الثلاثاء , يناير 19 2021

عبدالغفار شكر: رئيس مجلس النواب يحول المجلس الى مدرسة ..؟

 

فوجئ المجتمع المصري بتصريحات للدكتور علي عبد العال رئيس مجلس النواب انه سيحيل إلى لجنة القيم أي عضو في المجلس يناقش السياسة النقدية للحكومة في وسائل الإعلام، كما استنكر ان يتلقى النواب تدريبا على كيفية القيام بمسئولياتهم البرلمانية وكيف يناقشون الميزانية، واتهم مراكز التدريب بانها تمارس نشاطا هدفه اسقاط مؤسسات الدولة وكانت هناك ردود فعل قوية ترفض هذا الموقف من رئيس مجلس النواب لانه يصادر على حق النواب في مناقشة كافة القضايا وابداء آرائهم بما يؤدي إلى مشاركة المواطنين في متابعة أعمال المجلس سواء بالتأييد أو المعارضة. وللدكتور علي عبد العال مواقف يبدو منها الاستجابة لما تطالبه به السلطة التنفيذية.

ينسى الكثيرون ان الحياة البرلمانية لمصر بدأت في منتصف القرن التاسع عشر تقريبا وفي هذا التاريخ الطويل من العمل البرلماني المصري هناك العديد من الدروس المستفادة نختار منها درسين فقط يتعارضان مع توجهات الدكتور علي عبد العال فقد تأسس مجلس شورى النواب كأول مجلس برلماني في مصر عام 1866 من 75 عضوا كمجلس استشاري للخديوي إسماعيل والحكومة ولكن هذا المجلس سرعان ما بدأت مواقفه تتطور في اتجاه اكتساب استقلالية أكثر تجاه السلطة التنفيذية وفي مواجهة الخديوي. هذا المجلس يقدم نموذجا جيدا للاصرار على ان يكتسب المزيد من الاستقلالية والمزيد من الاختصاصات في مواجهة الحكومة. وفي 1871 طالب النائب عثمان الهرميل ان يعرض على المجلس خطة الحكومة المالية. وفي استجابة لذلك تقدم رئيس الوزراء ببيان مالي عن مصروفات الحكومة وإيراداتها. وتبلورت المعارضة عام 1879 بزعامة النائب محمود العطار الذي انتقد ريفرز ويلسون وزير المالية الإنجليزي وأصر على ان يناقش المجلس السياسات المالية للحكومة، فاقترح بعض الأعضاء تشكيل لجنة من المجلس يعرض عليها البيان المطلوب لكن النائب عبد السلام المويلحي رفض ذلك مطالبا ان يناقش المجلس كله البيان المالي. ولما تدخل رياض باشا رئيس الوزراء في النقاش رافضا ماطرحه المويلحي فبادر النائب عبد الشهيد بطرس بوصف حديث رئيس الوزراء بالوقاحة، وتطورت المناقشات داخل المجلس في مواجهة قرار رياض باشا بفض دورة المجلس ولكن عبد السلام المويلحي تصدى له مؤكدا ان المجلس لن ينفض قبل ان يأتي اليهم وزير المالية الإنجليزي ليعرض سياسة الحكومة المالية وقال المويلحي اننا لن نخرج من المجلس إلا على أسنة الحراب وهي المقولة التي طرحت في المجلس النيابي للثورة الفرنسية، وتم للمجلس بالفعل ما أراده. ومن هذه الوقائع نرى مجلس شورى النواب يوسع سلطاته وينجح خلال 10 سنوات فقط في تحقيق تطور ملموس في هذا الاتجاه. ويقدم بذلك درسا لمجلس النواب الحالي في كيفية الحرص على اختصاصاته التي يتضمنها الدستور والتي يتجه البعض إلى التنازل عنها استرضاء للسلطة التنفيذية وقيادتها.

اما الدرس الثاني فهو الذي يقدمه مجلس النواب عام 1951 وكانت أغلبيته وفدية، وكانت حكومة الوفد والديوان الملكي لا يتحملان ما تنشره الصحافة المصرية في انتقاد الملك فاروق وحاشيته وانتقاد سياسات الحكومة ولان حكومة الوفد كانت حريصة على شعبيتها فقد أوعزت إلى النائب الوفدي اسطفان باسيلي للتقدم بمشروعات قوانين ليقرها مجلس النواب تتضمن فرض قيود شديدة على الصحف وتقدم بالفعل اسطفان باسيلي بـ 3 مشروعات قوانين تفرض العديد من القيود على حرية الصحف وتعطي للحكومة الحق في مصادرة الصحف التي تمارس نشاطها في مخالفة لهذه القوانين وكان رد الفعل لما طرحه اسطفان باسيلي من مشروعات قوانين عنيفا للغاية سواء في داخل البرلمان أو خارجه. خاصة وان الحركة الوطنية المصرية كانت في أوجها مصحوبة بنضال ديمقراطي اشتركت فيه العديد من القوى والأحزاب السياسية. وكانت المعارضة الوطنية الديمقراطية تشمل دائرة واسعة من الأحزاب والنقابات والهيئات بما في ذلك حزب الوفد وبادر الدكتور عزيز فهمي عضو الطليعة الوفدية الجناح اليساري لحزب الوفد بالتصدي لهذه المقترحات ومارس دوره كنائب في مجلس النواب لمناقشة مشروعات القوانين الثلاثة، ومن الملفت للنظر ان النائب الذي قدم هذه المشروعات كان وفديا والنائب الذي تصدى لها كان وفديا أيضا. وعندما تحددت جلسة مجلس النواب لمناقشة هذه القوانين طلب عزيز فهمي الكلمة وكان مريضا بمرض صدري وعندما أعطيت له الكلمة شن هجوما ضاريا على المشروعات ومقدمها وطرح وجهة نظر قانونية في هذا الصدد وقدم أمثلة ملموسة تؤيد وجهة نظره وفي غمرة انفعاله تقيأ دما بسبب مرضه وكان رئيس مجلس النواب عبد السلام فهمي جمعة باشا هو والد عزيز فهمي الذي أعطاه الكلمة وهو يعرف انه سيعارض هذه القوانين وحاول ان يخفف عن ابنه بعدما تقيأ دما بطلب رفع الجلسة ولكن ابنه لم يستجب لذلك وواصل دفاعه عن حرية الصحافة وكسب تأييد أغلبية المجلس وشعرت قيادة حزب الوفد بأنها ستخسر هذه المعركة بسبب دفاع النائب الدكتور عزيز فهمي عن حرية الصحافة فطلبت من اسطفان باسيلي سحب مشروعات القوانين التي تقدم بها. وهذا هو الدرس الثاني الذي نستخلصه من تاريخنا البرلماني. نثق في ان العديد من الأعضاء الحاليين سوف يواصلون مسيرة العمل البرلماني الديمقراطي وعدم التنازل عن اختصاصاته وعن حق الأعضاء في ان يناقشوا كافة سياسات الحكم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: