الثلاثاء , أغسطس 3 2021

التشكيلي السوري نجيب جانبيه: مبدع في زمن الكوليرا

عبدالرحمن شاكر الجبوري
 
لا شك أننا عندما نوصف بأن الفن دون ابداع هو اشد تبخيس للفنان، وحكم محتوم يصعب طويه، فأننا لا نثير اشمئزازه ونجرح مشاعره كإنسان، أي لا نقول بأن عليه أن يكون أقل سلاسة جمالية أو أكثر فلسفة بموضوعاته. سنقول ببساطة وسلاسة ايضا بأن هناك نوعا من “السبات الابداعي” الذي وجدت فيه تاملاته نحو فلسفته  الذاتية نفسها، بشكل أو بآخر، متلاحمة ومنغمسة في استغراق مع بعضها البعض، وبالافتراض كضرورة ما يتوجب تفعيله وتنشيطه، هو التيقظ  بانتباه في كيفية ازاحة هذا الكابوس او “السبات الأبداعي”، كما يمارس اسلوب التحرر من “السبات التوهمي” الانف بالتحجج لحقيقته. فحين عرضت علي نفسي مشروع زيارة الرواق الفني للفنان التشكيلي المبدع (نجيب جانبيه) لمشاهدة اعماله التشكيلية الرائعة والمهمة، أثار ذلك اهتمامي في نفس الوقت الذي أحرجني في ظل الحرب/الازمة السورية هو نتاجه الابداعي التشكيلي. مما اقترحت الاعمال ذاتها مخرجاً لذلك، لمتابعة نتاج اعمال الفنان والتوقف عند بعض الموضوعات المتعلقة بأسلوبية التوضيح او التفسير لدى أعماله، في ظل الاوضاع لـ”زمن الكوليرا” لما يحدث في سوريا ونضاله الفني واصراره على التواصل بعطاءه المفعم بصدقية الانسان الفنان بنبل انتماءه الانساني والفني والوطني، دون شك، ولا مزايدات بذلك. 
 
بادئ ذي في رأيي ليس من الضروري تعريف الفن وعلاقته بالابداع كردة فعل أنسني والبلورة في نماءه، كشكل ثقافي ربما، وهذا الإطار يندرج ضمن سلسلة من الظواهر الابداعية التي عرفتها الثقافة الانسانية أمد ليس بالقريب، والتي استطاعت أن تتولد داخلها مجموعة من تشكيلات الأشياء كالاعترافات والحوارات اللونية، أو الخطابات الرمزية، أو ادوات واسلوبية التفكير، والتي يمكن مشاهدتها داخل بعض التشكيلات في عمق الفنان الانساني وتجاربه الفنية، أو اسلوبية المحبة وفروضها كشكل ثقافي، أو في بعض الظواهر المتميزة في قريناتها السابقة من الاعمال الفنية والفكرية الادبية والفلسفية. 
 
مما قد يوقفنا هنا في مبحثنا عند الفنان السوري المبدع (نجيب جانبيه) كمبدع في زمن الكوليرا، إشكاليتين لمناقشتهما تحت مظلة العنوان للموضوع:  

الاولى: هل هناك ثمة علاقات ذاتية أو موضوعية بين الفن كشكل ثقافي وبين فلسفة الابداع كشكل ثقافي تحت ظل الحرب “الكوليرا”؟
والثانية: قبل ذلك، هل يمكن اعتبار فلسفة الابداع لدى الفنان نجيب جانبيه شكلا فنيا ثقافيا؟ 
 
بمعنى، هل فلسفة الابداع عند الفنان نجيب جانبيه لها سمات خاصة في شكلها الثقافي؟ كما ايضا من خلال هذا مناقشي او طرحي لهذا السؤال، لابد ان ننتبه، بأني لست شديد الشغب والاهتمام بفلسفة الابداع، للاثارة كما قد يتوهم البعض للمشادة وكـ”محقق عام” مع الفنان، وبالتالي لست في موقع يؤهلني للتمكن لمعرفة تفاصيل ذلك فنيا، (غير أنني) أعتقد أن مثل هذا الإشكال الواسع والمسهب بجداله في المثاقفة، كبير، ويدور حوله النقاش بين الاوساط الفنية حاليا في ظل”زمن الكوليرا” والمثقفين والفنانين، فربما تكون فلسفة الابداع فعلا هي الشكل الثقافي الأكثر شمولية التي يهتم بها غالبية الفنانين، والذي يمكننا من خلاله التفكير في ماهية الموضوع عند الفنان نجيب على وجه التحديد.
 
وبوضوح أن ما هي العلاقة القائمة للفنان (نجيب جانبيه) بين الفن كشكل ثقافي وفلسفة الابداع في زمن الكوليرا؟ هنا، أعتقد أننا قد نقع داخل مفصل خلاف، يتعارض فيها كل من يدعي بموقف مساند فلسفة الابداع والفن في ظل زمن الكوليرا. هذا الإشكال الذي تغلي إثارته حاليا عبر حلّة من الأسئلة، التي تتمحور حول إسلوبية الـ”الفهم” و”التفسير” لكلا الفريقين.
 
اعتقد وبإيجاز أنه يمكنني القول، فعلا، من خلال الفن وادبياته أخذت باقي القييم الإنسانية في علاقة متشابكة مع فلسفة الابداع منذ عهد بعيد في تاريخ سوريا وحضارتها العريقة، هذه الوقفة تمنحنا تصورا شافيا عن كيف يمكن إدراك البصيرة أو وضوح وعيها الخاص ومناهجها التي قد حددت لنفسها وارثية الفنان الفنية والتشكيلية مجالا  ممكن تسميه الروح الفنية أو الفكر الفني، والذي يشكل حاليا إنموذجا في ثقافة واصالة ما وجدته الافكار الفنية الإنسانية السورية عامة، وما تجسدت نفسها باعمال الفنان المبدع نجيب جانبيه بدعوة إلى توظيفها باسلوبية واضحة وجلية ومتقدمة.
 
هذا وإن كانت الفنون الادبية وإنسانيتها السورية قد أخذت على عاتقها الاهتمام بصفة شرعية استمرارها بالعطاء بهذا المجال الواسع المشار إليه سابقا، فلأن الفلسفة الابداعية قد تركها النقاد “النخبة” بدون تفعيل مجيد في ظل زمن الكوليرا. في الواقع أن هناك حلماً للفنان نجي جانبيه يتراءى من وراء هذه الموضوعات، حلم بأن يصبح بإمكاننا يوماً أن نكوّن نوعاً من التدوين والتأكيد على نموذجية الفن وفلسفة الابداع السوري اهتماما عاما ومثمرا معرفيا للجميع، أو وضع مشروع موسوعي التي تضم جميع الاعمال بمهارات التفسير للاعمال وإدارة منتديات نقاشية اوسع، التي أتيح لنا/الجميع أن نعرفها منذ البدأ للحرب او وباء “زمن الكوليرا” حتى يومنا هذا او تأثيرها لما بعد. إن هذا المقال لتناول تجربة الفنان التشكيلي، والذي يضم اعماله “المحدودة” واسلوبية  الفهم والتفسير، لتجربة لم تصغ منه النهاية بعد الآن، على ما أعتقد، لان الفنان طموحه كبير رغم “فصول” اعماله ومعارضه التشكيلية قليلة. 
 
ما قد يستوقفنا الفنان امام معارضه الفنية التشكيلية (الشحيحة)، بأن نجيب بها، وأعتقد أن هذا هو ما يثير العثور عليه (اعماله) في ظل زمن الكوليرا، وبكل تلقائية، من اؤلئك الذين عرفوا بأنهم المهتمون بالحركة النقدية التشكيلية ومراحل نضجها إنسانيا، أولئك الذين يعتبرون أن مهمة فلسفة الابداع التقليدية، التي ولدت مع اشراق انبثاق الفن السوري العريق هي ما يجب إعادة الاهتمام بها حاليا، ولكن هذه المرة بأدوات واساليب فنية نقدية إنسانية، برفقة ومتابعة الفنون الادبية عامة والتشكيلي خاصة تحت حصار زمن الكوليرا. لا اعتقد أن هذا لا يحيط تماما بالإشكال نفسه في خلد الفنان نجيب جوانبيه، إذ يبدو لي أن تحليلا كهذا للأعمال الفنية له، يبقى وشيج الترابط بشكل بديهي بتصوره الفلسفي الابداعي.
 
وكما يبدو لي أن ما يمكننا قوله، كمدخل عام لفكرة الفن عند الفنان ومهارات “الفهم” و “التفسير”، هو إن الاسلوبية المميزة، على الأقل الاسلوبية في مؤثره الفكري وتراث سوريا العريق بالاضافة إلى تحصيله وتحصينه الاصيل بفضائتها، وما انعكس ذلك جليا ايضا، هو عمق التأثير بثقافات فنية محلية وغير محلية، شرقية وغربية، قد ولدت دائما وبوضوح في ظل زمن الكوليرا  نوعين من الاهتمام والشكوك معا: 
 
أولا، هو: الاهتمام والشك في أن الاسلوب لا يعبر فعلاً عما تعبر. ولربما ألا يكون المعنى العام هو نفسه الذي نتداوله في فهمنا له، والذي يشق طريقه تلقائيا إلينا، سوى معنى غير مكتمل بظاهره، يختزن ضمنيته أو يؤدي تاويله، بالرغم من وضوح تشكيلاته الفنية العامة، قد يؤدي إلى معنى آخر في “الفهم” وليس “التفسير” فقط،، وبذلك يكون هذا المعنى الضمني بدلالته الاخرى التأويلية، هو من يحمل مدلولات الجوهر للمعنى الأقوى، المعنى “التأويلي الضمني”. وهنا الانعكاس للموروث الفني الفينيقي في اعمالهم في تزويد المعاني لا بظاهرها فحسب، عند المتابعه لحقبتهم التاريخية، بل لحمل المدلولات الضمنية لمعنى مقاصدها في الرمز وحركتها في التداول الثقافي. 
 
ثانيا،هو: ان الاسلوبية للفنان المثيرة الاهتمام هو الشك في “الفهم” او “التفسير”، إذ أنها تتجاوز بطريقة ما تشكيلها المرئي الخالص، ذلك أن ثمة عوالم أخرى في تشكيل اللوحة والعمل تتبصر، مع أن هذه الأشياء لا تكوّن صفة رمزية. وفي النتيجة، من المحتمل أن كلاً من الطبيعة للكائنات العضوية العامة للحياة الانسانية تتمفصل بلونها وحركتها وديمومة معناها الظاهري الخلفي والمعلن، كحركة الحصان، الازقة، الاحياء القديمة ببئتها الشامية المشفرة “الفهم و”التفسير، واللون الترابي والبحري، وحفيف الحركة للاشياء كالأشجار، والحيوانات (الحصان العربي)، وملامح اصالة الوجوه وتعابيرها المميزة، والأقنية، والمشربيات..الخ، كل هذه الأشياء قد تمنح تصورا لغويا للفهم والتفسير، وما من شك بالاحتمال، أن ثمة لغة محاكة حياكة بأسلوبية توظيفية ملموسة المشاهدة والاحتراف للتواصل مع المعنى.
 
إن هذين الإشكلين الشكيين في اعمال الفنان نجيب للوقف عندهما واللذين سبق لهما أن برزا حركة وتعابير الحركة الايمائية للجسد “الحصان الربي” وملامح جماحه، لم يزولا او ينفلتا من رمزيتها المثيرة، وهما ما يزالان يتدفقان في تأويل الفهم والتفسير في زمن الكوليرا، إذ أننا أخذنا في نظر الاعتبار مجدداً، بالتحديد منذ تراشق الضربات للفراشاة على ابرازها، في الحركات الصامتة، واللون الترابي في إمراض الالوان للاحياء القديمة، وكل جلبة زمن الكوليرا عليها وما من حولنا، كل ذلك يمكن أيضاً، وأننا نصغي إلى هذه الاعمال له، تجعلنا ان نسكشف المصغىيات الممكنة أكثر من أي وقت مضى للاشيء التي يتناولها بحساسية الفنان ودقة اصالة انتماءه، لكننا ايضا نصل بالمشاكة التلقائية لبعض مفردات الاشياء في زوايا اللوحات محاولين أن نفاجئ تحت ألوانها، وتنوع توزيعها، الى مسحة من الكلمات اللونية خطاباً قد يكون أكثر جوهرية لعمق الكارثة في زمن ما يراه من وباء للكوليرا.!
 
 يمكن أن الإشارة هنا أيضا، شيئا آخر مضادا، وهو، أن شيئا مثل الفن كشكل ثقافي قد أصبح ممكنا منذ اندلاع الوباء، وربما يكون هذا جزءا من قدر فلسفة ابداعية. وعندما أقول الفن كشكل ثقافي، فأنا لا أقصد بها ذلك الفن العام الخاص المسمى بنمطه التقليدي لشكله الثقافي، والذي يدرس ثقافات السبات الأخرى المغايرة لثقافتنا بتحرره من مضاعفات وباء زمن الكوليرا، بل أعني بها تلك البيئة الفلسفية الابداعية الخالصة، التي جعلت من الفنان حاليا  يستنبط من جميع المشاكل فلسفة ابداعية تسكن داخل مجاله الفني والفكري الانساني، والتي يمكن نعته بتمرده على محدودية الإنسان وفضاءه. فإذا كنا نلاحظ الخطوط للاشياء بتشكيلتها الفنية في أعماله، لا نستطيع أن نراه يتلفسف بشكلها الثقافي ونتفلسف معه بترو، إلا في الإنسان بذاته كراصد نبه لمؤثرات وابعاد ما بعد الوباء ايضا، باعتبار نظرته للاشياء من خلال التشكيلات وفضاءها المعنى بحيوية ثقافتها الا كائنات طبيعية أو كائنا متناهيا être fini، في تنوير حقولها التاويلية المعرفية، بدلالات وتصنيفات يمكن ان يتجدد لها قراءات في فهم وتفسير نخالف عما ساد عليها الترميز بمقلدها السابق وفهما قبل الوباء.
 
 إذن، أفلا يمكن اعتبارا لذلك أن الفنان أصبح  ينظر كل فلسفة ابداعية في العمق شكلا من اشكال زمن الكوليرا؟ وفي هذه الحالة تصبح فلسفة الابداع هي ذلك الفن السائد في الشكل الثقافي الذي تكوّن كل معنى للفهم والتفسير للإنسان ومأثره، ممكنة داخله وفي تنامي. هذا ما يمكن أن نفرزه بقولنا حول هذه العلاقة بين الفلسفة الابداعية والفن بشكله الثقافي، والذي سيكون إذا أردنا اليه بعمق تحليلا مخالفا لما قلته اعلاه، ربما، والذي يمكن أن يحوي باضمومته الفنون الادبية وتشكيلاتها الإنسانية داخل الفنان وبتنوع رؤياه بهذا القدر الكبير من تأملاته لفلسفة الابداع في ظل الوباء، فيجعلنا التأني “كما ذكرته سابقا” أن الفنان يجعل من فلسفة الابداع مشروعا لا شاغل نفسه به، إلا ما يجب أن تكون عليه مترابطا بنتاج إنسانية الانسان وخلده في موجهة الوباء بشكل فلسفي ابداعي فني وبرصد لشكل الخطاب الثقافي للفهم والتفسير. هذا ما يمكن أن يعنيه هذا التقاطع، والذي لا بد أن نفكر فيه معه الآن، وحيثما نحن نكون في زحمة زمن الكوليرا، كما كيف يمكن أن نفكر فيه معه عموما لما بعد زمن الكوليرا، واستفهاماته.؟!
 
إنني أعتقد أن ثقافة الفنان (نجيب جانبيه)، لها شكل ثقافي داخل حضارة الشام “الفينيقية”، كان له اسلوبا فنيا لتفسيرها، نوابض تشكيلاها، مساحات روحيتها الفاعلة، ونموذجها الخاصة بها التي تشتبت باسلوبية اعماله التي أراد من خلالها أن يصرخ غير ما يسكت، ولكي نتلمس العنفوان ذلك هو من خلال ما هو نابغ فيه بوجوده المنغمس باسلوبية ليس خارج سياقها. يبدو إذن أن ثيمات مشروعه الفني كشكل ثقافي، مثار إجابة تدشنها فلسفة الابداع بشكلها الثقافي، لكي يكون لنا نظما تأمليا أو اللوحة المتناغمة مع رؤياه، كما كان في ذاكرته بلون هندسة جمالية الحارة ومشربياتهان وشابابيك وقوارير حواضنها المزهرة وايضا عالم روحيتها الجياشة باصالتها من خلال موضوع “الخيل” واصالتها، وهو يحلق بفضاء ذاكرة الشام القديمة “بنبوغها الجمالي والفلسفي التي تضم كافة أنظمة التفسير للابداع هذا.
 
وكما قلنا في تصورنا الأول إن الفنان مثار جدل بذاته في اشباع نفسه بفلسفة الجمال عموما، مما منحت ميدانها له للمعرفه، للابحار نحو طلسمية تفسيرها الوضعي ضمن لها التوضيح المكرس بروحية فنية كشكل ثقافي. تبعا لهذا التصور، ما ضمن خصوصية اعماله شكل ثقافي مميز، بنظرته إلى أنواع أخرى من البحث في ظل وباء الكوليرا، ما جعله يستقرأ وضعانية جديدة للشكل الثقافي ايضا، مضمنت لها الخصوصية للفهم والتفسير بوسائلها واسلوبته الخاصة بنموذجها الثقافي الفلسفي. 
 
لكن ايضا علينا، التنبه بدقة، أن واقع زمن الكوليرا، زمن التحدي، الذي كانت للفنان فيه العمق يتشاطر في ايجاد مسميات للمواجهة الإنسانية، التي يصوغ إشكاليتها ومجالها ومفاهيمها انطلاقا من فلسفة الابداع ذاتها، كانت في مجملها هي فلسفة ابداعية لتشكيلة ثقافية قابلة “للفهم” و”التفسير” في فن التشكيل الثقافي، أعتقد أن الفنان، كان ولا يزال يحاول مواجهة الممكن، آنذاك، تعريف الفن كشكل ثقافي في ظل الوباء إما بانتزاع اللون من روحيته لسابقتها، أو خلق تمرد ذاتي لوعي المفسِّر، أو توجيه المهتم بالفهم للمعنى، ففي هذا السياق أتقد أن التشاطر الذاتي للشكل الثقافي في ذات الفنان بين الفن كشكل ثقافي عام مع فلسفة الابداع الإنسانية التي كانت ممكنة في ذلك الوقت كانت واضحة جدافي تجاربه الفنية، فيمكننا أن نماثل الفن شكل ثقافي (كجمالية للروح) بالفلسفة الابداعية ذات الطبيعة الانسانية، كما نماثل الروح الجمالية بالتشكيل، كما يمكننا مماثلة الفن كشكل ثقافي (كجمالية الفنان بذاته) بالواقعه الانساني-الاجتماعي والموروث الحضاري المتقادم، كما نماثل الفنان بالتشكيلاته الفنية داخل اللوحة، “ولكن”، إذا كنا نعني الفهم بالفن كجمالية للفنان ويهتم بها لاجل الوعي للشكل الثقافي وفلسفة الابداع كشكل ثقافي ملازم، إذن أي شيء يمكن أن يقابله في ظل زمن الكوليرا، هذا؟ 
 
الواقع أنه في زمن الكوليرا يمتد بشكل عام من الانسان ذات الفنان إلى فنه وفلسفته الابداعية في شكلها الثقافي، كان من الممكن القول إن الفن كشكل ثقافي يقابل فلسفته الابداعية شكل ثقافي مغاير، كما يقابل الوعي الفني اللاوعي الفلسفي الابداعي بشكليهما الثقافي. وبالتالي أظن أن إعادة التشكيل الفني وإعادة التقطيع للوحة بين عمقيهما الإنساني قد تمت وبشكل دقيق حول إبراز ماهية اللاوعي الفلسفي الابداعي، أي حول ذاتيته الرغبوية الكامنة أساسا، إذ مع ظهور العمل الفني كشكل ثقافي فقد ذلك التعريف الوضعي للعمل الفني الاشكالي كعمق تأويلي يهتم بالوعي للفنان وبذاته الناقلة تجاربها بإطارها الفلسفي، والموروث عن تاملات تماثلية المراحل الفنية، كل قيمته الانسانية. لنضع نصب أعيننا الآن في مسار أفق آخر، يتجلى بالتمعن إلى إشكالية الفن لدى الفنان (نجيب جانبيه) والتمكن من “فهم” او “نفسير”اللاشعور التي تبدو لمشاهد أعماله كأساس لإعادة هيكلة مجالها ضمن الرموز بعوالم هاجسها الإنساني داهل اللوحة، ما يشكل لنا توقف عن “ما المعنى” الذي يمنحه العمل للاوعي الفنان حول تفسير الرموز بتشكيلتها وموضوعها في بُعدية الشكل الثقافي، إذا اعتبرنا أن معالم الخطوط اللونية وتشكيلتها المتنوعة بفضاءها الإنساني تشكل لحظة حاسمة لفلسفته الابداعية في زمن الوباء.
 
 بمعنى آخر، ان في الواقع الحقيقي للفنان يمثل إشكالية مصيرية من خلال توجسه اليومي لمخاضات زمن الكوليرا، وإن مشكلة الوباء يتراكم في اللاشعور من ما تطرح الصعوبة البالغة في “الفهم” و”التفسير” للالتقاط الموضوع وتمكين تضاريس الشكل الفني للون ورموز تحركات تغيراتها التعبيرية، إذ يبدو ظاهريا للرمز يتناوله الفنان من خلال ما قد يلامس تفاعلية كونيته في علاقة الفن بالتحليل مؤثراته النفسية هو شكل من  الثقافة التراكمية بمورث فاعلها النفسي، مما قد يضاف إلى فلسفة الابداع وعيا يضاعفه ويعيده بالوان وتشكيلات إضافية من خلال اللاشعور الثقافي، غير أنه سرعان ما قد نلاحظ أن اعمال الفنان (نجيب جانبيه) هي من تقوم باسكتشاف اللاشعور من خلال مد لوني مكرر، مديد، من زوايا اللوحة لمركزها، مما قد يجتذب معه من تشكيل ثقافي “للفهم” و”التفسير” المشترك، في نفس الوقت، ابراز زمن الوباء كمجموعة من الإشاكليات والضربا اللونية على وحدات ومفاصل الموضوع التي لا تهم تحديدا الفنان أو الروح الجمالية للفنان او الاخر المقابلة لمضامين خفايا وظاهر زمن الكوليرا، بل إنه قد ابرم، داخل شرنقة فنية لونية تثير تلك الإشكالية النفسية للفن كشكل ثقافي داخل فلسفة الابداع الخالصة، إعادة ما كان، حتى ذلك الوقت مبعدا عنها.. فاستعادة احياءها.
 
فقد تمت إعادة إدخال التشكيل الثقافي فنيا بملونه داخل مجسمات التشكيل للوحة، كما اظهر بقايا لون الحارة وتراثها وشكل الاصالة الثقافي لها، من خلال إعادة ربط مشكلة الفنان بزمن الوباء مع تواسطية الخشية من انتشار العدم بذاته المفكرة أو مع المجموعة اللونية من التراثيات التي ينتمي إليها، أو مع ملامج الوجوه للناس الذي أخذ منها المزيد من الامل والتشاؤم اثر شبح كابوس زمن الكوليرا ووباءها السريع الانتشار، أو مع الثقافة بشكلها الفني التي لم يكن يوما يفتأ الابداع، ان يتجه الفنان ومن معه يفكرون داخلها بعمق فلسفي، الشيء الذي يجعل أن زمن الكزليرا اخذ بتفشيه داخل اختيار اللون والموضوع، يشكل ملمحا مجردا يستكشاف مساحات اللاشعور في العمل الفني كشكل ثقافي، لا يمثل تجميعا لميادين مختلفة مشترك مع الماضي، بل توسيعا لميدان زمن الحرب زمن الكوليرا ووباء فحاشتها، ولكن، في الواقع ذاته نجد الفنان يمتلك حميمية واصرار في عملية اقتحام عوالم نفسه ورغباته وقواسمها المشتركة، بالتنبه بدقة ما عليه، فاخذ يبني من الفن كشكل ثقافي منفصل إلى بناء تواصل فلسفي ابداعي في الـ”الفهم” و”التفسير”، وبواسطته ولج لمختلف ميادين وفروع ما للابداع من فلسفة كشكل ثقافي التي تشمل الفنون الإنسانية بتغلغلها داخل العمل الفني الواحد في تشكيل مفردات اللوحة وعوالمها الفلسفية، لدرجة يمكن معها التامل بعمق، أن كل التشكيلات والرموز الفنية الإنسانية قد أصبحت مع اعماله بطريقة أو بأخرى مرسما ابداعيا، معلما بها جماحه للتنفس الانساني ببواطنها، جامحا ملونة بفرشاة تحد لزمن الكوليرا قبل ان يتسع انتشار وباءها.
 
ولأجل نفهم ما هو طبيعة نموذج التفسير الذي أنضويت عليه المعاني، وبالتالي إلى أي ادوات تفسير يتعامل معها الفنان وينتمي إليه اليوم، يبدو لي من الارجح أنه يجب أن نعتمد مرجعايته التراكمية في ذاكرته، نموذجا من الاسلوبية الذي قد يكون وجدها مثلاً في ما قبل اندلاع الوباء او بدأ اعراضه تدب ازقة واقلام والوان وقصائد ولوحات الشام القديمة، فوثوب الذاكرة يستدعي استنباط ادوات التفسير من تلك الفترة، أي موقع ذاكرته العامة وتجانس روابطها الجامعة هي التي منحت على التفسير أن يعالجها بدلالات رمزية ظاهرة في التشكيل الفني، إنما الوثوب في تلك الرموز هو التشابه للدلالة وان اختلفت المعنى في واقعها الزمكاني. فحيث النداءت للفن كشكل ثقافي كانت الأشياء في مدلولولاتها تتشابه عن اطراف معروفة وجلية لاعراض ونتائج  لوباء زمن الكوليرا الحالي، حث كان ثمة تشابه الانتقال الافقي للون من عمق اللوحة لاطرافها وبحركة متعرجة ومستقيمة، أي كما نلاحظ زمن الكوليرا كيف يبث ثمة شيء يريد الفنان أن يشير اليه، ويمكن أنه متجلى، وإننا نعرف أهمية الدور للفن كشكل ثقافي الذي لعبه التشابه في تأويل فلسفة الابداع كشكل ثقافي موازٍ ايضا، وحين الالوان تتجه برسم انطباعا مرئيا لكافة المفاهيم ورمزيتها كيف تأخذ شكلا معينا تدور حوله فرشاته بضربات فنية مدهشة كالأقمار التابعة لمركز الذاكرة من وسط اللوحة، من داخل كل تشكيل بداخله من علم التشكيل الثقافي الفني وفلسفة الابداع كفضاء يتداخل بخوط عوالمها كشاهد من تلمسه، شكل اوراق النبات من المشربيات في الحارات القديمة، والازقة، الشوارع، السطوح في تمهيد بصري فني ملفت بشكلها الثقافي ، وداخل فلسفة ابداعية مثيرة للجدل كتشكيل ثقافي. في الحقيقة، إن كل هذه الضفيرة من التماثلات الزمانية والمتشابهات المكانية تبدو لنا، نحن الذين ننظر بأعين الفرن المتشوق لرغيف “الفهم” و”التفسير”، الملتبسة التشكيل والمشوشة المعنى . في الواقع إن الوباء المتشابه في الذاكرة، هذا الذي عرفه بتشكيل تراكم ثقافي، كان كامل الانتظام وليس عابث عليه.
 
فقد كانت هناك ملامح وتعابير واضحة في لوحات “الخيول”، على الأقل، محددات فنية للتشكيل الثقافي المغلق لايجاد الفنان باحثا ممسكا عن التجديد عبر محطات تصل به الى ذاك الفن كشكل ثقافي، مرسوم في الذاكرة ومتخيل في الاعمال السابقة، إلى فلسفسة ابداعية نحو اعادة صياغة تلك الرؤيا ضمن فلسفسة ابداعية كشكل ثقافي للفن التشكيلي، وهذا ملموس عبر تعرجنا لرواقه الفني على صفحته للتواصل الاجتماعي، حيث نجد الموضوعات ناقدة بوهج ثاقب الملاحظة باعماله، متلمسين تماماً زمن الكوليرا بتفاصيل موضوعاتها، الوانها، تشكيلاتها مجسماتها في الفراغ، وترادف في أشكاليات وصراع نفسي، وتلويه الحلول في التوصل لبؤرة مفهوم التشكيل المرادف للذاكرة، كروح وتوافيق بالحاضر كجسد مهشم، او توافق مجموعة الضربا الفنية للفرشاة، لاجل احياء التماثل الرمزي لـ”الفهم” والتفسير” للوباء بتشكيل ثقافي مروٍ بفلسفة ابداعية تتشكل فنيا بفضاءه الثقافي. لجمع مفهوم الترميز للذاكرة المرادفة لتطابق احداث حوار زمن الكوليرا، داخل مدلولات مميزة وغريبة. 
 
تأثير انتشار الوباء لمفهوم الفن كتشكيل ثقافي تنافسي ومرادف للموازاة الأكثر جدية لفلسفة الابداع كتشكيل ثقافي، فيما يخص صفات معينة داخل الوعي الفني أو داخل هذه الفلسفة أو تلك للابداع. 
 
هكذا يشرح (الفنان نجيب جانبيه) المغمور في زمن الكوليرا بأن الذاكرة والوباء يتصارعان بتشقق انفاسه كالتجاعيد في ملامح الوجه البشري، وصرخة جامحة كلوحة “الخيول”، مع مجسم حركة الأجزاء السابحة بالغضب والتمرد التي يحددها اطار اللوحة، هو يجد صيحاته الباطنية تنافس بصراخ للسماء، وصداها مع كواكبها السبعة بذاته تدور قلقا وفزع من هذا الزمن…”الحب في زمن الكوليرا” زمن التشرد، الهروب، زمن السمك الجائع ، زمن البحر الهائج للقضم… زمن عولمة الوباء.. المرّ. ما يبحث الفنان بالفن كشكل ثقافي عن التوقعات في التدرج اللوني الذي يشكل بين مميزات الذاتية الانسانية المرئية، صورة الموضوع لميزة ضمنيات غير مرئية ومستترة داخل التفسير.  ثم نلاحظ التشكيل المتنوع في عمق اللوحة، وحركة الفرشاة بمراقبة التفاصيل كما في الحارات القديمة، لتأكده بمجهود التشكيل الثافي كفن يفض تماثله المرادف لتفعيل العلاقات بين ذاته في تشكيلها الثقافي وبين البعد الفلسفي للابداع في تجدد صفتين مميزتين أو أكثر داخل تشكيل العمل الفني والفسفي الواحد. 
 
إن استفاضة زمن الكوليرا عند الفنان (نجيب جانبيه) بالدلالة واسلوبية التفسير كانت ترتكز إذن، في ذلك العمق “للفهم”، على توصيف كلي الوضوح للاعمال لكل أنماط التماثلات والتشابات الفنية الممكنة لفلسفة الابداع كشكل ثقافي، وكانت تنشئ لدى المتلقي، نوعين من المعرفة الفنية متميزين بدافعيتها الكلية cogintion، الذي يعني، الاستيعاب المحاذي، نوعاً ما، من تشابه اوتماثل إلى آخر، والـ divinatio، الذي كان يعني  توصيف المعرفة المعمقة، التي تنتقل من تشابه والتماثل السطحي إلى تشابه وتماثل أكثر عمقاً للمعنى. إن كل هذا التشابهات او التماثلات تعبر عن إجماع الذاكرة بماضويتها او حاضرها الذي يكونها الفنان عن المشهد  وما يتشابه لها في زمن الكوليرا، وهي تعبر حقيقي وليس تصورا يتعارض مع التأويلية الخداعة لصورة الواقع، والتشابه السيئ للمعنى الذي يقوم على تفسير انشقاق الفهم عن اصل الوباء. وهكذا يبدو لي، أنه اي “الفنان” أصبح من العسير الآن التأمل والتفكر باسلوب ومنطق الواقعية التقليدية الشائعة قبل الوباء على الطريقة  التي تشده في التعبير عن مفاصل زمن الحرب، والتحديات التفكيكية للفهم لفرز الرموز بدلالات خارجة عن تفسيرها السابق، التي كانت تظهر المجتمع “كشيء من الوباء” يتعارض مع كينونة الحس الفني او يتشاكر في تماثلاته الفلسفية في كليها الفني الابداعي وكشكل ثقافي ملوث بالوباء الغير مرئي، مما دفع بالفنان بتنضيج مستويات اسلوبية الوعي المكثف للرمز في المجسم التشكيلي وفضاءه والموضوع، والذي هو بدوره “شيء” التفسير إلى خارج مألوفه التقليدي للفهم، مندمج باتصال مع الواقع في زمن الكزليرا، كما أن التمييز الماضوي للذاكرة ينبض احياءه بين الروح الفنية بشكلها الثقافي الجديد والجسد/المجسم لففلسفة التأويل الابداعي للشكل الثقافي، والذي كان يظهر الشيء الكثير في اعماله ، حال التمعن بانتباه لانسيابية حركة الفرشاة في تجسيد الموضوع في التشكيل وعمق الفراغ، بالنسبة لعمق  الفراغ هو المتنفس النفسي لحركة “زمن الكوليرا”، لم يبق له وجود حيث نعرف الآن، بل تغلغل انتشار وباءه، وكما نعلم ويعلم الفنان جيدا أن ان الشكل الثقافي هو جزء لا يتجزأ من نفسنا، أولا ينفصل عن هذه التجربة التي يهتم بها  الفنان نفسه عن ذاته الفنية-الانسانية، والتي هي في نفس الوقت تمثل  ذاته الواعية في اسلوبه الفني، ولا واعية في مكونات فلسفة الابداع لشكلها لثقافي المرتقب، لدرجة أنه لم يبق شيء في العمق إلا عمق الفنان في طرح السرديات بمطرقة لونية من المعارف الفلسفية لمواجهة حديات اللون والموضوع والفراغ وفكرته المستحدثة في ظل ازمة الكوليرا الراهنة. 
 
إن الفنان (نجيب جانبيه) يستولي بنفس الاسلوب على التفسيرات التي سبق لها أن استولت على بعضها البعض في زمن القيح والوباء. احساسه بالنسبة لها مدلول أصلي لى روح التمرد. والتشكيلات الفنية نفسها ليست سوى تفسيرات قبل أن تكون دلالات خاضعه للفهم الخاطيء، وهي في النهاية تثير لديه اللا معنى  التقليدي للفهم الفضاء المجرد، لها، إلا لأنها ليست سوى تغيرات جوهرية في اسلوبه الفني كشكل ثقافي شاهد على زمن الكوليرا. تشهد اعماله الفنية نوازع على الزمن اشتقاق فلسفي ابداعي للشكل الثقافي الفني النقدي للمعقول. وهذا ما تشهده أيضاً اعماله، حين يرسم اللوحة أن اللاشكال بالوانها دائماً تبتكرها الطبقات العليا من تراكمية الواقع لفهم ما خفي بالذاكرة من حضور ردة الفعل اللاواعية لاحياءها من جديد ضد لامعقولية مجريات زمن الكوليرا الفاحش ببشاعته، اما الخلفية للفراغ إنها لا تشير إلى مدلول ساكن، بل هي تفرض تفسيرات وفهم مكتنف بين طيات التشكيلات وانبراء خطوط مجسماتها. وبالتالي، نحن امام فروض سياقات فنية ابداعية، تنبه ما علينا الآن واجب التفسير والادلاء عما تتنفس، مدركة صرخاته بلونها الترابي المشتركة بتعابير وجه الخيل، بنظراتها الشازرة الشاردة للقاء لم يحصل في مشهد الزمن، ليس بسبب وجود دلالات أولى ومحجية بتوجس لخلفية الاعمال، وما هي مقرؤة ومفهومة للعيان، مضيها الفحش الوحشي الاقبح، التي تغني عن المعنى المكاني بافتراض التضادات، والتصدع الانساني الذي يعكسها الفنان بحدود خارج الاختيار، بل لوجود اثر التفسيرات كغاية، ولأنه “الفنان” ما يزال يوجد في كنف غايته، تحت كل ما يتكلم بالاطروحة الصلبة للقيم الاخلاقية، واضحة في نسيج التفسيرات العنيفة الكبير بين الشر والخير في التشكيلا للوحة. ولهذا السبب توجد دلالات بحامل اهميتها، دلالات تملي علينا الاستفادة من تفسير تفسيرها من خلال ذاكرته لواقعنا، وتملي علينا أن نقلبها كدلالات رأساً على عقب من مهلهلها الإشكلي في ردها الى اماكن اللقاءات  والاستلهام. بهذا المعنى يمكن القول أنه يتوضح  مع اعمال الفنان،ان زمن الكوليرا لا يقتصر فقط في عمق اللفنان وقبلها باللحظة الراهنة، على ما انزلق قبله، او ما سينزلق لاحقاً تحت التشكيل لكي يبدل أماكنها ويحركها “بأبوية” استعلائية، في الرحمة والشفقة، ولكنهما هما اللذان يولدان التشكيل في ومض الفراغات، ويجعلانها تبرق بلمعان في التركيب والالوان، ولا يتركز أبداً على الغموض بل على التفسير والفهم. لهذا السبب أيضاً نجد أن  الفنان بمضمون اللوحة هو المفسر لدى ما عليه من فلسفة الابداع بشكلها الثقافي في المقاربة لاطر الفن  باستنتاجات شكله الثقافي الواجب بذاته، هو “العارف-الشاهد”، إنه “الحقيقي/الواقعي” ليس لأنه يستولي على حقيقة زمن الكوليرا التي ترتقي للمعنى لكي ينطق بها الينا، بل لأنه يعلن التفسير/الفهم الذي يسعى كل إظهار الحقيقة لا إلى طمسها. قد تكون أولوية الموضوعات للعمل الفني توظيف التفسير ما عند الاخر من خزين معرفي في التاريخية ومراحل وعي الحرية لديهم هذه على الدلالات، كما ان تمرده اعلان الحرية ميزة وجودة الانساني، هي الشيء الأهم في التأويل لتشكيل المناويء للمألوف وكشف الوهم الجليل، من خلال فيض تأمله الفلسفي الابداعي في مناورة المعنى.
 
إن الفكرة الفلسفية وانطباعي بالخلاصة، بأن الفنان (نجيب جانبيه)  يخشى سؤ الظن من ان التفسير للفن لديه كشكل ثقافي نابع من فلسفة الابداع في تحقيق الشكل الثقافي وهي ما تزال تتشكل في وصف المعنى الحقيقي. وكما نؤكد هذا الادعاء، بان لا يكون الفهم والتفسير للعمل الفني الواعد يسبق الدلالة، خصوصا حين تحتم ألا تكون الدلالة كائناً مفارقا بسيطاً واستفهميا وايضا استفزايا، خلابا لطيفاً بكسر ألواح الشراع الجامدة، كما كان الأمر ما يزال في يتسم بنقص او قلة الخبرة بقراءة مقاصد التشكيل الثقافي كما يتناولها الفنان بتمرس مميز للمسارب القصدية، بحيث أن فيض ما تراهن عليها الدلالات وتشابه سياق الأشياء بتشكيلات ناجزة كانت تثبت ما مرتبطة بزمن وباء الكوليرا، ولا تبعد، إلا بحجاب شفاف، دلالة المدلول المتمثلة في السياق، داخل ازمته الداخلية. يبدو لي بتواضع وما توفرت لدي من غلبة التفحص وباحث في المجال الفلسفي، وبناء المفاهيم ومدودها في المجال الثقافي، والمُثل والانتقادات التي استغرق فيها الفنان واسلوبيته في التفكير، أنه انطلاقاً بدوه، أي انطلاقاً من الفنان، وتحدياته زمن الكوليرا، فهو اوضح ما مطلوب وسماح الدلالة بمكامن المطالبة السيئة النية في سعي سعير وديمومة زمن الكوليرا. مما اجد نفسي في مواجهة محتدة فيما يريد الفنان اتصالة بروح الفن وقوله باخضاعها إلى تشكيل ثقافي باخلافها وإشارات ورموز اعمالة المثير لاسئلة محرجة لفلسفة المكون الابداعي الثقافي، أنه توجد داخل الدلالة يتم باسلوبية كشف عن ملتبسات وغامضة قليلاً في أن تسئ لإرادة الحرية والنية باعمال ابداعية مميزة. وذلك بقدر ما تصبح الدلالة لزمن الكوليرا ذات تفسيراً لا يقدم نفسه من حيث هو الرافد الاوحد، بل بطرحه المفارقات للفن بتشكيل ثقافي ومرجعا اخلاقيا ذات طابع نقدي عام. إن الدلالات مثخنة باعمال الفنان هي تفسيرات لزمن الكوليرا، تحاول أن تبرر نفسها والمواجه بتورم انفعالي انساني، والملاحقة والتداول بالتواصل في إطار تساؤته الإشكالية، وليس العكس، كما فرضها بتأملاته الفلسفية، كخلاصة.
 
هكذا عملنا بنقل المثالب النقدية لاعمال وتجربة الفنان (نجيب جانبيه) كما هو محدد في  العنوان “مبدعا في زمن الكوليرا”، خصوصا ما تعمل عليه الإشارات الفنية في استفزاز الأعراض الوبائية المرضية عندما تتمكر ما تضمنه زمن الوباء. نجد لدى الفنان أن صوت الفنان النقدي مثل “الحق” لتعميمها في الوعي وتمييزها عن الذاكرة الماضوية بخطاياها، و الفنان ما قرأنا عنه هو التصنيفات الثنائية للخير والشر، وتثمين جهد الابداعي المميز وبالتالي الدلالات، إنما سعينا لفك أقنعة التشكيلات الفنية بشكلها الثقافي. كما إن الدلالات باكتسابها الاجتهاد والتجديد للوعي ومساهمة في فتح الافاق، هذه المقالة هي محاولة متواضعة والقائمة على تفكيك عما طمس التفسير في اجتهادات وتاويلات ارجة عن سياقها الطبيعي لما ارسى اليه الفنان من جذؤية ابداعية نقدية وفلسفية ابداعية. المقالة او موضوعنا هذا، إنما هو تفقد وجودها البسيط بين اعمال المبدع السوري الفنان(نجيب جانبيه) كدالة وما تلقيه نظرتنا لاعمالة، وهو “الفنان” وجوده ما يزال يملك نبضا حيا في نهضته الفكرية الفنية الابداعية. قد أصبح بإمكاننا أن تتسلل عبر هذا الاختراق اللطيف للخلاصة أن نشكر الفنان بموافقته على منحي الفرصة الثمينة.. للكتابة والسير في سياق نقد اعماله. لم تكن نظرتنا  الا ابراز الدلالة إلا اللحظة الشفافة والوضوح قليلاً للفهم والتفسير للاعمال في ظل زمن الكوليرا. أما الآن فقد أصبح من الممكن أن يقوم القاريء بالمشاركة من داخل الدلالة لاعمال الفنان والتشكيل الثقافي والمفاهيم المتعلقة. اما السلبية، والتناقضات، والتعارضات، وباختصار مجملها قد تكمن في مهارة اسلوب الفنان بتعامله مع ادواته المتفاعلة التي برع بوقفته البارزة مبدعا في زمن الكوليرا في تحليلها وتوصيفها فنيا في وصفها في الشكل الثقافي العام عنها.
 
 
 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: