحملة، انتهاءً بالعهد الناصري الذي اعتمد على استراتيجية مكونة من أربعة بنود: الأول هو التكامل مع السودان وتأمين حصة مصر من المياه وإن استلزم هذا دعم الانقلابات بالسودان مثل انقلاب الجنرال عبود، والثاني هو دعم النزعات العرقية والانفصالية بإثيوبيا لكي تظل إثيوبيا بانشغال بداخلها، وكان أهمها دعم مصر لانفصال إريتريا والذي لم تحصد مصر نتائجه بالنهاية، والثالث هو بناء السد العالي للاحتفاظ باحتياطيات واسعة من مياه النيل ببحيرة ناصر تجعل لمصر هامش زمني للمناورة مع أي أخطار تهدد حصتها من مياه النيل، والرابع هو الاعتماد على تبعية الشعب الإثيوبي للكنيسة المصرية في التأثير على الداخل الإثيوبي والذي واجهته إثيوبيا بالنهاية بدفع كنيستها للانفصال عن الكنيسة المصرية، والآن ومصر تواجه أكبر تهديد فعلي لمياه النيل ظهر خلال الأشهر الماضية، لا توجد استراتيجية واضحة وبديلة للتعامل مع هذا التهديد الوجودي،

37

“الجغرافيا السياسية”

ويمكن اعتباره نظرية الأمن القومي المصري نابع من الواقع الجغرافي المصري وما يفرضه من ترتيبات استراتيجية؛ فالجغرافيا المصرية تجعل أي محاولة لغزو مصر من ليبيا تلزم من يقودها بالالتزام بخط الساحل حتى يصل إلى الإسكندرية ويسيطر عليها، ولن يجد العمق اللازم لانتشار قوات الغزو، لذا غالبًا ما تفشل محاولات الغزو من الغرب وأشهرها محاولة رومل التي توقفت عند العلمين.

“سيناء والخطر المستمر”

وسيناء التي جغرافيتها عبارة عن شبه جزيرة مما يعطي القوات الغازية العمق اللازم للانتشار حتى تسيطر على منطقة المضايق، ثم ما إن تسيطر عليها حتى تكون سيطرت على كامل شبه الجزيرة، ثم يصبح الطريق مفتوحًا للسيطرة على مدن القناة الثلاث الإسماعيلية وبورسعيد والسويس، ومن ثم يكون الطريق مفتوحًا للسيطرة على القاهرة من طريق السويس القاهرة.

مثلما تم غزو لمصر منذ الهكسوس مرورًا بالغزو الفارسي ثم الفتح العربي ثم الغزو العثماني انتهاءً إلى هزيمة 67!

39

“الدفاع عن مصر من خارج حدودها”

وبما أن الآن لم تعد أساليب الغزو البحري فعاله في طرق الحرب الحديثة، فلم يعد واردًا أن يكون هناك ثمة تهديدًا جديًا لكيان الدولة المصرية من سواحلها بالبحر الأبيض أو الأحمر، ولكن يبق التهديد الجدي هو الذي يعبر من الشام إلى سيناء والذي بطبيعة الحال زاد مع قيام دولة إسرائيل؛ فلهذا كله تقررت قاعدتان بالعسكرية المصرية:

– العدو يأتي دائمًا من الشرق.

– الدفاع عن أمن مصر يبدأ من جبال طوروس أي أقصى الحدود السورية، أو إجمالاً الدفاع عن مصر يكون من خارج حدودها.

وهو المستوى التالي بعد نظرية الأمن القومي وهو ما يصطلح عليه بالعقيدة القتالية، أي عندما يتم تنزيل نظرية الأمن القومي إلى أهداف مرصودة للمؤسسة العسكرية لتحقيقها.

الآن على كل حال تلك العقيدة القتالية لم تصمد طويلاً أمام الاختبار، خاصة الشق المتعلق بأن الدفاع عن مصر يكون من خارج حدودها.

فبتقييم تجربة الهزيمة بـ67 يرجع معظم المعلقين العسكريين السبب بالهزيمة إلى وجود ثلث القوات المصرية وقتها في اليمن – باستثناء قلة تؤكد أن وجود تلك القوات من عدمها بمصر لم يكن ليغير كثيرًا من مجريات المعركة، إلا أنه مع ثقل هزيمة يونيو 67 الساحقة ثم الانتصار الذي تحقق بـ 73 ترسخ عند العسكرية المصرية قاعدتان بديلتان:

33

– الجيش المصري لا يحارب خارج أرضه.”وتناقض العقيدة القتالية _والامن القومى”

– حرب أكتوبر هي آخر الحروب الشاملة التي يخوضها الجيش المصري وعلى الجيش من الآن أن يسلك مسار توازن القوى والحفاظ عليه بكل الطرق بدلاً من الدخول بحرب شاملة جديدة.

هذا التناقض بين ما تقتضيه نظرية الأمن القومي وبين التغير بالعقيدة القتالية في مسألة الدفاع عن أمن مصر خارج حدودها لعله هو أهم التغييرات التي أحدثتها اتفاقية السلام مع إسرائيل في بنية الجيش المصري وفهمه لمهامه القتالية، بل وظائفه بالسلم والحرب وبالطبع بالقلب منها وظائفه داخل جسد الدولة المصرية، وهذا – برأي الكاتب – الأثر الأهم لاتفاقية السلام، بل حتى أهم من الأثر العملياتي بوجود فراغ استراتيجي من القوى المصرية بسيناء وانكشافها أمام إسرائيل أو تسليم سيناء منزوعة القوى والسيادة للجانب المصري، وكذلك معه ما أحدثته عاصفة الصحراء، كما نوهنا، من تغيرات طارئة أو عدم إمكانية وضع نظرية الأمن القومي المصرية بصورتها المثالية موضع التنفيذ بالتكامل مع الهلال الخصيب.

“عدو واحد “

وخلال العقود السبعة الماضية لم يعرف الجيش المصرى سوى إسرائيل عدوا، ولم ينفصل إيمان الجيش حول العدو عن إيمان جموع الشعب المصرى. واقتنع الجيش بضرورة الاستعداد المستمر لوقوع حرب تقليدية تستخدم فيها الطائرات والصواريخ والدبابات وقطع المدفعية.

وكان لتوقيع الرئيس السابق أنور السادات لاتفاق سلام عام 1979 مع إسرائيل برعاية أمريكية، والذى بدأت معه مصر فى الحصول على السلاح الأمريكى، أثر على توقعات خبراء أمريكيين بضرورة حدوث «تغيير منطقى» فى تعريف العقيدة القتالية للجيش المصرى يتغير فيها موضع إسرائيل كعدو.

36

” نظرية الأمن القومي المصري ”   عبر التاريخ:

الأولى هي مدرسة “ليدل هارت”

وهي تقضي بوجود حشد للقوات ناحية اتجاه رئيسي للقتال يتم التوافق عليه بأنه أضعف نقاط العدو والتقدم في هذا الاتجاه الرئيسي مهما كانت العواقب حتى وإن ترك هذا جيوب مقاومة للخصم ولكن شريطة ألا تكون متصلة، ومن ثم بعد انتهاء الهدف الرئيسي للضربة يتم الالتفاف لتلك الجيوب المقاومة وإزالتها.

الثانية هي مدرسة “كلاوزفيتس”

ومنطقها بالأساس مستند لمسألة بديهية صاغها كلاوزفيتس بعبارته الشهيرة “إن الحرب هي استمرار للسياسة بأدوات أخرى”؛ وبالتالي فمنطق العمليات العسكرية ليس الانتصار بالميدان وإنما تحقيق الأهداف السياسية من الحرب وأهمها هي تركيع وإخضاع إرادة الخصم، ومن ثم يوصي كلاوزفيتس بألا يكون التخطيط للعمليات العسكرية هو اتجاه خطي، كما هو بمدرسة لديل هارت، وإنما يكون سير العمليات بأكثر من اتجاه متوازٍ ومتشابك وعنقودي، بحيث يتحقق بالنهاية هدف شل قدرة الخصم عن أي نوع من الحركة أو تحقيق أي نوع من الانتصار، وهو ما يهيء  للقيادة السياسية تحقيق الهدف السياسي من شن الحرب.

واختصارًا يمكننا أن نعرف الجيش المصري بأنه يتبع المدرسة الشرقية بالرغم من تسليحه الغربي بالكامل منذ توقيع اتفاقية السلام، فمنطقه هو الاعتماد على مظلة دفاع جوي قوية تحقق توازن مع سلاح الجو الإسرائيلي، ومن ثم يتم استنزاف العدو الإسرائيلي بأي حرب قادمة تحت مظلة الدفاع الجوي، مع تنويع مصادر تكوينها وجعلها متنقلة أو إمكانية نقلها لسيناء على مراحل لتفادي الخطأ الأساسي بحرب 73 الذي سمح بثغرة الدفرسوار،

هذا ما يمكن أن نسميه اختصارًا وتلخيصًا العقيدة القتالية للجيش المصري التقليدية، ولكن كل هذا بدأ بالتغير تدريجيًا منذ لحظة عاصفة الصحراء حتى يومنا هذا، فما الذي حدث؟

“تغيير العقيدة القتالية” “2”

بتدمير الجيش العراقي وقت عاصفة الصحراء، أو مع بدء العد التنازلي لتدميره، تولد لدى القيادة المصرية حينها نظرية بأن ينتشر الجيش المصري لحماية أمن الخليج العربي من التهديدات العراقية الآنية والتهديدات الإيرانية المستقبلية، ومن ثم يحل الجيش المصري بنفسه ليملأ فراغ القوة الذي سيحدثه تدمير الجيش العراقي بعاصفة الصحراء.

فكان المنطق ان الجيش العراقي سيدمر سواء أردنا أم لم نرد، فبالتالي علينا أن نكون قومًا عمليين ونملأ بأنفسنا الفراغ الذي سيحدثه ويجعل تدميره خطرًا علينا كمصريين، ويكون هذا بالتنسيق مع القوة العسكرية المتبقية شرقًا المتمثلة بسوريا، وتلك النظرة هي كانت نقطة الارتكاز الأساسية لتوجه القيادة المصرية إلى سوريا لتنسيق انتشار القوات العربية تحت قيادة عاصفة الصحراء، فيما عرف حينها بإعلان دمشق، والذي مثل نقطة التحول الأساسية بنظرية الأمن القومي المصري، بل وبنسبة جزئية السوري في عهد حافظ الأسد، والذي تمثل بأن:

31

“تكامل الامن القومى المصرى بالخليجى”

الأمن القومي المصري يتحقق بالتكامل مع الأمن القومي الخليجي وأن تكون القوة المصرية هي عامل الأمان والحماية للخليج العربي بالتنسيق مع القوة السورية –”بالمناسبة كان مطلب الخليج في أول ومنتصف الثورة السورية ليس تنحي بشار وإنما أن يرجع في صيغة علاقته مع امتداده العربي لبنود إعلان دمشق “-، وهذا يعني بالتبعية أنه حتى يتم إعادة انتشار القوة المصرية لحماية أمن الخليج، فالأمن القومي المصري أصبح مرتبطًا باستمرار السلام مع العدو الذي يأتي من الشرق، أي إسرائيل، ولم يعد بتحقق الردع الشامل والدائم وتحييد مصادر تهديد هذا العدو!

“معضلة الأمن القومى المصري”

لم يتحقق للقيادة المصرية ما أرادت، ورأى الخليجيون أن الاستعانة بالأمريكيين ونشر قواعدهم بالخليج وقطع أسطولهم بمياه البحر الأحمر، سيكون هو صمام الأمان لهم أكثر من انتشار المصريين، وبهذا ازدادت معضلة الأمن المصري تعقيدًا وتناقضًا، إذ كان محدد العلاقة مع الأمريكيين في منظور الأمن القومي – بعيدا عن سياقات ومآلات انتهاء الحرب الباردة بتلك الحقبة – هو أن الأمريكي هو الطرف الضامن لاستمرار السلام مع إسرائيل وأن تظل حرب 73 هي آخر الحروب، ولكن مع انتشار القواعد الأمريكية لحماية الخليج، تطور الأمر إلى أن التكامل مع التواجد الأمريكي بالخليج هو جزء من ترتيب حماية الأمن القومي المصري!

وهذا ترتب عليه نتائج عديدة بالسلوك السياسي المصري، سواء تجاه العلاقة مع الأمريكيين أو مع إسرائيل، أو مسلك مصر تجاه عملية السلام العربية الإسرائيلية،  فكان من تلك الجوانب هو ظهور الوجود العسكري الأمريكي لأول مرة بمصر عبر نقطة ارتكازهم بمطار غرب القاهرة العسكري، وهي ليست قاعدة عسكرية بالمعنى الحرفي، ولكنها نقطة تجميع من أجل الانطلاق والتوزيع بالمهام القتالية على مسرح عمليات الخليج، ثم خط تنسيق واتصال مباشر مع السينتكوم – القيادة الأمريكية العسكرية الوسطى التي تغطي الشرق الأوسط – نتج عنه تحديثًا كاملًا بالمستوى العملياتي والتكتيكي والتسليحي للجيش المصري.

“تأثير حادث 11 سبتمبر “على نظرية الامن القومى المصرى..

كان الحدث الثاني المفصلي بتغير نظرية الأمن القومي المصري هو أحداث 11 سبتمبر وما تلاها من احتلال للعراق، ونحن هنا معنيون بأن 11 سبتمبر نتج عنه صعود الفاعلون من غير الدول كفاعل رئيسي وليس فرعيًا بالعلاقات الدولية، بعدما كان الترجيح أن عصر القطب الواحد الأمريكي الذي آلت اليه أوضاع العالم بعد الحرب الباردة سينتهي إلى عالم متعدد الأقطاب من الدول الصاعدة، ولكن على ما يبدو الآن بتلك اللحظة أننا نتحدث عن عالم أكثر تعقيدًا يحل، يضطلع فيه الفاعلون من غير الدول بأدوار الدول كاملة، سواء كان متمثلًا بالقاعدة أو ما بات يعرف بحركات الإرهاب انتهاءً بداعش، أو حركات المقاومة الوطنية، كنموذج حزب الله أو حماس أو حركات الإسلام السياسي، وبالصدارة منها

وتحديدًا زلزال 11 سبتمبر كشف إلى أي مدى ممكن أن تصل الشبكات من غير الدول إلى التطور والخطورة، خاصة بعدما كشفت الحرب على الإرهاب تطور القاعدة مثلًا إلى امتلاك أسلحة دمار شامل، مثل السلاح الكيماوي، وسعيها لامتلاك سلاح نووي وسلاح عابر للقارات، وهو ما يمكن بالفعل أن يمتلكه الجيل القادم من الجهاديين (تحديدًا نتحدث عما يعرف بالقنابل النووية الصغيرة محدودة المدى والتأثير والقنابل الفراغية.. إلخ).

كل تلك التطورات جعلت أيضًا خطر أولئك الفاعلون الجدد يمثل التهديد الأكبر للدولة المصرية من منظور الأمن القومي، حسب التعريف ، إذ إننا هنا نتكلم عن تهديد جدي لكيان الدولة، ينافسها ويزاحمها ويسحب منها أدوارها ووظائفها السياسية، ومن ثم كان هذا هو المدخل المنطقي لتكون الحرب على الإرهاب ضمن منظومة أهداف نظرية الأمن القومي الجديد.

“ثورات الربيع العربى”

ومع صعود موجات الربيع العربي أصبحت تلك الموجات مهدد حيوي ليس للدولة العربية التقليدية في عصر ما بعد الاستقلال عمومًا فحسب، وإنما تمثل تهديدًا أكبر للدولة الخليجية خاصة، يعادل بحجمه وتأثيره التهديد الإيراني وتهديد “الإرهاب”.

فبالتالي فرض هذا تحركًا جماعيًا من دول مجلس التعاون الخليجي لمواجهة هذا التهديد الجديد، وقدرت الدول الخليجية أن القوة الفاعله الأكثر تأثيرًا بموجة الربيع العربي هي قوى الإسلام السياسي، ومن ثم فمواجهة وتحييد ومحاصرة هذا التهديد، ثم القضاء عليه، هو ما سيزيل خطر الربيع العربي، عنها فكان ما كان من تحرك الخليج – باستثناء قطر – لدعم حراك الـ 30 يونيو، وما نتج عنه من نظام السيسي حاليًا.

نظرية الأمن القومي التي تتشكل الآن بعهد السيسي

أمكن الآن استعادة صياغة أن الأمن القومي المصري يتحقق بانتشار القوة المصرية لمواجهة أي تهديدات متعلقة بأمن الخليج، بعدما فقدت تلك الصيغة وقت عاصفة الصحراء.

الأمن القومي المصري يتحقق بمواجهة تهديدات وتحديات الفاعلين من غير الدول والعابرين لها حيثما كانت، ابتداءً من الإسلام السياسي، إلى الحركات الجهادية، إلى حركات المقاومة الوطنية الغير محسوبة على طرف، أو المحسوبة على الإسلام السياسي (حماس).

“تهديد كيان الدولة المصرية”

الأمن القومي المصري يتحقق بالحفاظ على الوحدة الترابية للدول العربية وحدودها المستقرة منذ الاستقلال ضد أي محاولات للتقسيم أو إعادة ترسيم الحدود، سواءً كان بالنزعات الانفصالية من الكرد وسنة العراق في أقصى الشرق والهلال الخصيب، إلى شرق ليبيا، أو محاولة تكون دول جديدة، سواء أيضًا بالمعنى الحرفي كداعش، أو دول ذات فلسفة مغايرة للنظام الإقليمي العربي كإمارة جبهة النصرة بالمناطق المحررة بسوريا، أو ما يمكن أن ينتج لاحقًا من دولة علوية بالشريط الساحلي السوري، وإذا كان هذا تهديدًا عامًا للدول العربية، فهو تهديد أشد للدولة المصرية، التي لم تعرف إلا نمط الدولة المركزية منذ تكونها بالعهد الفرعوني إلى الآن، ونجاح نزعات انفصالية أو نمط دولة لا مركزية ومحاولة استنساخه بمصر يعد نذير انهيار كامل للدولة المصرية من وجهة نظر المؤسسة العسكرية.

“ملء فراغ القوه بالهلال الخصيب والخليج”

تتطور معادلة الحفاظ على السلام مع إسرائيل بأي ثمن إلى علاقة شراكة فاعلة، نتيجة لأن مهدد الفاعلين من غير الدول هو مهدد لإسرائيل كما هو لمصر، ونتيجة لأن الدولة المصرية غير مستعدة لأي نوع من التوتر مع إسرائيل حتى يكتمل “مشروعها” للأمن القومي لملء فراغ القوه بالهلال الخصيب والخليج، وتدمير تهديدات الفاعلين من غير الدول، بل إن هذا التهديد المشترك هو الذي سيساهم بدمج إسرائيل بالنظام الإقليمي الشرق أوسطي، بعد أن يستقر من حالة السيولة الحالية، في إطار عملية السلام من وجهة نظر الدولة المصرية الآن،

38

“مستوى العقيدة القتالية والعسكرية”

إن التحول إلى نمط محاربة الإرهاب والحفاظ على أمن الخليج هو ما أنتج عدة أحداث رئيسية بعهد السيسي حتى الآن وهي: الاشتراك بالتحالف الدولي بالحرب ضد داعش، الاشتراك بعاصفة الحزم وخاصة عندما ستبدأ مرحلتها البرية، وربما التدخل المباشر بليبيا الذي من المتوقع أن يتوسع مداه والحمله العسكرية العنيفة التي تجري الآن بسيناء،

“تغيير نمط التسليح”

تلك الأحداث تطلبت تغيير على مستوى التسليح، لم يبدأ من الآن بل من عهد مبارك، وتغيير بتوزيع وتركيز القوات المسلحة جعل المنطقة المركزية العسكرية هي أقوى مناطق توزع قوات الجيش، حتى بشكل أعلى من قوات الجيش الثاني والثالث الميداني المناط بهم الحملة بسيناء، واستحداث ما عرف “بقوات التدخل السريع” وهي المناط بها جميع المهام خارج الحدود، من المشاركة بعاصفة الحزم إلى التدخل بليبيا، .

نخلص من ذلك كلة الى ان العقيدة القتالية للجيش المصرى عبر التاريخ لم تكن ثابتة ، مثلها مثل اى شىء متغير،

فالوضع فى السكون على عكس الوضع فى  الحركة ، فى وقت يتغير فية كل شىء ،ينبغى ان تتطور العقيدة القتالية ،

من الدفاع عن الارض ، الى الدفاع عن الامن القومى العربى الذى هو بالاساس ، الامن القومى المصر، وفى ظل اخطار تحاط بها مصر من كل جانب ، واهما عامل الحياة ،المتمثل فى “مياة النيل” شريان الحياة للمصريون ، اضافة الى ليبيا ،السودان، العراق ، سوريا ، اليمن ، وهناك فى الطريق ،ربما دول اخرى “ستختفى” لذا لزاما  وحتما ، من تغيير العقيد

ة  القتالية من الدفاعية الى الهجومية، لأن المستقبل يحمل لنا ” ويظهر جليا” لاوجود امن لايمد اسلحتة فى اجواء كل الدول المحيطة على الاقل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى