الأحد , يناير 24 2021

عبدالرحيم حشمت عسيري يكتب …..سيدتي القبطية لا تخافي ولا تحزني

 

إن تدمير الدول ، ونهب ثرواتها ، وتشريد شعوبها ، وهدم المجتمعات لا يحتاج بالضرورة في هذا العصر إلى إشعال الحروب ، واحتلال الأراضي بل يكفي لتحقيق ذلك زرع العملاء وتجنيد الخونة وتدريبهم لإثارة الفتن الطائفية في الدولة المستهدفة ، وإحياء النعرات العرقية بين أبنائها ، وتأليب مجموعاتها الإثنية ، والافتئات على مؤسساتها الوطنية ، والتشجيع على الانتقام ، ونشر الإشاعات ، وبث روح الثأر بين العوام ، ثم ترك الجهلة والأغبياء لاستكمال المهمة دون جهد أو عناء .. وهو ما يطلق عليه الجيل الخامس من الحروب .. وما جريمة تعرية المواطنة المصرية الحرة في محافظة المنيا إلا خطوة أولى في طريق هدم أركان هذه الدولة . 
في غياب فاضح لكافة الأجهزة الأمنية اقترف نفر من الأشقياء والمتطرفين والبلطجية جريمة بشعة ضد الإنسانية .. في إحدى قرى مركز أبو قرقاص بصعيد مصر .. في حق عجوز قبطية بائسة ، لا حول لها ولا قوة ، لم ترتكب جرما سوى أنها مواطنة مصرية فقيرة ، تنتمي إلى عائلة بسيطة من عامة الشعب المصري العظيم الذي فجر أبناؤه ثورتين شعبيتين خلال سنتين اثنتين وبضعة شهور .. الثورة الأولى قامت ضد الفساد والظلم والتوريث ، أما الثورة الثانية فاشتعلت ضد الانقسام والتفرقة والتمييز . 
لا شك في أن ارتكاب هذه الجريمة النكراء يعتبر إهانة بالغة لدولة القانون ، وافتئات صارخ على السلطات العامة ، وخَصم واضح من رصيد الشعب المصري ، وتهديد صريح لنسيجه الوطني ، وفرصة ذهبية لأعداء الوطن وأعداء الدين وأعداء الإنسانية .. الذين يتحينون الفرصة ، ويتربصون بليل لهذه الأمة ، كي يسكبوا الزيت على النار ، ويشعلوا الفتنة الطائفية ، ويستغلوا هذه الحالات الفردية ، ويظهروها للعالم كله شرقه وغربه كما لو كانت ظاهرة عامة سلبية ، لاستعداء الخارج على مصر قلب العروبة النابض . 
المؤسف أن مرتكبي هذه الجريمة التي تناقلها الإعلام الرسمي والخاص ووسائل التواصل الاجتماعي .. قدموا للمتربصين بمصر ، والمتصيدين للتجاوزات والأخطاء جريمة مكتملة الأركان .. كي يشيعوا من خلالها بأن هناك حالة من الانقسام الأهلي يعاني منها المجتمع المصري ، ويؤكدون على وجود تفرقة عنصرية تمارس على المستوى الرسمي والشعبي .. ضد الأخوة الأقباط الذين أوصى بهم خيرا المصطفى عليه الصلاة والسلام بقوله (إذا افتتحتم مصر استوصوا بالقبط خيرا فإن لهم ذمة ورحما) . 
إن ما نسب إعلاميا لابن هذه السيدة من ارتباطه بعلاقة آثمة مع زوجة أحد المتهمين هو بكل المقاييس جريمة بشعة يعاقب عليها القانون .. لذا يجب تقديمه لمحاكمة عاجلة كي ينال العقاب اللازم جراء ما اقترفت يداه .. لكن ارتكاب أية جريمة ليس مبررا لارتكاب جريمة أشد منها بشاعة ، وأسوأ منها منقلبا ، وأضل منها سبيلا .. وإلا أصبحنا في غابة .. إن تعرية سيدة جريمة همجية تتناقض مع القيم الإنسانية التي يتحلى بها أبناء الصعيد ، والأهم أنها تتنافى كليا مع تعاليم ديننا الحنيف ليس هذا فقط بل غاب عن هؤلاء المجرمين أنهم قبل أن يؤذوا هذه السيدة قد أذوا بجهلهم المطبق الرسول الخاتم .. ذلك لأنهم نسوا أو تناسوا قوله صلى الله عليه وسلم ( من آذى ذميا فقد آذاني ومن آذاني كنت خصمه يوم القيامة) . 
أين ذهبت نخوتنا نحن معشر الصعايدة عندما ارتكبنا هذه الواقعة المؤلمة الشاذة عن مجتمعنا ؟ .. وأين المروءة ؟ .. وأين الكرامة ؟ .. وأين الرجولة ؟ .. هل هذه أخلاقنا ونحن الذين نعتز بعاداتنا ونتميز بأصولنا ونفتخر دائما وأبدا بأخلاقنا وأعرافنا ؟ .. ثم من قال لكم أيها الجهلة الأغبياء أنكم بهذه الفعلة الشنعاء أخذتم حقكم ؟ .. ومن المحرض الذي أوهمكم أنكم بهذه السفالة استرديتم كرامتكم ؟ .. ومن الجاهل الذي أفهمكم بأن هذه السيدة المصرية الأصيلة تختلف عن أمهاتكم وأخواتكم وزوجاتكم ؟ .. فهل يليق بكم أيها الأغبياء أن تفعلوا بسيدة من بني جلدتكم هذه الفعلة النكراء ؟ .. هل نسيتم كيف ثرتم على المدعو السبكي حينما تطاول على نساء الصعيد ؟ .. أليست هذه السيدة المحترمة من نساء الصعيد ؟ . 
إني لأعجب أشد العجب كيف لشعب بكامل فئاته وطوائفه وطبقاته يحتاج إلى درس في التربية الوطنية ؟ !! .. ثم متى نعلي من شأن المواطنة بعد ثورتين شعبيتين في دولة عمرها أكثر من سبعة آلاف سنة ؟ .. ومتى نتخلى عن فكرنا المتخلف الذي لا يكاد يبرح معضلة (الدجاجة أصل البيضة أم البيضة أصل الدجاجة) ؟ .. والأهم متى نستثمر وجود هذه القيادة الوطنية العاقلة على رأس السلطة ؟ .. ثم متى نتفرغ تماما للعمل حتى نعوض ما فاتنا ونتمكن من اللحاق بالشعوب والأمم التي سبقتنا ؟ .. ومتى نترك هذه التفرقة التي غرسها الاستعمار وما زال يغذيها أعوانه من الجهلة والسفهاء والخونة والأغبياء ؟ .. لكن كيف نصب جام غضبنا على هذه الرعية الجاهلة دون أن نلقي نظرة سريعة على رب الرعية ؟ .. أليست الشعوب على دين ملوكها ؟ .. فالحق يقال أن هؤلاء المجرمين لم يأتوا بجديد .. إن كانوا فعلوا ذلك فقد سبقتهم الأجهزة الأمنية إلى ارتكاب مثل هذه الأفاعيل قبل الثورتين وبعدهما .. هذه هي الحقيقة المرة التي لا يمكن إنكارها أو السكوت عليها .. إذا كنا فعلا ننشد الإصلاح علينا أولا أن نواجه أنفسنا بما لنا وعلينا . 
سيدتي القبطية لا تخافي ولا تحزني .. فأنتي تاج على رأس كل مصري ، سيدتي المواطنة الشريفة المكافحة جريمة (تعريتك) أصبحت قضية رأي عام ، ولا يستطيع جهاز أو مسئول كائن من كان أن ينكرها ، ولا يمكن نسيانها أو تجاهلها أو التعتيم عليها ، فاطمئني سيدتي كرامتك حتما ستعود إليكي .. بعدما تستفيق الدولة من غفلتها ، وتبسط سلطتها ، وتفعل قوانينها ، وتحمي مواطنيها ، وتعيد الجماعات الضالة إلى جحورها ، وتخرس ألسنة العملاء والمتربصين ، وتقطع دابر الخونة والمتآمرين . 
الأمل ما زال قائما فلن يضيع حقا وراؤه مطالب ، والمؤكد أن هذه المطالب ستجد يوما أذانا صاغية وعقولا واعية ، والدليل أنه منذ اللحظة الأولى لارتكاب هذه الجريمة المخزية خرجت أصوات نيابية تطالب باستجواب وزير الداخلية ، وأصوات أخرى تطالب بإقالة محافظ المنيا الذي أنكر الواقعة ، والجميع يطالب بسرعة ضبط المتهمين ، وتقديمهم لمحاكمة عاجلة حتى يكونوا عبرة لكل من تسول له نفسه أن يقترف جريمة مشابهة .. وهذا كله رغم أهميته لكنه ليس كافيا بل لابد من بسط هيبة الدولة على جميع المستويات ، وتغليظ عقوبة الاعتداءات المشينة على الحقوق والحرمات . 
الحقيقة التي تبدوا غائبة دائما عن المشرع وأصحاب القرار ، وتعد من الأسباب الرئيسية فيما نعاني منه الآن .. هي وجود ثغرات كثيرة في نصوص القوانين ، وأخطاء أكثر في تنفيذ الإجراءات ، ناهيك عن غياب العدالة الناجزة ، والاهتمام الملحوظ للأجهزة الأمنية بالأمن السياسي على حساب الأمن الجنائي ، والانتشار الواسع للوساطة والمحسوبية والموائمات السياسية .. الأمر الذي يترتب عليه للأسف الشديد إفلات المجرمين من قبضة العدالة ، والذي يدفع بدوره المواطنين المغلوب على أمرهم إلى الاعتماد على الذات في الدفاع عن أنفسهم وأعراضهم وحماية حقوقهم دون انتظار الدولة التي لا تحمي حقا ، ولا تحفظ أمنا ، وغالبا تكون هي آخر من يعلم .

 
 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: