الثلاثاء , يناير 26 2021

مطرُ المساء الأخير…..نص أدبي للكاتبه هدى الشابي

 

أشتهِي مساء خالٍ من الأنفاسِ … مساء يَحملُني إلى أبعادٍ مختلفة من الحياة أجهلها و لن أرغب في اكتشافها …

غريبينِ نقفُ على طرفيْ خط الفضول و نحافظ على تلك المسافة الفاصلة التي لو قطعناها لقَتَلْناَ ذلك الغموض المُلهم الذي يشُدّنا إلى بعض … 
متقابلين نقفُ مسكونين برغبة في التّلاقي لن تخفُت نبضاتها .. طالما نحن على مسافة بُعد …

على عتبة بيتٍ مهجور و أنا أتأبطُ مسائي ، أجلسُ بلا ضجرٍ ، أرقُبُ الأفق البعيد المتلاشي بلا هدفٍ …
أمرّغُ نظراتي في الاخضرار الشاسع …
أقوم بآخر محاولات مقاومة التّلوّث … أتنفّس عميقا لأنقّي الدم في رئتاي ، و أتقيأُ بعض النفايات.

أسكُب كل دروس التاريخ هناك كما هي بأخطائها ، على عتبة البيت المهجور … 
أُفْرِغُ مُخيّلتي من كل تلك الأحلام السّخيفة ، الغارقة في السّذاجة …
أمحو كل تلك الذكريات الحلوة و أترك المرّة منها ، أغتالُ كل الصّباحات التي كنت فيها طفلة …

أدسُّ يدي في جيبي ، أُخرجُ تلك الورقة الصغيرة التي دوّنت فيها آخر التفاهات التي خنقتني ، أُطالعها لأتأكّد أنّي حفظتها عن ظهر قلب ، من باب الاحتياط أُعيدها لمكانها ليكون بحوزتي نسختين من بلادة قَلَّ تواجُدها …

أقف … و أمشي بلا وجهة محددة.

أمشي بنسق ثابت ، المساء بدأ يتبخر … لكن ما زال فيه رمق أخير …لا أنظر إلى الوراء … السّماء تُحيّيني … و يتساقط المطر مدرارا يغسلني من وحل الطريق ، و أظل أمشي لا اسرع و لا ابطىء الخطى حتى نهاية المساحة التي تلامسها قدماي … 
أقف هناك للحظات او لساعات أو أكثر أو أقل ، على حافة الهاوية ، أمارسُ قدسيّة الفراغ ، خاوية الذهن بلا تراكمات مغسولة بدموع السماء و لا أثار خلفي ، ثم أخطو الخطوة الأخيرة …

و يسدلُ اللّيل ستاره على مساء كان مختلفا . و على رداءة خنقتني فأجهضتُها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: